خطاب ترامب .. مظالم الشعوب .. والأستخفاف بعقل الانسان

 

خطاب رئيس الادارة الامريكية من على منبر الامم المتحدة وامام رؤساء وملوك وممثلوا جميع دول المعمورة؛ تضمن الكثير من المتناقضات والاكاذيب وكم هائل من التذاكي والتخادع والتخاتل، كل فقرة تاتي الاخرى التى تليها لتخالفها بطريقة خفية ومستترة، تلوذ وراء لي عنق الكلمات ومدلولاتها. يتلخص الخطاب بالمعنى الذي يحافظ على لب حقيقة ما جاء بالخطاب، في التالي:
1-ان امريكا سوف تعمل على القضاء على الارهاب والارهابيين وعلى مصادر تمويلهم وملاذاتهم الامنة في اي مكان وفي اي دولة يتواجدون فيها. على الدول المسؤولة ان تعمل في هذا الاتجاه. وسوف تعمل امريكا جاهدة على تخليص العالم من افة الارهاب، حتى ينعم العالم والدول وشعوبها بالامن والسلام..

2-طالما انا في هذا المنصب سوف اعمل على جعل مصلحة امريكا فوق اي مصلحة اخرى مهما كانت، مع الايفاء بالالتزامتنا تجاه دول تعمل معنا، ويجب ان لانسمح للارهاب ان يمزق دول العالم.

3-ان اساس النظام العالمي يجب ان يقوم على دول مستقلة وقوية وذات سيادة…وليس على التحالفات..
4-امريكا تقوم باكثر من مجرد كلام عن القيم المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة؟!.. لقد دفع مواطنونا الثمن الغالي من اجل حريتنا وحرية دول اخرى كثيرة ممثلة في هذه القاعة العظيمة..بالاضافة الى ما جاء في الخطاب، من تهديدات اخرى توعد بها بعضا من الدول بالويل والثبور ان استمرت بالعصيان، عصيان اوامر (سيد البيت الابيض)؛ كوريا الشمالية مثلا والتى قال عنها بان امريكا اذا لم ترعوي يقصد كوريا الشمالية، قادرة على ازالتها من على وجه الارض..وبدرجات اقل من المحو والازالة والشطب من قائمة الدول الاعضاء في المنظمة الدولية،ايران وفنزيلا..

ان ترامب رئيس الادراة الامريكية على ما يبدوا لم يقرأ تاريخ الارهاب في المنطقة ودور بلاده في تأسيس قاعدة انطلاقه منذ اكثر ثلاثة عقود، تسليحا وتدريبا وتمويلا. كما هي عادة امريكا في حلب جميع دول الخليج، لكن في موضوع الارهاب الدولي ( تنظيم القاعدة)، كان التمويل سعوديا. وهي عملية كانت ناجحة جدا في تكسير وتقطيع اقدام الدب السوفيتي في ذلك الوقت. كان بطلها وواضع سيناريوهاتها، مستشار الامن القومي الامريكي في زمن ادارة كارتر، برجنسكي، وقد سماها في حينها نظرية الطرق على اسفل الجدار. أذاً، تاريخيا امريكا مسؤولة قانونيا واخلاقيا عن ولادة وتوغل هذه الافة المتوحشة. حاليا وقبل الحال الان، تدور شكوك وعلامات استفهام واسئلة عن الدور الامريكي في انتشار الارهاب في دول ( الربيع العربي؟!..) والذي هو في حقيقته دول الخراب والسخط العربي، وهي شكوك لها حظ قوي من الحقيقة الموضوعية. روسيا قبل ايام اتهمت امريكا بالتعاون العسكري والمساعدة لتنظيم داعش في سوريا وقالت على لسان الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية: ان روسيا تمتلك ادلة دامغة على هذا التعاون بين القوات الامريكية في سوريا ومسلحي داعش وهي اي هذه الادلة موثقة ومعززة بالصور، لم تنف امريكا او ترد على الاتهام الروسي حتى كتابة هذه السطور المتواضعة، لقد جاء هذا الاتهام على خلفية مقتل كبير المستشارين الروس واثنان من معاونيه وهما برتبة عقيد في الجيش الروسي. هناك قول عن الجريمة والمجرمين: عندما تحصل جريمة ولا يعرف المجرم ومن وراءه، فتش عن المستفيد. ما يحصل الان وقبل الان وفي المستقبل، ان المستفيد من مخرجاته، واعني هنا الارهاب، هما امريكا واسرائيل. ما حصل قبل ايام من اجراء استفتاء على انفصال اقليم كردستان العراق عن العراق، لا يخرج من توليد الارهاب من نتائج على الارض والاستفتاء واحد من اهم توليدات الارهاب. لانقول ان امريكا اتفقت مع داعش في الاجتياح والسيطرة على ثلث مساحة العراق، هذا القول غير واقعي وغير وموضوعي، لكنها في المقابل اي امريكا قد هيأت ووفرت العوامل التى بها فتحت لداعش الطريق للسيطرة؛ منها وليس جميعها؛ رفضت طلب السلطة العراقية في بغداد بالمعاونة بالقضاء على تجمعات داعش في الصحراء وعلى مقربة من الحدود السورية، وحالت دون سيطرة العراق على اجواءه حتى هذه اللحظة..، وساهمت في فتح الحدود سواء من سوريا او تركيا، لعبور الارهابيون في حينه. وهنا ومن باب الموضوعية، هذه الكلمات لاتبريء السلطة في بغداد..وهذه الكلمات التى كتبت للتو لاتخرج عن المحتوى الجوهري لسطورها، الشيء بالشييء يذكر. امريكا هي التى من سلحت ودربت ودعمت بالمال، تنظيمات ارهابية في سوريا بعمال مشغالها من حكام دول المنطقة العربية المعروفة ولا حاجة لذكرها. امريكا قبل اكثر من عقدين، كانت تخطط وتطمح لتأسيس ما يوازي حكومة اتحادية تحكم بها كرة الارض وما عليها من شعوب ودول. وفي هذا الاتجاه، كان بوش الابن ومن كان قبله ولو بدرجة اقل ومن جاء بعد بدرجات اقل بكثير؛

بوش الابن حين كان يخاطب رؤساء الدول وحتى مجلس الامن الدولى وجميع طاقم ادارته، يخاطبون باللازمة التى لايغادورها ابدا، وبالذات بوش الابن او ان من كان يكتب خطاباته، لايغادرها ابدا: على الدولة س تنفيذ كذا وعلى مجلس الامن الاسراع باصدار كذا. هذا العنجهية في التخاطب بين الدول ومنظمة امنها، لاينحصر بدولة معينة بل يشمل جميع الدول التى يأمرها سيد البيت الابيض، ومن غرائب الامر، لاتسلم حتى الدول الكيرى من هذه اللغة المتغطرسة وغير اللائقة في العرف الدبلوماسي والسياسي.ترامب رئيس الادارة الامريكية زاد بلغة التعالي هذه، عندما خاطب زعماء الدول في كرة الارض بلغة فيها الكثير من التذاكى والتخاتل والتخادع والكذب: مصلحة امريكا فوق الجميع (وهذا يذكرنا بما كان يقول ادولف هتلر قبل سبعة عقود: ألمانيا فوق الجميع وان اختلفت منصات القول في مدخلاته ومخرجاته، لكنها، ذات العقلية وحتى طرق، طرق تحويلها الى واقع..طرق تتلائم مع ماأنتجه العالم من تطور..عميقا هي عينها..) او مصلحة امريكا قبل كل شيء (وهذا امر قابل للتفهم ولو كان يقصد بناء علاقات مصالح متكافئة ولكن الواقع غير هذا وبلسانه هو عندما خاطب قبل اشهر بعض حكام دول المنطقة وعلى رؤوس الاشهاد وجميع ناس الارض سمعه، بلغة لا حاجة لذكرها، تشمئز النفس من سماعها.. ) ولكن ان يقول ان امريكا، تسعى على ان يكون في العالم دول قوية وذات سيادة، تلك فرية وكذب على التاريخ القديم لإمريكا وعلى حاضر ما تقوم به امريكا من سلب إرادة الدول وشعوبها وتحطيم الكثير من الدول وزرع الفوضى والاضطرابات فيها. امريكا الان تواجه تغييرات في العالم وهي تغييرات من الوزن الثقيل، تستند على تحالفات دولية، الدول المشاركة فيها، ذات ثقل معرفي وصناعي ومالي واقتصادي كبير، ونقصد دول البريكس، وعموده الفقري، المحور الروسي الصيني، والذي يخطط على ايجاد سلة لعملة الاحتياط في التداول المالي الدولي باخرى من الذهب..

ان هذا التحالف او هذا التجمع الدولي اذا ما قيض له ونجح في ترسيخ وتجذير مفاهيمه الاقتصادية والمالية وجميع مناحي الحياة بما فيها تقنيات الاتصالات وغيرها الكثير، سوف تكون قوة توازن دولي تكبح جماح التفرس الامريكي واستغلال ونهب خيرات دول العالم الضعيفة ومتوسطة القوة. وهي وغيرها الكثير من التحولات سوف تنجح، لأن حاجتها الى النجاح هي حاجة حياة ووجود امام التدنصر( نسبة الى الديناصور) الامريكي. لذا تضمن خطاب ترامب وفي الفقرة ثالثا من خطابه، رفضه للتحالفات. ان امريكا تدرك ان هذه المرحلة وسنواتها، هي مرحلة انتقال وتحول في العالم الى عالم تتسيد فيه العلاقات المتوازنة في العلائق الدولية باتجاه التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى وغيرها، في ذات المسار وصراعاتها، عليه، فهي تسبق تلك الحركات بحركات مضادة، حتى تحافظ على جبروتها وهيمنتها كقوة عظمى وحيدة في العالم. من اجل بلوغ هذا الهدف او الاهداف؛ تعمل جاهدة على تفتيت تلك التحالفات سواء بالاغراء او بالتهديد المبطن غير المباشر او بالعمل من داخل تلك الدول، بتثوير الاقليات داخل تلك الدول او بتثوير الناس ضد حكوماتهم بأدوات بشرية من ناس هذه الدول. اكثر الدول في مجموعة البريكس رعبا مستقبليا لإمريكا هي الصين على الرغم من العلاقات الاقتصادية والمالية بينها وبين الصين، وهي علاقات كبيرة جدا وبالذات الحقل المالي.

الصين عملاق اقتصادي ومالي ومعرفي وسوف يتعملق في المستقبل..لذا امريكا تحاول بشتى الطرق والوسائل ان تفتح ثغرة في جُدر الصين الداخلية، هضبة التبت والمسلمون الصينيون ولا يستبعد ان تزرع او زرعت في المنطقتين، خلايا ارهابية وبالذات في المنطقة التى اغلب سكانها من المسلمين..في الفقرة الاخيرة من خطاب ترامب، قال: ان امريكا تحترم القيم المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة. وانها اي امريكا، دفع مواطنوها الكثير من التضحيات من اجل حرية امريكا وحرية شعوب الكثير من الدول الممثلة في هذه القاعة العظيمة. هل يوجد كذب ونفاق في العالم وعبر تاريخ البشرية، اكثر صلافة وصفاقة وغباء من هذا القول الذي سمعه اغلب او جميع من تابع خطابه من ناس كرة الارض. امريكا التى غزت واحتلت ودمرت دول وشعوب خلال عقود كثيرة من تاريخها المجلل بالعار والخزي والقسوة والظلم. وفي تناقض واضح مع هذا القول، قال: ان امريكا اذا ما تمادت كوريا الشمالية واستمرت في تحاربها النووية والصاروخية، سوف نقوم بتدميرها كليا. لنترك موضوع كوريا الشمالية فهو ليس موضوع هذه السطور المتواضعة. نعود الى مفتريات قول خطاب ترامب وبالذات قوليه: نريد ان تكون في العالم دول قوية وذات سيادة ومزدهرة. والثاني هو: ان مواطنوا امريكا دفعوا التضحيات من اجل حرية الدول والشعوب المتواجدين في هذه القاعة العظيمة. على عكس هذا القول او القول الفرية، ان امريكا دمرت الكثير من دول المنطقة العربية وشعوبها ولنترك في هذا الباب اسباب هذا الدمار والظلم وهما امن اسرائيل واعادة رسم خرائط دول المنطقة والتى بدأت كبداية باستفتاء كردستان العراق.. وهما متداخلان ومتواشجان وسببان اساسيان، في الذي تاتي به هذه السطور المتواضعة حالا: ان حكومة امريكا، حكومة شركات..وهي كما،غيرها من عظام الدول في كرة الارض، العظام الخمسة؛ تحركهم اطماعهم ومصالحهم الاقتصادية وسبل نهبهم لخيرات المنطقة العربية ومن اهمها النفط والغاز، وهما مطرقة لكسر إرادة بعضهم البعض، واللذان صارا بفضل الحكام العرب وتحولهم الى ادوات طيعة لاحول لها ولا قوة بيد المستعمريين الذين نزعوا عنهم الثوب القديم وارتدوا ثوب التحول الجديد في العالم وعلى الراس منهم امريكا، ديناصور القسوة والنهب والاستغلال ومصادرة سيادة الدول. ان القوى العظمى تتصارع مع بعضها البعض بارواح واجساد دول المنطقة وشعوبها وعلى ارض بعيدة عن اراضيهم.

في سوريا واحد من اسباب الصراع العبثي والدموي وليس جميع الاسباب؛ هو خط انابيب الغاز من قطر الى سوريا والى اوربا، لرفع التاثير الروسي على اوربا والتاثير على روسيا والذي رفضته سوريا بناءا على الطلب الروسي.. لذا اندفعت قطر بقوة في بداية الاقتتال في سوريا قبل ان يصدر الامر لها بالتوقف: فقد انتهى دورك. الخلاف القطري الخليجي مع مصر، سببه هو خط الانبوب الغازي من قطر وايران وتركيا الى اوربا، قطر ثالث احتياطي للغاز في العالم وايران ثاني احتياطي للغاز بالاضافة الى العون المادي القطري الى قطاع غزة وحزب الله اللبناني..كل هذا الدمار والتخريب وتحطيم النسيج المجتمعي لهذه الدول، سوريا وبقية دول المنطقة التى قامت به امريكا ودول حلف الاطلسي، من اجل السيطرة على مصادر الطاقة وممرات ايصالها والتحكم فيها، وطبعا امن اسرائيل واعادة رسم خرائط دول المنطقة على منضدة البلقان..

وياتي السيد ترامب ليقول لنا وللعالم: ان امريكا ومواطنوها دافعوا من اجل حرية الشعوب والدول وجعلها دول قوية وذات سيادة؟!.. عن اي سيادة وعن اي حرية يخاطب ترامب العالم وشعوبه ودوله؟!.. تلك هي الصفاقة والوقاحة والنظر باستخاف ومن قمة جبل مرتفع، القمة التى ترتكز عليها امريكا، باستصغار الى دول الارض وممثليهم. ألا تباً للظلم والظالمين، وتجبرهم وطغيانهم. في الختام نقول لحكامنا المتخاذلين والمتهاونين والخائفين من ديناصورات المال العالمي المتوحش: الى متى تظلون قاعدون فوق ظهور جمال التخلف والتبعية، وهي اي الجمال، تقف وانتم على ظهورها على تلال ما قبل المدنية وخارج حركة التاريخ وخارج المواجهة من اجل الحق والعدل والانصاف، وشعوبكم تنزف الدم وتنتزع من اجسادهم، الحياة ومن دولهم، الكرامة والحاضر والمستقبل..ألا تبا مرة اخرى لكم والى المستعمرين الجدد ونعني اللباس الجديد للاستعمار القديم؟!..

لا تعليقات

اترك رد