ولأن السعادة اثمن احساس بالوجود


 

ذات يوم كنت في زيارة لصديقتي بالمستشفى، وكانت بالجانب الاخر في الغرفة عجوز طاعنةٌ في السن ، يبدو عليها مسحةُ جمالٍ كاد ان يغيب. جلست لوحدها تتصفح وجوه الزائرين والمراجعين.
تشير ملامح وجهها انها ذات أصول عربية، يعلوها الحزن والعزلة ،فمنذ أسابيع لم يأتي أحد لزيارتها ، وهذا ماعلمته لاحقا.
بيما ذهبت صديقتي الى قسم الأشعة سنحت لي الفرصة بالحديث مع تلك العجوز التي تَسابقَ المرض وتقدم السن على سلب كل مقومات الراحة والجمال منها، وتشابكت خيوط السعادة والتعاسة على محياها فبادرتها بسؤالٍ حول ما اذا كانت سعيدة في الماضي، لم تفهم معنى سؤالي واتهمتني بالفارغة التي ليس لديها مايشغلها!
الامر الذي جعلني ابتسم لانني أعي تماماً بأن الكثير منا، ومنهم هذه السيدة لا يعرف معنى هذه الكلمة وابعادها.
لكنني لم أبالي، فأعدت عليها السؤال مرة ً اخرى
إن كانت بالماضي تضحك كثيرا وتشعر بالراحة على مدى يومها او كانت تفرحُ لشيء ما، فأجابت وهي تخفي ابتسامتها وكأنها تذكرت الايام الخوالي من حياتها الماضية، انها كانت تفرح كثيرا عندما كانت تستمع الى مسلسلها المسائي المعتاد في الراديو بعد تعب وإرهاق طوال النهار، وكانت فرحتها تكبُر عندما تقص احداث هذا المسلسل على زوجها الذي لم تشترك معه سوى بالحديث عن شقاء الأولاد وقصة هذا المسلسل!
لقد كان الاستماع الى الراديو والثرثرة مع زوجها بالنسبة لهذه السيدة العجوز هي السعادة، فإنها كانت تشعر بالراحة حينما تُفرغ شحنات التعب اليومي في متابعة ماتحب.
وللسعادة وجهٌ اخر لدى جارتنا الاربعينية اذ انها كانت تكمن بجمع المال واقتناء الذهب،و عرضه على كل من تزورها فتشعر هي بفخر ونشوة بما تملك وتتميز به عليهن.
ما اريد قوله ان معظمنا لا يجد تعريف واضح ومحدد للسعادة اذ اننا نستخدم هذا المفردة لوصف بعض المشاعر الإيجابية التي نشعر بها كالفخر والفرح والامتنان والحب وتحقيق الرغبات وما الى ذلك.. اذ ان تفسير المشاعر ليس بالأمر الهين فالاستجابة البدنية تختلف عن ما هو متعارف عليه. فمثلا في بعض الحالات عندما نقابل نجمنا المفضل أو شخصية مشهورة امام أعينننا فنصرخ بهلع من شدة الفرح او يُغشى علينا عندما نفوز بجائزة اليانصيب مثلا ولو ان ذلك لم يحدث لحد الان! لكنه التمني او الخيال.
فقد أشارت دراسة حول السعادة أن بعض الحالات تأتي على عكس ذلك. فعلماء النفس وجدوا أن المشاعر السلبية القوية قد تثير تعبيرات إيجابية! على سبيل المثال غالبا ما نضحك عندما نكون بأشد حالات الغضب او نبتسم في أوقات الحزن والتعاسة. اذا هنالك اختلال بالتوازن العاطفي بداخل البدن قد لا يُفهم احيانا بسياساته الطبيعية.

لقد اكتشف علماء النفس مؤخرا عن بعض المشاعر السلبية هي أيضا جالبة للسعادة فمثلا امرأة احبت رجل بشدة ثم اكتشفت خيانته لها مع اخرى هنا تتمنى هذه المرأة المحبة فجأة لو تكرهه وتتخلص من الشعور المؤلم الذي حل بها فمجرد الحلم او الخيال بالتخلص من حالتها النفسية يُشعرها بالسعادة.

ولسبب جهلنا او فقداننا هذا الشعور نجد ان الكثير من شركات الإعلانات والمحطات إلاعلامية والمجلات استغلت هذا الخلل النفسي لتسوق لنا ما يفتقده المرء عبر شراء السلع المعلن عنها، فيوهمونه بأنها تذكرة لرحلة سريعة نحو الشعور بالسعادة.
ومن نافلة القول ان درجات الشعور بالسعادة تختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لأخر ومن بيئة لأخرى لكن تبقى الأمنيات الغالبة والمشتركة التي توصل المرء لهذا الشعور هي الرخاء الاقتصادي والحياة الهانئة في المجتمعات المستقرة نوعا ما كما يقول الحداثويون ان سعادة الانسان تكمن في نزوعه نحو المادة اما في المجتمعات المضطربة والمهددة فالامر مختلف اذ انهم فقدوا اهم شروط السعادة وهي الأمان والاستقرار وحب الحياة. فلم يعد المال اولى أمانيهم ولا التنعم بالترف والرفاهية، لقد اختلف هذا المفهوم في الآونة الاخيرة تماماً.
اتذكر عند زيارتي الاخيرة للعراق كانت صديقتي قد اشترت سيارة ثمينة وفارهة للتو، فسألتها الى اين تكون وجهتها الاولى؟ تأملت وجهي وكأنها لا تعرف الجواب وقالت لا اعلم! ربما أزور قبر والدي وارجع للبيت قبل حلول المساء، لانني أخشى على نفسي القيادة بالليل! وأردفت تقول مع ابتسامة ارتسمت على شفاهها: لا! في الواقع لا املك اي وجهة اتوجه اليها!
فتعجبت من الامر. فرغم امتلاك صديقتي لسيارة فارهة وحياة مترفة ومال وفير إلا انها لاتشعر بالسعادة لانها تفتقد الأمان والاستقرار، فالإمان بالنسبة لها هو السعادة التي تكتمل بوجود الاشياء المحيطة بها.
السعادة هي الهاجس الذي يشغل بال الجميع كما اعلم ان الكثير من الكتاب والباحثين اهتموا بهذا الموضوع الشيق وكتبوا الكثير من الكتب والمقالات وذلك لاهميته. لانها اسمى شعور يمر على المرء ولكي ننعم بها علينا فتح شبابيك الأمل والفرح وطرد الاحاسيس البغيضة فلا اؤمن ان السعادة لحظة ننتظرها من شخص او حدث ما لتكون وقتية بل تأتي على اجنحة العطاء والتسامح والحب. تعبر عبر سماء صافية لا مكان للاحقاد والأنانية فيها فالعطاء والنية الصافية هي اهم بوادر الفرح.

لذا ارى ان مهمة البحث عن السعادة وسبلها واجبة على الجميع فلا طعم للحياة دون ان نشعر بالسعادة، لكن كلٌ على طريقته.

لا تعليقات

اترك رد