الشعر العربي وتطوره في العصر العباسي الاول – ج 3


 

اما المصدر الثاني فهي الثقافة الاجنبية التي ترجمت من الامم المجاورة للعربية كالفارسية والتركية واليونانية والهندية و كانت نتيجة حتمية لانصهار هذه الاقوام في يوتقة الامة العربية و بالاسلام فآتت اكلها حيث اثرت التاثير الكبير على ا خيلة الشعراء وثقافاتهم فتوسعت افكارهم وازدادت علومهم وتفتقت قرائحهم لتاتي بقصائد ذات معان شعرية جديدة كان الاقتباس واضحا وجليا فيها. فالمتذوق للشعر العربي في هذا العصر لا تخفى عليه تلك الميزة التي تطالعه من خلال النتاج الشعري الثر وطائفة صالحة تحمل ذلك الطابع المشوب بالرقة لتؤكد هذا الاتجاه في الأسلوب الشعري

لاحظ قول بشار بن برد متغزلا :

لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيفٌ أ لم

ختم الحب لها في عنقي
موضع الخاتم من أهل الذمم

رفِهي يا (عبد) عني واعلمي
إنني يا (عبد ) من لحم ودم

إن في بردي جسمًا ناحلا
لو توكأت عليه لأ نهدم

كان العرب امة واحدة في عاداتهم وتقاليدهم وما آلفوه عن ابائهم واجدادهم فلما اختلطوا بغيرهم من الاقوام نتيجة توسع رقعة الدولة العربية الاسلامية او نتيجة الفتح الاسلامي الواسع حيث امتدت الخلافة العربية الاسلامية من الصين شرقا الى المحيط الاطلسي غربا حتى قيل ان الخليفة هارون الرشيد كان يخاطب الغيوم في السماء فيقول ( اذهبي ايتها الغيوم في السماء فأينما تكوني يأ تيني رزقك وخيرك ) وامتزجوا بهم نتيجة التعامل او التقارب في العصرين الاموي والعباسي وكان لهذا التوسع اثر عظيم في تفرق العرب لاندساس الاقوام الاخرى وعملهم الجاد في ايجاد كيانات لهم ضمن الكيان العربي و ومحولة هيمنتهم على امور الدولة وتقريبهم للفئات التي جاؤوا منها ومحاولة ابعادهم العرب عن دفة الدولة ورجالها فأدى ذلك الى قيام حركات شعوبية معادية للعنصر العربي لامة او جامعة للعناصر غير العربية وخاصة من الفرس والاتراك.

لقد تاثر العرب بالفرس كثيرا فظهر هذا التأثر بمشاركتهم اعيادهم واحتفالاتهم واقتناء العرب الجواري والغلمان الجميلات وشيوع العبث واللهو و الخلاعة والمجون والفساد واللامبالاة وكل ما لم يألفه العرب من ذي قبل وبث الافكار الالحادية المستقاة من المجوسية والوثنية فكثرت الزندقة وظهرت الشعوبية و كل امر شائن مما حدى ببعض الخلفاء العباسيين في صدر الدولة العباسية من مطاردة دعاة هذه الاعمال للحد منها كالخليفة المهدي والمنصور والرشيد وكذلك المذهبية وطغت هذه الامور على الحياة العامة حتى في دقائق امورها مثل المأكل والملبس والمسكن وفي امور الحياة الاجتماعية فوجد من تزيا بزي جديد – نصف عربي – وشيدت القصور وتوسع الناس في البناء و الانشاء وتفننوا فيها بحيث شملت كل مرافق الحياة العامة .

فقد تنوعت اساليب الحياة وطرق الكسب والمعيشة وكان لكل ذلك اثره الكبير في تطور تيار الشعر العربي بحيث ظهرت فنون شعرية جديدة لم تكن موجودة او معروفة كالغزل بالمذكر . ووصفت الحياة ومظاهر الحضارة الجديدة على حالتها التي وصلت اليها من قصور ورياض ومواسم واعياد وقد ادى ذلك الى ارتقاء الشعر درجات على في سلم الثقافة العربية.

لقد تطورت اساليب الشعر العربي في العصر العباسي كثيرا جراء اطلاع الشعراء على الثقافات الاجنبية ونمو مداركهم وزيادة معلوماتهم وتطور الحياة الحضارية في هذا العصر فقد مال الشعراء الى استخدام الاساليب السهلة المفهومة المنسوجة من واقع الحياة المعاشة وابتعدوا عن اللفظة الصعبة او البدوية التي قل استعمالها او هجرت في الاغلب واستعملوا المحسنات البديعية والالفاظ الجديدة تبعا لتطور الامور وحتى وصلت الحال في بعضهم من استخدام الفاظ اعجمية في شعره وقد نشير ان مفهوم الأسلوب يعني الطريقة او السلوكية التي يتبعها الشاعر في نظم شعره فيقال مثلا سلكت أسلوبه وتعني طريقته وكما يقال كلامه أسلوبه الافضل .

و كلمة الأسلوب التي تجري على ألسنة الشعراء والادباء والنقاد في بعض الاحيان والمراد بها التراكيب اللغوية بمعنى انفصالها عما تدل عليه من معانٍ كانت مضمرة في نفس الشاعر الاخر وهو إيهام يجعل من الأسلوب كلمات مرصوفة ذات حروف ومقاطع ربما تدل على فهم شيء للأسلوب حيث يهب الحياة والجمال أو الجمود والقبح لذلك النص او هذا .

