سنوات اليأس والرجاء


 

_ لن أتحدث عن نصر أكتوبر من الناحية العسكرية، فقطعاً هناك من هم أقدر منِّى وأعلم بهذا الملف، وإنما كل مايعنينى هنا هو المجتمع المصرى والأسرة المصرية والمواطن المصرى، وكيف تلقى صدمة الهزيمة، وكيف واجه شبح اليأس وتغلب عليه فى تلك المرحلة الفارقة من تاريخنا الحديث، وكيف أعاد تأهيل نفسه واستعاد روحه وعزيمته، وكيف عانىَ وتحمل مشقة تدبير أمور معيشته فى ظل وضع اقتصادى مُنهار.،

_ كيف تحمل المصريون إحساس الهزيمة ومشاعر الإحباط واليأس والاكتئاب، وكيف كانت تحيا تلك المشاعر إلى جانب الترابط العميق واختفاء النزاعات والخلافات الشخصيه، وتوحد الجميع علي كلمة وهى الوصول الي النصر وهزيمه العدو المحتل لأرض بلادهم،
_ كان هذا هو الدافع والمحرك الذى لأجله هانت عليهم مصاعب حياتهم، فصاحبوها وتأقلموا معها دون ضجر، بل وصل بهم العطاء وإنكار الذات إلى استقطاع الأقل من القليل المتاح بالكاد لهم، من أجل التبرع به للمجهود الحربى لإعادة بناء جيش مصر وتسليحه،
وبوعى كبير إلتفوا حول القائد وطالبوه بالاستمرار في الحكم للخروج من تلك المعضلة السياسية، فشهدت تلك الأيام ملحمة نادرة بين الشعب والقيادة الحاكمة، واستطاعوا تحويل الهزيمه إلى انتصار تحدث عنه العالم اجمع.

_ كان وقع الهزيمه مروعاً علي نفوس المصريين فلم يكن يتوقع أحد ما حدث، وخاصة فى ظل التصريحات المدوية التى اطلقتها القيادة السياسية وقتها والحديث عن خطوات للتصعيد ومواصلة التلميح علي أن فى استطاعه الجيش المصرى الدخول لتل أبيب، مما رفع سقف طموحات المصريين فكانت الناس مهيأة للنصر ولا متسع داخلهم لأى احتمالٍ آخر، خاصة بعد صبرهم الطويل والذى أعلنت القيادة السياسية بعده انه كان فتره تجهيز وان في استطاعة مصر التصدى لأى هجوم، ولكن جاءت الهزيمة، فكان تنحى عبد الناصر الذي رفضه الشعب وأعاده إلى الحكم لارتباطهم الروحى شديد الخصوصية به ولأنه لم تكن هناك بدائل حقيقية أخرى مطروحة أمامهم.

_ وبرغم مشاعر السخط والخوف التى سيطرت على القلوب فى البداية، إلا أن حالة التماسك والاستنهاض والتلاحم والتخللى عن المصالح والاحتياجات الشخصية لصالح استعادة وطن واسترداد كرامته، كانت هى الدوافع الغالبة،
فكان التصدى بحرب الاستنزاف وحشد القوى الشعبية بداية لتصحيح الأخطاء، و تلاحم معه دور القوى الناعمة بمثقفيها وفنانيها، وهكذا ترفع الجميع عن الصغائر وتخلوا وتنازلوا لصالح الوطن، خَلُصَت النوايا، واتحدت كل العناصر وتوحدت الدوافع والأهداف، حتى بعد وفاة ناصر لم يتوقف المسير، جاء السادات العظيم، وأعد رجال بلادى عدتهم وعتادهم وأتقنوا هذه المرة خطتهم ،
فكان لزاما أن يأتيهم النصر من عند مليكهم وعداً منه صادقاً وعهداً قطعه على نفسه ومنةً لمن استحق وأخلص،
_ تحقق النصر وصار بكل المقاييس العسكرية إعجاز وقُهِرَ ما كان يروج له بأنه مستحيل، وكُسرت شوكت إسرائيل
تحقق النصر برغم ضيق حال العباد وضعف اقتصاد البلاد وتربص أعداء الداخل والخارج.. ولكنه الله حين أراد وحين رأى أننا نستحق

_ وهكذا..
فما بين اليأس والرجاء عاش المصريون سنوات الحرب بانكساراتها ومشقة أيامها بصبرٍ وتجردٍ فريد،، واجتهد كلٌ فى موضعه بدأبٍ وعزمٍ شديد،،
سعوا بإخلاصٍ فآتاهم النصر مهرولاً ومسطراً لتاريخٍ جديد،، وما أشبه اليوم بالأمس البعيد،،
فإن كانت الرغبة حقاً صادقة فى جلاء صدأِ الحديد،،
كل ما علينا إذن هو استعادة الذاكرة..
“ذاكرة أكتوبر المجيد”

شارك
المقال السابقكذبة سوداء
المقال التالىأحجار الشطرنج

وائل سليمان

_قدم عدد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية
_يكتب فى العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية
_المتحدث الإعلامى لمدينة الذهب والتعدين المصرية
_مدير تنفيذى بإحدى دور النشر اللبنانية بمصر
* درس القانون بجامعة عين شمس بالقاهرة
* درس الإستراتيجية والأمن الق....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد