طفولة مشوهة


 

قال تعالى ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ” (سورة البقرة آية 30). قتل قابيل هابيل، وحفظت ذاكرة بني آدم اسم القاتل وأطلقته على الأجيال التي جاءت بعد ذلك، واكتفت بالترحم على هابيل المقتول ظلمًا وعدوانًا! مذ تلك الحادث البشع، دم البشر لم يجف أبدًا، وسرت لعنة الدم المسفوح، وأخذت الحروب تأكل الأخضر واليابس، حروب لاتنتهي، ودماء تسيل بداعٍ أو بدون، نشأت إمبراطوريات وتصارعت، وحكم الأرض ملوك وتنازعوا، وملأ شياطين الإنس الأرض جورًا وقهرًا، واستعبدوا عباد الله ظلمًا وعدوانًا، قوافل إماء وعبيد وغلمان، خصيان يملؤن القصور والحرملك، أسياد يتنعمون وعبيد أذلاء، من قسم هؤلاء تلك القسمة الضيزى، لا أ

حد غير الإنسان، ظالم جائر بطبعه “وكان الإنسان ظلومًا جهولا”. الحروب لم تكن ماض وانقضى، والبشر الآن يعيش سعيدًا منعمًا، بل عم الخراب أرجاء المعمورة، ومنذ بداية القرن الماضي، أشعل الإنسان بحماقاته حربين عالميتين، وبين هذين الحربين وبعدهما تم تدمير دول وإذلال شعوب، وكان للعرب النصيب الأكبر من هذا الاستعباد والإذلال، استغل المستعم خيراته وسخر رجاله لخدمة أغراضه ومصالحه سواء في الداخل أو خارج حدود الوطن العربي، كما حدث من استغلال فرنسا لأهلنا في المغرب العربي، وبالتحديد دولة الجزائر في الحرب العالمية الثانية وكذلك في إعادة إعمار فرنسا بعد الدمار الذي لحق بها، بل كان هناك جسرًا لا ينقطع يربط بين باريس والجزائر، سفن تنقل كل ما تحتاجه باريس من خيرات الجزائر،

سرقة وقرصنة بسلاح القوة الغاشمة. مازال العرب يعانون الآن من قسوة الحروب والدمار، لكنه الأن بأيديهم وبأيدي بعض من ينتسبون كذبًا للعروبة والإسلام، ويتقاتل ابناء كل دولة. يتم الآن تدمير ليبيا واليمن والعراق وسوريا على أيدي إما مجموعات إرهابية ضاله، أو على أيد ابناءه أو بتدخل دول بعينها في شؤونهم. إلى الأن لم أتحدث عن المقصد من كل ماسبق، ولكنها كانت مقدمة حزينة لابد منها، تصف حالة العرب المخزية، وتمهد لما أريد قوله، وإن كان لا يخفى على أحد قط، فلقد إضطر كثير من أهلنا في سوريا وليبيا والعراق إلى الهرب من جحيم الحروب، ومن الدمار الذي حل ببلدانهم، فرحلوا إلى دول أوروبا ودولا أخرى عربية، من أجل أن يجدوا قطعة أرض صغيرة يعيشون عليها في سلام، وينعمون بقسط ضئيل من النوم في أمان، عبروا بحارًا وصحراءً، نساء وأطفال تألموا وشُردوا تشريدًا، أطفال تعرضوا للموت غرقًا، وقذفت الأمواج

جثامينهم على الشواطئ البعيدة، شاهد أطفال غرق أمهاتهم، أو تابعوها وهي تُغتصب أو تُحرق، وفُجعوا في أبائهم حين رأوهم يُقتلون ويُمثل بجثثهم، أو تسقط قذائف على رؤوسهم، فتُمزق أجسادًا وتحرق أبدانًا من عائلات هؤلاء الأطفال الأبرياء. أطفال العرب الأن نفوسهم مشوهه، وقلوبهم محطمة، وأجسادهم ممزقة، إن منهم من تأكله الكوليرا في الألفية الثانية وفي عام 2017، أطفالنا مساكين، لم ير طفل في العالم ما تعرض له الطفل العربي. وبعد.. هل سيمر هذا الأمر هكذا مرور الكرم؟ هل ينسى هؤلاء الأطفال كل ما حدث لهم؟ كلا.. إن هؤلاء الأطفال مرضى، ونفوسهم أصبحت بعد ليل طويل حالك السواد نفوسًا غير سوية، وكل تصرف سوف يبدر من هؤلاء الأطفال حين يصبحون رجالًا لن يكون سوى نتاج ما تعرضوا له من قتل وتشريد وعذابات.

ليس أمامنا إلا حل واحد، هو تأهيل هؤلاء الأطفال، وعلاجهم نفسيا حتى يتمكن بعضهم ولن أقول جميعهم من تجاوز تلك الأزمة، وأنا على يقين أن بعضًا من هؤلاء الأطفال يلقى العناية المناسبة في بعض دور الرعاية والمصحات الأوربية التابعة للحكومات، مثل ألمانيا والسويد وسويسر والدنمارك وغيرهم من الدول التي تحترم آدمية الإنسان، ولكن على الدول العربية التي فتحت حدودها لأشقائها العرب النازحين إليها هربًا من داعش أو من غيرها أن تبدأ في إعادة تأهيل أطفال تلك الأسر، وكذلك نساؤها اللواتي تعرضن للتعذيب أو للضرب أو الإغتصاب أحيانًا. كذلك على الدول العربية الأخرى التي تنعم بالأمن وتملك المال أن تدعم هذا التوجه دعمًا شاملا وكاملا وإلا فإن الطوفان قادم لا محالة، وهؤلاء الأطفال سيصبحون قنابل تنفجر في وجوه الجميع بلا استثناء.

لا تعليقات

اترك رد