وبالجملة هو طريقة التعبير بالألفاظ المترتبة على معرفة ترتيب المعاني في النفس في طريقة الأداء اللفظي لما ينسقه الفكر من معانٍ وينظمه العقل من أفكار ازاء الطريقة التعبيرية التي ترتبط بالمعاني اذ ان أول ما تحدث في هذا المعنى وأنه ربما يعتمد في نظريته على الاعتداد بمجموع ما يذكره في مواضيع مختلفة اذ إنه لا يتصور أن يعرف للفظ مواضع من غير أن يعرف معناه و أنما يتوخى الترتيب في الألفاظ – من حيث هي ألفاظ ترتيبًا وتنسيقا ونظمًا أي يتوخى الترتيب في المعاني ويعمل الفكر في انتقاء الالفاظ ويقتفي آثارها بحيث تترتب بخدمة المعاني وتبقى تابعة لها او لاحقة بها مع العلم بمواقع المعاني في النفس او بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق و يقوي النص في الأسلوب او بمعنى اخر هو الأداء اللفظي المطابق للصورة الذهنية لمفهوم الأسلوب الناجم عن قدرة الملكة في اللسان العربي بحيث يكون ثمرة الاعتماد على الطبع والالهام والتمرس على ايجاد الكلام البليغ الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ما يعتمل في قلبه ونفسيته من احاسيس وهنا تكمن وظيفة البلاغة والبيان .

فالأسلوب هو الصورة الذهنية للتراكيب المنظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وشخوصها بحيث يصيرها في الخيال كالقلب ثم ينتقي التراكيب الصحيحة على اعتبار النحو والبيان فينسقها فيه تنسيقا متراصا كما يفعله البنّاء في قالبه الخاص أو النساج في المنوال حتى يتسع ذلك بحصول التراكيب الاسمى بمقصود الكلام للحصول على الصورة الامثل والافضل والاقرب لملكة اللسان للشاعر العربي لذا فلكل فن من الفنون من الكلام أساليب تختص به وهذه الأساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء وإنما هي حالة قد ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في الشعر العربي تجري كجريانها على اللسان كي تثبّت صوتها و صورتها المطلوبة في تقريبه إلى فهم المتلقي بشكل اسنى وافضل والتي تمثل منزلة الروح من الجسد فالخيال في الأسلوب بوسائله المستعارة وما يتصل بالمعنى اتصالا وثيقًا بطريقة مرنة من طرق التفكير حيث أنه الأداة الواضحة للتعبير فهو طريقة التعبير اللفظي الحادثة على تنسيق الفكرة والمعبرة عن أدق خفاياها ومدار جودتها أو انها طريقة التنسيق ومدى نهوضها بالمعاني المعبرة عما في دواخلها او ما تكتنفه من معان بليغة . لاحظ قول البحتري:

كأ ن الرياض الحور يكسين حولها
افانين من افواف وشي ملفق

اذا الريح هزت نورهن تضوعت
روائحه من فائر مسك مفتق

كأن القباب البيض والشمس طلعة
تضاحكها انصاف بيض مفلق

لقد صاغ الشعراء العباسيون أساليبهم في ضوء حضارة الدولة وثقافتها وطريقة تذوقها للفنون . لذا جاء الأسلوب الشعري اقرب إلى الرقة في النسج والدقة في التصوير والدماثة في التعبير وشاعت في حواشيه ألوان من الزخرفة اللفظية وضروب من الزينة والجمال واكتنفت أنغامه حالة من الفخامة المؤثرة والتي قد تهز العواطف وتحرك المشاعر وتثير الاحساس . فالشعراء الاكثر تحضرا يميلون بطبعهم إلى الكياسة والزينة والانس في كل شيء فالطبع الحضري تستهويه الأناقة في كل ما حوله ويجذبه التأنق ويقربه اليه وهو ما يدلل على تطور هذه الأذواق ورقيها وهذا سبب قوي في ايجاد أسلوب شعري تركن اليه النفس لتستريح عنده في حسن صياغة أ نيقة مثل مرآة صقيلة عاكسة على صفحتها كل فنون الجمال والتنسيق الاسنى والافضل لاحظ قول بشار في ذلك :

ومخضب رخص البنا ن
بكى عليَّ وما بكيته

يا منظرًا حسنًا رأيـ ـت
بوجه جارية فديته

بعثت إليَّ تسموني
ثوب الشباب وقد طويته

ثم حالة جديدة ونقصد بها السهولة في الاسلوب ذلك الأسلوب اللين الذي يقرب إلى العامية أو يؤثرها بعضهم وهذه السهولة ربما حاولها غيرهم في أساليبهم فيخفقون وينكصون عن الايتاء بمثلها وتستعصي عليهم وتمتمنع عنهم امتناعا ربما يكون عند بعضهم شديدا قد يسلمهم إلى اليأس وينتهي بهم إلى الحيرة المشوبة بكثير من الإعجاب.وهذا ما نسميه بالسهل الممتنع وقد نسج فيه عدد من الشعراء في هذا العصر منهم ابو العتاهية لاحظ قوله :

كَمْ رأينا مِنْ عَزِيزٍ
طُوِيتْ عنه الكشُوحُ

صاحَ منه بِرَحِيلٍ
صائحُ الدَّهْرِ الصَّدُوحُ

موتُ بعضِ الناسِ في
الأرْضِ على قومٍ فُتُوحُ

سيصير المرءُ يوماً
جَسَداً .. ما فيه رُوحُ

وقد ترك اغلب شعراء هذا العصر كثيرا مما كان يسير عليه الشعراء في الجاهلية كاستهلال القصيدة بالغزل . ووصلت الامور الى ان تهكم بعضهم من هذه الطريقة واعتبرها بالية و سخروا من الشعراء الذين حافظوا عليها.
فهذا ابو نؤاس يقول :

قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا ما ضر لو كان جلس

لا تعليقات

اترك رد