أزهارالربيع من روضة البديع – ج2


 
(لوحة للفنان مراد ابراهيم)

وقفت امامي؛ وهي تصلح هندامي
وتقول:
يا عسلي يا سكري؛ لا تنسى حبة السكري.
قلت:
قالوا ان السكر حلو؛ فما بال سكري؛ تحول الى سكري؛ في دمي يجري؛ يسكر بصري؛ ويوهن عسكري.
قالت:
حروفك في منتهى الروعة؛ ولكن ادخلت في روعي الروعة؛ اللهم استرعوراتنا؛ وآمن من روعاتنا. اللهم امين يا رب العالمين؛ متى لطلب احبتك تلبي؛ وتتوجه الى المتنبي؟
قلت:
اشكرك على كرمك ومسعاك؛ حفظك الله ورعاك؛ بارك لك المسعى؛ وكتب لك المسعى. بيني وبين المتنبي ركوب سيارة؛ وشوارع سيارة وغير سيارة؛ ومشي على الأقدام؛ والتحام والتئام؛ وانسجام وانتظام؛ في ساعات الازدحام.
قالت:
رافقتك السلامة؛ وفارقتك الندامة؛ بحفظ الله وصونه؛ ورحمته وعونه.

ترجلت بالقرب من تمثال الرصافي؛ وانا متهيئ لتجوالي وطوافي؛ وانتبهت الى صوت بائع الشلغم؛ وهو ينادي هنا درمان الصدر والبلغم؛ وبالقرب منه بائع اللبلبي؛ وهو يصيح حار وطيب لبلبي؛ لبلبي يا لبلوب؛ تعال وكل يا محبوب؛ وبائع العصير؛ يصيح بصوت جهير؛ عصير رمان خالص؛ من رمان شهربان وخالص؛ فوجدت بائع الشلغم نظيف المظهر لطيف المعشر والناس حوله كالمعشر

قلت:
ما اسمك يا صاحبي؟
قال: صاحبك يا صاح؛ بحق الرزاق الفتاح.
قلت:قصدك صاحب يا صاحب؟
قال:
نعم اسمي صاحب؛ وكل صاحب جميل لفظه رفيق معناه؛ صاحب لواحق وليس سوابق.
قلت:
تتحدث بالتورية والايهام.
قال:
وبالاستطراد والاستخدام؛ انظر الى هذا الذي يعمل معي؛ صديقي الالمعي؛ خفيف ظريف؛ ذكي لطيف؛ زميل الطفولة والدراسة؛ اكمل معي الدراسة؛ ابوه بخيل شحيح لكنه لا يشبه اباه. قبل ساعة ضيع الساعة؛ ثم قال: من وجد الساعة بعد ساعة فليأخذها. فوجدها طفل فأخذها وعين صديقي تضحك والاخرى تبكي؛ ظاهره سعيد وباطنه حزين.
قلت:
يا لك من فنان؛ انهيت كلامك بالافتتان؛ لقد ارحتني واتعبتني وصعدتني ونزلتني.
قال:
ولم يارجل وطباقك ايجاب وسؤالك مجاب.
قلت:
لا احب من يسال؛ احب من يعطي.
قال:
والان طباقك سلب؛ وكلامك عذب؛ لا تنظر الى احد انظر الي؛ ولا تستمع الى غيري استمع الي؛ انا كغيري ممن جد وتعب وكد عن طريق الحلال فيسر الله من امري؛ بينما سرق الاخر واختلس وجمع وكدس عن طريق الحرام فعسر الله امره. انا اقتنعت بالقليل الحلال؛ وهو لم يقتنع بالكثير الحرام.
قلت:
لقد فرحت كثيرا وحزنت كثيرا. اذا كنا نساوي بين العالم والجاهل؛ والخامل والعامل؛ فما عدلنا ولا ربحنا؛ ولا تطورنا ولا تقدمنا؛ لقد ضحكنا كثيرا وبكينا كثيرا؛ واذا بقينا على هذا الحال سيرحل الضحك عنا ويستقر البكاء.
قال:
لقد قابلتني بالتناسب والتوافق؛ وانا معك متوافق؛ انا احب ان يدعوني الناس ببائع الشلغم؛ او اللفت والسلجم؛ واذكرك بالحامض شلغم؛ والطرشي بالشلغم. لا اريد ان اثقل عليك؛ ولكن اخبرني بالله عليك، هل انت من البصرة الفيحاء او من الموصل الحدباء؛ كيف وصلت بغداد الحضارة؛ بقطار ام بسيارة؛ ام بطائرة طيارة؟
قلت:
انا من بغداد الحاضرة والحضارة؛ وقد جئتك بسيارة؛ في طريق طويل ومزدحم؛ فيه مطبات كثيرة؛ تسير السيارات بصورة عسيرة؛ وقد تتوقف بسبب التفتيش لحظات قصيرة؛ لكنه طريق جميل.

قال:
يا سيدي يا حاج؛ كلامك الان ادماج؛ وسوف ارد عليك بلا احراج؛ انظر مهنتي متعبة وارباحها قليلة لا تسد الرمق لكنها مهنة شريفة.
قلت:
الكار شرف وليس عار. يا رجل من يراك تبيع الشلغم يظنك تجهل علوم الكلم.
قال:
يا سيدي انا كاتب وشاعر؛ واديب ماهر؛ لكني لا اتزلف ولا اتملق؛ لا اقدح ولا امدح؛ وقبل ان اكتب اتفكر واتحقق. في قول الحق لن اتردد؛ وللباطل لن اتودد. صدقني ما كذبت في كلامي بل البعض من كذب. تصور هناك من سرق اثاث بيتي وسلب مالي فلا الذي عمله كان صالحا ولامطالبتي بحقوقي كان طالحا؛ اليس الامر كذلك؟
قلت:
بلا هو كذلك.
قال:
ارسل صاحب الشأن من يهددني ويمهلني كي اترك البيت حتى نهاية الشهر؛ فعندها لا تأجيل ولا تأخير؛ بل حساب عسير.
قلت:
لا افهم هزلك من جدك؛ وسؤالك من ردك؛
قال:
يا رجل يا فهيم؛ جٌملي الاخيرة امثلة على الارصاد والتسهيم.
قلت:
ودا ودا؛ لقد شغلتك عن عملك وهو باب رزقك وشغلتني عن أهل الحرف وهم أحبتي؛ فدعني اذهب الان ولي عود والعود احمد.
سرت وانا مصدوم مما رايته وسمعته؛ ليس لان بائع الشلغم اديب بارع؛ بل لأن الأديب البارع للشلغم بائع.

المقال السابقفصال بدلة الانفصال
المقال التالىبعد أن تختلط أوراق التعليم
الشاعر زاحم جهاد مطر من مواليد بغداد. حاصل على بكلوريوس علوم عسكرية. خبير في شؤون الالغام. له العديد من المؤلفات التخصصية العسكرية. كتب القصة والمسرحية والمسلسل التلفزيوني .ـ وكتب الملاحم الشعرية والمقامة والهايكو. صدر له الجزء الاول (مقامات)ـ وكذلك الجزء الثاني ( مقامات معاصرة).ومجوعة شعرية ( بكاء ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد