أحجار الشطرنج


 

عندما يصبح الوطن وكراً للشياطين، وتمسي بيوته جحوراً للثعابين، وحين يغدو فضاؤه مأوىً للغربان السود؛ تنسج بمخرز المؤامرة بيت العنكبوت، ومن جهل أهله تصبح أرض الوطن رقعة شطرنج شاسعة يحرك أحجارها أبالسة السياسة. وتصيرُ حدائق الورد ومقاعد العشاق قبوراً تُدفن فيها ذاكرة وطن بأكمله، ليأتي الأغراب يقفون على جثث الشعوب ويقولون:
• أيها الراقدون هنا يوماً ما، كان لكم وطناً هنا…!
حين تصبح هويتك العربية، وجنسيتكَ عبئاً ثقيلاً، تحملها في جيب جاكيتك المهترئة؛ كأنها وزرٌ عظيم، أو أنها خطيئة كبرى حدثت لك منذالولادة.
حين يغدو جواز السفر مثل سمّ مدسوس في حقيبة جلدية هي من صنع الوطن. تخاف إن أبرزته تقتلك نظرات الاشمئزاز من عيون تنظر فيك وكأنك تتسول منهم مساحة قبر صغير يتمدد فيه جسدك المنهك من بعد رحلة لجوء وتشرد مريرة.
لقد تعبت من مهمة الكتابة، ومللت من رسم الفاجعة بالكلمات. مجرد كاتب يحلل ما هو مُحلل ومفروض، ويعيد صياغة الفاجعة من مشهد مأساوي يعيش به أهل الفاجعة، إلى مشهد كتابي ولا أضيف عليه سوى صورة كلامية مجازية، لا تضمد جرحاً، ولا تنهي حرباً. ولا تقدر أن توقف لعبة شطرنج تحرك أحجارها أصابع أجنبية. الوطن رقعة الشطرنج وحكامنا حجر الشطرنج والنتيجة دائماً ما تكون” كش عرب”
كلما انتهت لعبة شطرنج، واعتقدنا بأنها قد انتهت بــ كش ملك. وبأنه قد حان الوقت لنلتقط أنفاسنا ونتفرغ إلى حياة جديدة تبدأ بنهاية لعبة الشطرنج. نتفاجأ بأن الكبار عادوا من جديد ليفرشوا رقعة الشطرنج في مكان آخر من الوطنليعلنوا بداية لعبة جديدة.
ففي لعبة الشطرنج والتي أطلقت عليها اللجنة العالمية للشطرنج اسم ” محاربة داعش في الموصل” ومن بعد صبرٍ طويل وأعصاب محروقة من المتابعين لهذه اللعبة، تم إعلان النتيجة بفوز الحكومة العراقية بحركة ” كش داعش” والتقطنا أنفاسنا وتأملنا خيراً على أمل أن تبدأ عمليات الإعمار للمناطق المنكوبة، لتدبّالحياة في عروق المهجرين والمشردين.
وكما قد خُدعنا من قبل أربعة عشر عاماً في لعبة شطرنج قديمة، لُعبت في العراق، يوم أعلنت اللجنة الدولية بفوز العراقيين بحركة ” كش صدام ” وكذلك عقد الكثير من العراقيين الآمال العريضة من بعد إعدام صدام حسين، بما أنهم يرونه العائق الأكبر في طريق ازدهار العراق. وأنه الديكتاتور الجاثم على صدورهم. فكان من المفترض من بعد إزالته وتحطيم أصنامه أن يجعلوا من العراق جنة الأرض وأن يعودوا ليعلقوا حدائق بابل كثريا في عنق السماء لكن الذي حدث هو:
أصبح الموت في العراق شاسعاً ومشاعاً، والجياع أفواجاً، وطلعت من بين الجحور رؤوس أفاعي تنفخ سمّ الطائفية. ودخلت أرض العراق أقوام يأجوج ومأجوج يعبثون بها ويعيثون على أرضه الفساد، وجعلوا من مصير العراق كأحجار شطرنج تحركها أصابع فارسية، وامريكية ليكملوا مخططهم الذي قد بدأوه وهو تقسيم العراق.
بنهاية لعبة ملاحقة داعش ولململة أحجارها المبعثرة هنا وهناك؛ عادوا ليعقدوا على أرض العراق لعبة شطرنج لربما يظنها البسطاء والمساكين أنها لعبة حديثة العهد،لكنها في الحقيقة هي عتيقة جداً، وهي أجندة منصوصة البنود مسبقاً، ولها تاريخ وموعد تنفيذ واللعبة هي ” إقامة دولة كردية مستقلة ومنفصلة عن الحكومة العراقية”
إن المصيبة الكبرى والفاجعة ليست في أن يكون للأكراد قومية، أو أن يُعترف بحقوقهم؛ إن المصيبة والطامة الكبرى، تكمن في المخطط الشرير الذي يُراد منه زعزعة استقرار العراق، والمونتاج الصهيوني والإعلام الغربي الخبيث، الذياستطاع أن يصوّر الأكراد على أنهم أقلية مظلومة ومغلوب على أمرها ليقسّم الشارع العراقي إلى مجموعتين متناحرتين فكرياً وعاطفياً، ما بين مؤيد لهذا الانفصال من باب احترام حرية الأكراد في أن يكون لهم قومية وكيان مستقل؛ وما بين معارض للمطالبة الكردية باستفتاء يراه احتلالاُ سافراً لجزء من أرض العراق.كما سبق وأن فعلوها من قبل بترويج المأساة اليهودية، والمحرقة اليهودية، لكسب التعاطف الدولي مع اسرائيل. نفس اللعبة ونفس السيناريو وكما استطاعوا أن يجعلوا من الوجود الإسرائيلي أمراً واقعاً، سوف يتكرر السيناريو نفسه في القضية الكردية، إلى أن يجد العراقيون أنفسهم تحت أمر واقع واعتراف دولي بدولة كردية منفصلة عن حكومة العراق وعليهم التعايش والتأقلم مع لعبة الشطرنجالمفروضة عليهم؛ كما تعايش الفلسطينيون رغماً عنهم مع الاحتلال الإسرائيلي.
ويبقى السؤال الأهم:
❖ هل ستكتفي القيادة الكردية المدعومة إسرائيلياً ودولياً بحلم الاستقلالوالانفصال، وإقامة دولة كردية منفصلة؟
أم ثمة أحلام وطموحات كردية أخرى؟ وهل هناك من لعبة شطرنج أقوى سوف تُقام على رقعة العراق بعد انفصال الأكراد؟
❖ وماذا عن أكراد سوريا، أم أن أكراد سوريا قد حسموا أمرهم وانفصلوا وصارت لهم دولة، وكياناً مستقلاً دون حاجة لاستفتاء؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة سيأتي خلال الأعوام القادمة، ولا أدري إن كنتُسأشهد تلك الأحداث يشهد عمري لعبة الشطرنج الجديدة التي ستقام على رقعةٍ ما من الوطن؛ أم أنني أكون قد تواريت تحت التراب ليقف على قبري من يقول لي:
أيها الراقد هنا، يوماً ما، كان لك وطناً هنا …!!!

” أيعقلُ أن يظلَّ جرحكَ مفتوحاً، نازفاً يا عراق؟
تناهبتْ على ثراكَ الذئابُ
وشقوا قميصَ يوسفَ، وألقوه بأرضكَ يا عراق “

شارك
المقال السابقسنوات اليأس والرجاء
المقال التالىاريد زوجة فأنا سي سيد
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد