الأخرون هم الجحيم

 

يقول جان بول سارتر : ” الآخرون هم الجحيم ” .

إذا كنت لم تقرأ هذه العبارة من قبل ، قد يكون رد فعلك الأولي شيئا بين الانفجار غير المنضبط من الضحك والشعور الكبير بالفضول . وعندما يخف رد الفعل الأولي ، إذا كان رد فعلك مشابه لانفجار الألغام ، ستكون الحقيقة العميقة من الرسالة التي تؤديها العبارة دليل حتمي على هذه الحقيقة التي تبدأ في التدفق في عقلك.

ما الذي يجعل الآخرين جحيما ؟ وإذا كان الآخرون هم الجحيم أين الجنة ؟

وأتصور أيضا أنك سوف تعترف ، مع ذلك ، أن بعضا من أعظم الملذات في حياتك حصل عليها أناس خارج اطار ذاتك ، وربما كان ذلك على شكل خدمة لأولئك الذين يقدرون ويثمنون ما يمكن أن تقدمه لهم. إنهم أولئك الآخرين الذين يبدو أنهم دائما يتدخلون في كل شيء !

وهذه بعض من الملاحظات والأدلة الخاصة بي ، تتبعتها من المصدر الأصلي ، من مفهوم ” الآخرون هم الجحيم ”

الآخرون ليسوا مشرقين جدا ولكن هذا لا يمنعهم من تحمل مسؤوليات مثل قيادة السيارات أو الترشح للمناصب العامة أو التصويت أو إدارة الاستثمارات أو تعليم أطفالك أو رئاسة الشركة التي تعمل بها – ومن الواضح أنها كلها لها تأثير كبير على حياتك !

أنت تعمل بجد على زبائنك وتحافظ على معايير السلوك الأخلاقية والغيرية في حين أن الآخرين يجذبون الأعمال ( وربما بعض زبائنك ) مع معايير سلوك أقل من الناحية الأخلاقية .

أنت تعتبر نفسك موظفا مهما ولكنك مستخدم من قبل أشخاص آخرين يقررون ” تقليل قيمتك ” في مواجهة الركود الاقتصادي فتفقد وظيفتك!

لديك أفكار عظيمة ( لتبدأ عملك الخاص أو لتحسين شيء في مكان عملك) ولكن لا يبدو أن الآخرين يتفقون مع عظمة فكرتك. ونتيجة لذلك ، تفشل فكرتك ، وعلى افتراض أنها لو انطلقت ، وبدأت في إصدار حكمك الخاص عليها ، وهذا ما يضعف قيمة الذات ويقلل من فرص تقديم المزيد من الأفكار.

وبالنظر إلى أن “الجحيم هو الآخرون “، كيف تنظر أنت إلى ” الآخرين ” وما تمثله تلك العبارة بالنسبة لك ؟

إن فكرة قبضة الآخرين على حياتنا قد تنبع من رغبتنا العميقة – في تحقيق الذات. في كثير من الأحيان ، وعلى حسابنا ، يعتمد تحقيق الذات لدينا على موافقة ( أو ما نعتبره موافقة ) من الآخرين. وبالتالي ، فإن أعمالنا غالبا ما تكون انعكاسا لما نعتقد أن الآخرين يتوقعونه منا. وهذا يمتد أيضا إلى رغبتنا في السيطرة على مصيرنا وإيجاد الأشياء التي نرى أنها ستوفر هذه السيطرة مثل المال والثروة المادية والوضع الاجتماعي – هذا ما يجعلها سارية المفعول ومقبولة .

وجاء الإعلان الأصلي بأن “الجحيم هو الأخرون ” من جان بول سارتر ، الفيلسوف الوجودي الفرنسي والكاتب المسرحي في القرن العشرين في مسرحية الشهيرة ” لا يوجد مخرج ” حيث تصل الشخصيات الثلاثة الرئيسية في المسرحية إلى الجحيم ، الذي يمثله فندق ، ويكتشفون أن مصيرهم هو الحصول على الخلود معا في غرفة صغيرة واحدة ، وتكتشف الشخصيات أيضا أن الجحيم ليس تعذيبا بالنار والحجارة ولكن التعذيب يأتي من الأخرين ويدركون أنه لا يوجد مهرب .

لماذا كان الجحيم هو الآخرون؟ لأنه ، كما أوضح سارتر قائلا : “… عندما نفكر في أنفسنا ، عندما نحاول أن نعرف أنفسنا ، … نحن نستخدم معرفتنا لذاتنا التي يعرفها الآخرون مسبقا.” وبعبارة أخرى ، إذا لم نكن معروفين أو إذا لم يتم التحقق من خصالنا الفردية وأحلامنا والحصول على موافقة الآخرين عليها ، فإننا غالبا ما نشعر بأن وجودنا له معنى أقل أو حتى أنه لا قيمة له .

شخصيا ، أنا أحب هذا التفسير، وما تضمنه سارتر نفسه في حديثه ، الآخرون يمثلون المطهر وهو المكان الذي يمكن أن يكون جنة أو جحيما ، وفق تصورات الإنسان وإدراكه.

إذا كان الجحيم هو الآخرون ، السبب يكون هو أنك نفسك جعلته هكذا – ولأنك سمحت للآخرين أن يشكلوا حقيقتك. في هذه الحال ، يكون تحقيق ذاتك ، في هذا الجحيم ، معتمدا تماما على موافقة الآخرين.

أنت تلعب نوعا من الألعاب يمكن أن نسميه – لعبة الوهم – مع الآخرين . فقد قدمت الصورة التي كنت تعتقد أن الآخرين يريدون أن يروها وهي وهمٌ في كثير من الأحيان مثل سيرتك الذاتية و موقع الويب الخاص بك وصفحة الفيسبوك الخاص بك و ملابسك و سيارتك و منزلك و اختيارك للكلمات المنمقة ووجهة عطلتك و والعروض التقديمية الخاصة بك للزبائن المحتملين. كلها مجتمعة تقدم وهماً يلبي توقعات واستحسان الآخرين.

كما هو الحال في أي شيء، يجب أن يكون هناك توازنا.

التوازن الذي يمكن العثور عليه هو التعايش مع الآخرين ، وهو أمر لا مفر منه ، يجب أن تلعب لعبة الوهم هذه إلى حد ما. ولكن يجب أيضا أن تبقى على علم بأن هذه اللعبة هي في الواقع وهم : الوهم الذي قدمته للناس يجب أن لا يكون بعيدا عن الحقيقة وإلا سوف تفقد التواصل مع الواقع أو تفقد نفسك في هذا الطريق. يجب أن تدرك أن الآخرين يلعبون لعبة الوهم هذه وتصور ” الفوز ” أو ” الخسارة ” يجب أن يبقى فقط في أذهان الآخرين – وليس في ذهنك . والأهم من ذلك ، لا تصبح أنت هؤلاء ” الآخرين ” – الناس الذين يحددون وجودهم – في الجنة أم في الجحيم – من خلال النبوءات المتوقعة والموافقات الممنوحة من الآخرين.

لذلك الجحيم ، ليس الآخرين – الجحيم هو أن تكون أنت هؤلاء ” الآخرين ” . الجنة دائما هي أن تكون منسجما مع ذاتك .

بقلم : كينت تيون / مجلة الفيلسوف المالي

ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف

مراجعة : سوسن عبود

العنوان الأصلي للمقال :

Hell is other people , Kent Thune , Financial Philosopher , 2009.

لا تعليقات

اترك رد