عالقات بين القانون والمجتمع

 

لفت انتباهي هذه الأيّام فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من الشبان السعوديّين وهم يغلقون منافذ السير أمام نساء سعوديّات ويحاولون جرّهنّ خارج سياراتهنّ احتجاجا على القانون الذي منحهنّ حقّ قيادة سياراتهنّ بأنفسهنّ . وفي حوادث شبيهة ،هدّد رجل سعوديّ كلّ من تقود سيّارتها بالقتل من خلال تغريدة على موقع تواصل اجتماعي أراد من خلالها أن يشنّ حملة على هذا القانون .
حصل هذا بُعيد صدور ذلك القانون الذي مكّن السعوديّات أخيرا من هذا الحقّ.وقد كان مطلبا سعين له منذ زمن طويل. وكابدن للحصول عليه . قد لا تبدو لي الوجاهة بيّنة في الإصرار على هذا الحق في الوقت الذي تُحرم فيه المرأة السعوديّة من جلّ ما تتمتّع به نظيراتها في العالم ، فهي تتبوّأ منزلة متأخّرة في نيل حقوقها الأساسيّة .ومع ذلك لا يمكن أن ننكر حجم الجهد الذي بذلته لتحصيل هذا المكسب.
هي انتصرت بمنطق القانون .ولكن حوادث الاعتداء تلك وإن لم تعمّم ،تكشف أنّ المجتمع أو بعض أطرافه لهم رأي آخر .وأنّ القانون في وادٍ والمجتمع في وادٍ آخر.فما قيمة أن يتم ّ سن ّ أيّ قانون إن لم تكن الذهنية الاجتماعية مهيّئة له وقابلة للالتزام به . وهذا شأن الكثير من القوانين التي تخص ّالمرأة . فلئن كانت معضلة بعض البلدان العربيّة في غياب قوانين وتشريعات تنصفها ، فإن ّ معضلة بلدان أخرى في وجود التشريعات والقوانين مع بقائها حبرا على ورق.
هذا لا ينطبق على المرأة السعودية وحدها ،ولا على الحقّ في قيادة السيارة فقط ،فذلك مجرّد منطلق .فكم عدد النصوص التي تحظر ممارسة العنف ضد المرأة بجانبيه المادّيّ والنفسيّ. ولكن في المقابل كم من امرأة تتعرّض للعنف رغم أنّها محميّة نظريّا بالقانون .هذا عن العنف المادّيّ.أمّا العنف النفسيّ فيكاد لا يوضع في الحسبان خاصّة إن كان من الزوج أو الأب أو الأخ والذي ينظر له ك”عنف عائلي” وأحد متبّلات الحياة التي لا غنى عنها .
في بعض المجتمعات الريفيّة ، رغم احتكام جلّ البلدان العربيّة للشريعة مازالت المرأة العربيّة لا تُورّث .يحتكر الرجال الميراث وتسكت المرأة جهلا أو حياء عن منازعة إخوتها وينتصر العرف على القانون.
ولكن للإنصاف والموضوعية ، ليست حقوق المرأة فقط تبقى حبرا على ورق.فكل القوانين قابلة للانتهاك بما فيها تلك التي تكفلها أعلى سلطة وهي الدساتير كالحريات والمعاملات الماديّة والحقوق السياسيّة..لا شئ بمأمن عن الانتهاك ..لكن مع حقوق المرأة يوجد شأن آخر .إنها تغري بالانتهاك لإنّها تتصل بنمط مجتمعي يخصّ الأسرة والمجتمع وتركيبته وما استقر فيه منذ عقود بسلطة الشرع أوالعرف أوالعادات والتقاليد … زحزحة أي شئ من ذلك يبدو بمثابة تهديد للثوابت والمسلّمات .وهو تهديد لا تستسيغه الذائقة التي تركن إلى الطمأنينة والتسليم .قد يتصدى لها الرجال، وحتى الكثير من النساء.ما حصل في تونس منذ وقت قريب نموذج لذلك .فمع صدور القانون الجديد الخاص بالمساواة في الميراث بين الرجال والنساء، وإجازة زواج التونسية من غير المسلم ، رحّبت أطراف كثيرة بذلك ، وعارضت أخرى. .كان من بين المعارضين رجال ونساء على حدّ سواء.أمّا خارج تونس فحملات التسفيه والتكفير كانت غالبة على حملات التأييد والمباركة .
يطرح هذا سؤالا ملحا ّفي علاقة القانون بالمجتمع .أيّهما أحقّ أن يكون أسبق. هل الوجاهة تقتضي أن تكون القوانين سبّاقة فتتحوّل إلى قاطرة يسير وراءها المجتمع فيلتزم بها ويتغيّر تدريجيا نحو أنماط أخرى .يستمدّ هذا الرأي وجاهته من أنّه لا يمكن للمجتمعات أن تتغيّر من تلقاء نفسها .لا يمكن مثلا منع زواج القاصرات دون قانون حاسم ورادع يمنع ذلك ويفرضه بقوّة القانون ويمارس العقاب على من ينتهكه .لكن الملاحظ في هذه الحالة أنّ القوانين إن سُنّت من فوق تبقى بلا دعامة .تبقى مغرية بالانتهاك والخروج عنها وقد ينتهي بها الأمر حبرا على ورق إن لم يستسغها المجتمع أولم يقبل بها .بعض القوانين تأتي على عجل ،جزءا من حملة انتخابية مثلا ،أوفي إطار صفقة ما . يجعلها ذلك لقمة سائغة للرفض مهما كانت وجاهتها وقد تبقى حبيسة الورق. مقابل ذلك،إن أردنا أن يكون المجتمع سبّاقا ومهيّأ لقبول القانون قبل صدوره ،أي ّرهان نحمله لذلك .هل يمكن أن ننتظر أحقابا أخرى تتغيّر فيها البنية الذهنية لمجتمع ما ليكون قادرا على استساغة قوانين جريئة تبدّل حاله تبديلا .وما ضمانة حصول ذلك ولو بعد أحقاب؟
في الحالتين،لا يبدو الأمر مأمون العواقب.فالقوانين التي تأتي دون سابق إنذار بلا تهيئة ولا توعية ولا تأطير ، تبدو أقرب إلى العقاب منها إلى المكافأة .قد تثير الحفيظة وتتسبّب في التصادم الاجتماعي وقد تفرغ من معناها إن لم تجد طريقها إلى التطبيق . القوانين ينبغي أن تأتي متجانسة مع سياق كامل .فلا يمكن لبلد ما أن يحظر على المرأة حقّها في أن تكون ناخبة ومنتخبة ،أن يسقط عنها حقّها الإنساني وأهليّتها في أن تحدّد مصيرها ، ثم يطلب إلى المجتمع أن يراها محلّ ثقة وأهليّة وهي تقود سيارة . للقوانين روح لا تتجزأ .إن حضر بعضها وغاب بعضها وغاب التناغم ، فقدت المعنى .
ومع السياق المنتج ، لا بد أن يتهيأ العقل أوّلا لقبول القانون .وهذه وظيفة الإعلام والتعليم والمجتمع المدني الناشط وقبل ذلك هي وظيفة الدولة ومرجعها الذي تحتكم له والذي ينبغي أن يبدو مقنعا ووجيها . الدولة التي تضرب كل حقوق الإنسان ، لا يمكنها فجأة وفي شكل طفرة أن تصدر قانونا لصالحه وتطلب إلى الناس أن يقتنعوا بهوبوجاهته هي التي دأبت على ضرب كل ّحق.
الارتجال غيرقادر على تغيير الواقع ،والحقوق الممنوحة من أعلى لن تغيّر بنى ذهنيّة . والمجتمعات التي ركنت إلى التسليم عقودا لن تصبح مجتمعات حداثية بجرّة قلم .لا معنى لقانون لا يتكامل فيه التشريع والوعي المجتمعي.

لا تعليقات

اترك رد