الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – ج 2/5

 

اقرآ ايضا: الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – ج 1
فهل يبرر- على سبيل المثال- عدم تواصل المبدعين في الواقع العربي وندرتهم في كافة الميادين العلمية والفكرية حالة الإنحطاط الثقافي ؟

الجواب بظني لا، دعونا نتأمل فيما هو أوسع وأشمل، فإن فعلنا فإننا سوف نلحظ على مساحة شاسعة أسباب ومبررات هذا الانحدار، ونظن أن بعض هذه الأسباب هي أسباب مرضية تحتاح إلى معالجة، وبعضها الآخر نعتبره من الأمراض التي تصيب أية حالة نمو، وبالتالي هي أمراض ضرورية كي نصل في الحالة الثقافية إلى الصحة والعافية .

لغاية الربع الأول من القرن العشرين، كان التعليم ينحصر على أبناء الطبقة الحاكمة وأبناء الذوات، ولم يكن في مقدور الشرائح الاجتماعية من أبناء العمال والفلاحين وعامة الشعب من ارتياد المدارس والجامعات، وكان يقول ابناء الصفوة الذين احتكروا التعلم أن الماء في النهر إذا تُرك يتدفق من غير ضوابط فإنه سوف يغرق ما حوله من الأراضي، لذلك فإن الجدوى الحقيقية من فائدة الماء تكون في ضبط النهر.

وفي المقابل، تعالت أصوات عدد من المفكرين المتنورين تدعو إلى إشاعة التعليم وتعميمه على الجميع، وعدم حرمان أحد من حق التعلم، وأن العبرة تكون في اتساع قاعدة التعليم ، التي سوف توفر حاضن حقيقي للإبداع.

وبذلك احتدمت رحى معركة نظرية بين المفكرين لاختلافهم حول هذا الأمر، استمرت ردحاً من الزمن إلى أن جاء وقت أصبح فيه التعليم متاحاً لكافة أبناء المحتمع ، ثم تحول ليصبح تعليماُ إلزامياً ومجانياً في معظم الدول العربية ، وفيما بعد تحولت القضية إلى نقاش حول معالجة وإصلاح عيوب التعلم ومنظومة التعليم، وهي لاشك عيوب ومشكلات تعكس قصوراً في إتمام رسالة التعليم، وليس في الرسالة ذاتها .

إلا أن اتساع دوائر التعليم بسبب انتشار وسائل الإعلام ، ابتداء من ظهور المطابع الحديثة التي رافقها ازدياد هائل في أعداد الصحف والمجلات والدوريات المطبوعة، وكذلك الكتب الدراسية والمناهج التعليمية، ثم ظهور الإذاعة وانتقال الأخبار والمعلومات المسموعة غبر القارات، ثم ظهور دور السينما ودخول شاشات التلفزيون إلى كل بيت وما حمله هذا التطور المهم من وصول المعلومة إلى كل إنسان وهو يجلس في منزله، ثم ظهرت الأقمار الصناعية وصحون الإلتقاط ، ثم نعم العالم بالشبكة العنكبوتية التي جعلت العالم قرية صغيرة.

كل وسائل الإعلام هذه تصل بمضامينها إلى كل الناس، وتخاطب كافة الشرائح الاجتماعية، وكافة الفئات العمرية ، وكافة السكان من حضر وريف، إنها تخاطب كافة المستويات العلمية، حتى من لايعرف القراءة والكتابة .

هذه التطورات العلمية التي تقاطعت مع اتساع التعليم، لاشك نتج عنها ارتفاع نسبي في مستوى التعليم ، وفي مستوى الوعي الاجتماعي-نسبياً- لدي غالبية الناس ، وبالتالي أحدث هذا الأمر ارتفاع في مستوى المعيشة في معظم البلدان العربية، فحصل تفاعل عميق ومثير، من خلالإقبال الناس على شراء الكتب وقراءة الصحف وارتياد دور السينما ، ومتابعة الأعمال التلفزيونية، فأصبحت مصادر التثقيف من صحيفة وكتاب وبرنامج تلفزيوني وفيلم سينمائي، محكومة باعتبارين الأول: أن الجمهور الأكبر من المتلقين أصبح من الناس شبه المتعلمين، وبطبيعة الحال فإن وسائل الإعلام تفضل هذه الشريحة ذات الأغلبية العددية في العالم العربي، تفضلهم على أن يكون جمهورها ومتابعيها قلة من المثقفين والمتعلمين، وذلك بسبب عقلية التاجر التي تحكم أصحاب هذه المنابر الثقافية الذين هم أصلا في غالبيتهم العظمى أناس يديرون أعمالاً وليسوا أصحاب مشروع ثقافي، وبالتالي كان من نتيجة هذا الوضع أن انتشر الإنتاج الثقافي والفني والأدبي الهابط الذي يخلو من أية قيمة فكرية أو علمية أو ثقافية .

العامل الثاني الذي حكم مصادر التثقيف : هو أن تعدد واتساع وازدياد وسائل الإعلام بكافة فروعها، حولها إلى شيء يشبه ماكينة تبتلع كل مايرمى لها، ماكينة لا تتعب ولا تشعر بالشبع وتطلب المزيد دوماً .

فلنلاحظ ما حصل، الصحيفة في البلد الواحد أصبحت مجموعة صحف تطبع وتوزع مئات الآلاف من النسخ اليومية، بل أنه في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ متوسط بيع وتوزيع الصحف اليومية ذات الشأن العام حوالي ستين مليون نسخة، والقناة التلفزيونية أصبحت آلاف القنوات، وصل عددها في العالم العربي إلى 1494 قناة فضائية فقط في نهاية العام 2016 ، ووسائل الإعلام نهمة وتحتاج إلى طعام بشكل متزايد، تحتاج إلى إنتاج فني وثقافي، فأخذت وسائل الإعلام هذه تتلقف كل مايصل بين يديها من أعمال، ولأنها كما أسلفنا مؤسسات تتعامل بعقلية التاجر فكان عليها أن تقبل بالثمار المتعطنة إلى جانب الثمار الناضجة الزاهية ، وذلك بسبب أن سوق الطلب أكبر كثيراً من العرض .

هذا الأمر ساهم في وصولنا- إلى جانب أسباب مهمة أخرى- إلى حالة الانحطاط الثقافي، ولكن في ظني أن هذا العامل وتأثيره في هذه الحدود التي ذكرناها يكون علة من العلل التي ترافق النمو، وذلك لأنه ما من شك في أن مستقبل الإنسانية وازدهار البشرية وتطورها مرتبطان بتوسع رقعة التعليم وازدياد أعداد المتعلمين، ومرتبط أيضاً بتعدد وسائل التخاطب الثقافي، وبالزيادة المضطردة لكافة وسائل الإعلام، وبالتالي فلابد لنا من أن نتوقع هذه الظواهر والأمراض التي تلحق بالجسم الثقافي كله والعمل على رصدها ومعالجتها في حينه حتى نصل إلى العافية .

ماذا حصل خلال مرحلة النمو؟

إن الأسئلة الفلسفية والفكرية الكبرى والهامة قد تحولت من كونها متعة للحراك العقلي والمعرفي وتنشيط للذهن عبر الاتساع والتنوع والتعدد في المشارب الفكرية، إلى التسطيح البليد في تفسير الظواهر والاشياء، وتم دفع الثقافة إلى مساحة اللون الواحد الذي لايقبل مشاركة ألوان أخرى معه، وقد طال هذا التحول الخطاب الديني ومذاهب ومعتقدات الناس، وبدلاً من أن يكون الفكر الديني ينعم بالحرية في الحركة والتطور خارج ضوابط وقوانين قصور الواقع الراهن، فقد تم تقزيم هذا الفكر الديني حتى يتلائم مع ضحالة الواقع بتشعباته الاجتماعية والاقتصاديةوتناقضاته الدنيوية، بحيث اختلط هذا الخطاب الديني مع غيره من الشعارات السياسية المرحلية، ومع مفاهيم متعددة أخرى على الصعيد الوطني والقومي، وتشابك حتى مع الخطط الاقتصادية في العالم العربي، ولكم أن تتخيلوا ما الذي نتج عن هذا الخلط العشوائي والامتزاج بين عناصر فوضوية.

وكذلك تحولت الفنون المختلفة من النشاط والفعل الروحي والوجداني العميق، من شيء له بهجة التصوف، إلى سلعة تتحكم بها قواعد السوق والاستهلاك، وأصبح المطلوب سلعاً خفيفة تخاطب الحواس لا الفكر، ولا تترك أي أثر بعد استخدامها، حتى تتيح مجالاً لسلع أخرى تنتظر أن يتم استخدامها واستهلاكها، وهي سلع ومنتجات أكثر رداءة من سابقاتها وأكثر سطحية، وهي بضائع تعمل على إجراء تحول عميق في معايير تقييم مايعرض من منتجات ثقافية وفنية وفكرية، تحول المعايير من النوع كمقياس أساسي، إلى مفاهيم تعتمد معيار الكمية ثم الكمية الأكبر التي تخدم الاحتياجات الاستهلاكية للناس وإغفال الفكر والروح.

ومن جهة أخرى فإن القيم والأخلاق قد تلوثت وبهتت وغابت أو انزوت في العديد من المجتمعات العربية، وظهرت بدع وصرعات ثقافية غريبة عن محتمعاتنا، وكثر الجدل واتسع حول بعض المفاهيم التي كانت موضع إجماع فيما مضى ، واستولدت عشرات التفسيرات للوطنية والقومية، وتم محاربة القيم الإنسانية التي كنا نتشاركها مع العالم أجمع، وتم اعتبارها زندقة وفعل ينتقص من الولاء للوطن وينزع الإنتماء عن من يعتقدون به، وبالتوازي تمت محاولة -ومازالت- جر الأمة إلى الحزبية والطائفية والمذهبية والتعصب الفكري والتشدد الديني، وشاعت ثقافة التكفير والخروج عن الجماعة، والدعوة إلى الجهاد، بالرغم من أن دنس الإحتلال الصهيوني في قلب القدس الشريف منذ عقود ولم يستجر حمية هؤلاء صراخ الثكالى، ولا دموع اليتامى، بفعل الاعتداءات اليومية من الصهاينة على الشعب الفلسطيني- على سبيل المثال لا الحصر-، وبدأت ثقافة النبش في الماضي تعبيراً عن عجز الأمة مواجهة أسئلة الواقع، وحاولة استحضار قوالب نمطية جامدة للدلالة وتحجيم الآخرين وتكفيرهم إن اقتضت الحاجة .

اقرآ ايضا: الانحطاط الثقافي العربي .. سقوط أم صيرورة ؟ – ج 1

لا تعليقات

اترك رد