بعد أن تختلط أوراق التعليم


 

تميّزَ برنامج التربية التعليم في العراق بقدرته على تخريج أجيال ، و كوادر متعلمة ، ومثقفة اعتلت أرفع المناصب العلمية والمهنية والادبية عالمياً ؛ حين كان المعلم هو القدوة ، وهو المثل الأعلى في أخلاقيات مهنته وأنسانيته وثقافته .
وبدأت اولى مراحل انحطاط المستوى التعليمي أثناء الحصار المفروض على العراق اعوام التسعينات عندما بدأ المعلم يبيع الخضروات والسكائر و ( كل حاجة بربع ) من أجل سد رمقه وعياله ، حتى اصبح المعلم
( المدرس والأستاذ الجامعي ) يطلب السيكارة من طلابه أو ينتظر من يدعوه لتناول لفة
( فلافل أو صحن لبلبي ) من حانوت المدرس أو نادي الكلية الطلابي إلى أن استقر حاله بعد سقوط النظام وتعديل الرواتب وانفتاح الدروس الخصوصية بلا حدود والحمد لله على نعمته في تغيير الحال ؛ الى حالٍ افضل .
من هنا بدأت مرحلة جديدة في تدني المستويات التعليمية ، وكل سنة تغيير جديد في المناهج الدراسية ، ومع التعددية الحزبية صار لزاماً وضع مواد تتوافق مع نظريات ودعوات الاحزاب – إن كانت لها نظريات عمل أو عقيدة انطلاق – والكل يريد ما تهوى نفسه ويشتهي خياله فكان الناتج وقوع الطلبة في مطبات التخبط الحزبي ، والطائفي ، والقومي ، والديني ، وربما العشائري ايضاً .
بدأ تعيين كوادر تعليمية أغلبها اتت عن طريق
( الواسطات ) ، أو ترشيحات من هنا وهناك ، لاتعرف ماهو التعليم وكيف هي التربية ؛ المهم استلام الراتب آخر الشهر بعمل أو بدون عمل ، ناهيك عن أقارب المقرّبين وأمتيازاتهم من أجازات وإعارات – وللاساتذة – الأيفادات التي لاتعد ولا تحصى ؛ ولابأس إن كانت بتساوي الفرص ، لكنها بفرص خاصة .
ويستمر الانحدار.. وليس اغرب من ان تلفظ معلمة لغة انكليزية في إحدى المدارس كلمة جبل
(ماونتن ) تلفظها :
( موشن ) !
طالبة أخبرت والدها وهو مدرس وصديق لي ، قالت له :
معلمتنا تقول هكذا ، وحين أعترضتُ عليها وبّختني أمام الطالبات ..
ذهب صديقي للمدرسة وتناقش مع معلمة ابنته ، يقول أصرت على لفظتها ( موشن ) ، وقالت له أن ابنتك تعاندني في الصف ، واخيراً نجحت ابنة صديقي الأولى على المدرسة وأختها التوأم الثانية ، والفضل لوالديهما وليس لصاحبة الموشن ..!
ألتقيت شخصياً بنقيب المعلمين في محافظة بابل ودار حديث بيننا عن انخفاض مستوى النجاح فاخبرني الكثير ؛ يكفي واحدة منها اقولها هنا ..
قال :
اثناء حفل تكريم الطلبة المتفوقين تم تكريم نقابتنا وألقيتُ كلمة تطرقتُ فيها بان احد أسباب انخفاض مستوى التعليم والنجاح هو تدخل بعض السياسيين في الحكومات المحلية من خلال طلباتهم لاجراء تنقلات واجازات للكوادر التعليمية خارج سياق مديرية التربية ، واذا باحدهم يطالب في اليوم التالي باقامة دعوى قضائية ضدي – والحديث لنقيب المعلمين – كوني اشرت عن بعض المسؤولين تلميحاً وليس تصريحاً بالأسماء !
وصلت نسبة نجاح السادس العلمي الإحيائي هذا العام الى ٧٣٪ والتطبيقي أقل نوعاً ما والأدبي أقترب من ٦٠٪ وهي نسب جيدة بالقياس للأعوام السابقة ، فحدثت ضجة ضد وزير التربية والمطالبة باستجوابه في مجلس النواب ..
كل ما يجري لا يقدم ولا يؤخر اذا لم تسري قوانين التربية والتعليم على الجميع بالتساوي وإلا ما معنى أن تطلب معلمة تنسيبها الى مديرية الاشغال اليدوية والفنية وهي ليس اختصاص فنية وحين يقترب العام الدراسي من نهايته تعود لمدرستها القديمة من أجل التمتع بأجازة العطلة الصيفية ، وعلى هذا المنوال كل عام دراسي .
المشكلة في توجيه عقوبات وتوبيخات لمن يلتزم منهجه ودوامه ، اما المتسيب فتلقى له تحية الصباح حتى وإن جاءت ظهيرة المساء ، وهذه من اعاجيب العراق الجديد التي تفنن اللاعبون بصنعها ..
للسياسة أصول وقوانين وقواعد عمل – إن كان هناك سياسيين محنكنين فعلاً – ، وللتعليم مثل ذلك ، ومتى استقلت كل جهة بعملها المهني فلن تكون صدامات أو تجاوزات تعيق التقدم والأزدهار الذي ينادي به الجميع ولكن بالكلام فقط ، وأمام وسائل الأعلام ما أجمل المسؤول وهو يقف بشعر لامع مصبوغ ووجنتين متوردتين وهو ينادي :
يجب على الحكومة كذا وكذا ،وإن الحكومة كذا وكذا، ولا يجب على فلان ولا على علّان ، وهو جزء مهم في عمل الحكومة وادارتها حتى وإن كان مديراً لمدرسة ، فالمسؤولية تقع على الكل …
لم تقوَ السياسة في العراق ان تخطَ لها منهجاً محدداً في الكثير من تعاملاتها حتى دخل بعض الطارئين منها لأملاء رغباته على سير التعليم المتعب والمنهك وهو يحاول بما لايعرف كيف ولماذا ، ألا من أجل المحسوبيات البغيضة والتي ألقت احمال جهلها على الطالب المسكين وذويه ومن يعمل باخلاص للأرتقاء والنهوض بالمستوى التعليمي في البلد ..
ولابد من أعادة النظر في كثير من الأمور في مجال التربية – التي فُقدت – والتعليم الذي يتعكز الآن على ظلِّ شبح يكاد يموت ، كأعادة النظر في كل المؤسسات وقوانينها وما احوج المسؤول أن يقف بباب السائل وليس العكس ..

لا تعليقات

اترك رد