المشتركة و المتنازع عليها


 

لا يجتمع الدهاء و الغباء في شخصية واحدة و عندما تكون هذه الشخصية سياسية يمكننا الحديث عن سياسي صالح و سياسي شرير لا عن سياسي داهية و سياسي غبي . السياسي قد يكون صالحاً أو شريراً لكنه في الحالين داهية يسوس الأمور لصالح شعبه إذا كان صالحا ، أو حزبه الفاسد أو حتى نفسه إذا كان شريراً أما السياسي الغبي فهو إما شخصية افتراضية لا وجود لها اخترعتها السينما ووسائل الإعلام الأُخرى أو ظاهرة شرقية فريدة أنضجتها شمس البادية . يمكن للسياسي الشرير أن يتبنى مشروعاً سياسياً خبيثاً عندما يكون منتمياً لبيئة استعمارية خبيثة ينفذ لها أجندتها كما كان يحدث في ظروف الإحتلال التي عرفها التاريخ في أي مكان من العالم ، لا عندنا فقط .
في التجربة العراقية نجح المحتل بتلقين مشاريع السياسيين الذين استقدمهم مصطلحات سياسية خبيثة و خطيرة أيضاً لزجها في القاموس السياسي العراقي الجديد ليكون لها فيما بعد ، بعد أن تترسخ في الوعي الباطن لجمهور المصفقين دور في خلق صراع بين أبناء الوطن الواحد و من ثم تأجيجه بواسطة هؤلاء السياسيين الذين أُخضعت ضمائرهم للتنويم المغناطيسي باستخدام بريق الذهب لكنها لم تكن لتنطلي على أبسط مواطن يرفض منطق التجزئة و الفرقة الذي سعى اليه المحتل سواء بالتحكم المباشر عندما كان موجودا بدباباته و جنوده أو بالتحكم عن بُعد بَعد فراره .
من هذه المصطلحات مصطلح ” العراق الموحد ” كثير التداول على ألسنة السياسيين منذ الأيام الأولى للإحتلال و هو مصطلح يحمل الكثير من الخبث السياسي فالعراق لم يكن في يوم من الايام مقسماً و لم ينشأ نتيجة لاندماج دولتين أو أكثر لكي يصبح موحداً فهو إذن عراق واحد و ليس موحداً . النتائج النهائية لاستخدام هذا المصطلح طيلة 14 عاماً و ترسيخه في أذهان الجمهور ظهرت مع استفتاء شمال العراق مؤخراً .
المصطلح الآخر هو ” المناطق المتنازع عليها ” و يقصد به كركوك و بعض المناطق الاخرى التي يحاول ساسة الشمال إخضاعها لدولتهم المفترضة و هو مصطلح يطلق عادة على المناطق الحدودية التي تقع بين بلدين و التي تشهد نزاعاً حدودياً لا على مناطق تقع ضمن بلد واحد و قد دفع هذا الإستخدام الخاطئ بعض الساسة الى إسقاط مصطلح ” المناطق الحدودية ” الذي يطلق على الحدود بين الدول على ” حدود إقليم كردستان العراق ” ، فما دامت هناك مناطق متنازع عليها بين جهتين فلا بد من حدود لكل منهما
بدورهم سعى ساسة محليون في الوسط و الجنوب الى استعارة هذه المصطلحات و استخدامها في مناطقهم كما حدث في منطقة النخيب ” المتنازع عليها ” بين محافظتي كربلاء و الأنبار ، ربما لتنويع أشكال النزاع في العراق فلا يقتصر على شكله القومي بل ليصبح طائفياً أيضاً . و العجيب أن بعض الحقول النفطية الواقعة بين العراق و الكويت و العراق و إيران بات يطلق عليها حقول ” مشتركة ” و لا يطلق عليها ” متنازع عليها ” رغم وقوعها بين بلدين ، على أننا لم نسمع قبل 2003 بوجود حقول نفط مشتركة بين العراق و بين أي من البلدان المجاورة و لا أحد يعرف اليوم شيئاً عن ماهية هذه الشراكة و كم هي حصة كل شريك من هذه الآبار و هل يحظى العراق بحصته حقاً في خضم صراع داخلي مصطنع بين مناطق الوطن الواحد على حساب صراع حقيقي يفترض أن يكون قائماً مع هذه الدول لارتباطه بالسيادة على أراض وطنية ، و كيف يمكن أن يكون الإنسجام بين العراق و كل من هذين الطرفين على مداه رغم تعلق الموضوع بقضية سيادة و وجود مشاكل و خلافات على أمور كثيرة معهما و لا يكون بهذا الإنسجام ضمن بلد واحد و حول مدينة واحدة عرفت بهدوئها ووداعتها و طيبة أهلها بالنسبة لكركوك ، و كذلك بالنسبة للنخيب التي لم نكن لنسمع عن خلاف بشأنها لولا الفصل الطائفي الذي روج له النظام منذ قيامه . هكذا جعلوا من المتنازع عليها مشتركة ومن المشتركة متنازعاً عليها .
من يزور كركوك و يتحدث الى اهلها لا يجد لديهم العصبية الحزبية الموجودة لدى بعض السياسيين و لا يهمهم ما يتنازع عليه المتنازعون و هم يعون جيدا أن النزاع ليس بين مكوناتها بل بين ساستهم و شيوخهم . بالمناسبة ، ” المكونات ” أيضا مصطلح غريب على العراقيين إستخدم أكثر مما يجب وإستهلك لغاية في نفس بول بريمر الرابح الوحيد من كل ذلك بعد تصفية الحسابات الختامية اليوم أو بعد مئة سنه هو ذلك الداهية الذي يرقب الوضع و يتحكم عن بعد بعقول ساسة أصبح نوم ضمائرهم المغناطيسي سباتاً مغناطيسياً بفعل بريق الذهب الذي لا تستطيع ضمائرهم المخدرة مقاومته .

شارك
المقال السابقالصراع بين الشر والخير
المقال التالىذات صباح
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد