شعريّة التّخييل في مقطوعة ” احتواء ” للشاعر المصري سامي أبو بدر

 

تطورت القصيدة العربية تطورا كبيرا تجاوزت قيود النظم الكلاسيكية التي عبّرت عن نهم الشاعر المعاصر الفني في المُضي قُدما نحو آفاق إبداعيّة لا حدود لها .إلا أن سحر العمود والوفاء للأصول الأولى لم تنطفئ جذوته عند العديد من الشعراء ، ولعل ذلك يعود إلى قيمة الشكل والبناء في التعبير عن هواجس الشاعر وعواطفه الداخليّة وملاءمته لتوجهه الإبداعي المقترن بدواخلهوذاتيته من ناحية وأسلوب التعبير عنده ووفائه له من ناحية ثانية ، على نحو يجعله قادر على التميّز وصناعة المعنى بعيدا عن الشكل الفني الخارجي .

هذا ويتراءى لنا في بعض الأعمال الأدبية قدرة الشاعر على المزاوجة بين القديم والمحدث لإنشاء عمل قد يكون من الحيف اعتباره مجرد تقليد لوجود روح الشاعر المحلّقة في أعطاف النص، تجعله مميّزا ولو شابه غيره من الأعمال الإبداعيّة الأخرى .

وهاهنا يتشكّل التوليد الفني أو لنقل ظاهرة التناصّ التي تقيم الحوار بين الجديد والتليد وبين الأصيل والوافد على نحو من الانسجام والتناسق. وهذا من شأنه أن يدعم الفعل الإبداعي،لأن شعريّة النص تنشأ أساسا من خصوصيّته وتفرّده . وهذه الخصوصيّة إنما تتشكّل من ذلك التركيم الإبداعي الذي يجعلنا نلائم بين التقليد والتجديد في متن النص الواحد فيكون التوليد والقدرة على التحول من القديم إلى الجديد مدار الاهتمام والتميز في ذات الآن .وهذا ما نلحظه في أعمال الرومنطقيين حين أعلنوا عصيانهم على كل نموذج في محاولة للقطع مع الموجود ، وإحداث خطاب على غير نموذج. لكن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد محاولة للتملّص من قيود النموذج فيوائم المبدع بين النص الحاضر وفي أعماقه اهتمام لنص تعمّد تغييبه ولكنّه الحاضر دوما .

ولعلّنا نقف إزاء نموذج إبداعي للشاعر المصري سامي أبي بدر الذي يطالعنا بمقطوعة فنية من العمود الشعري “احتواء” التزم فيها بالقصيدة الكلاسيكيّة إلتزاماشكليّا بنية وإيقاعا . ولكن ذلك لم يمنع خصوصيّته في التعبير عن المعنى واستكناه أغوار الذات لتخترق عوالمها النائية من رحم الشعر، برؤيا عاشقة لامتلاك الأشياء واحتوائها من خلال هذا النص الذي يحملنا إلى معاريجالوجد أغنية يرتلها عاشق أُثقِل وجدانه بالآهات ..يسابق الأفق لينطلق إلى أنثاه محبوبة عتيّة ..تسكن عوالمها القصيّة يصّعّد إليها فيطوي الأفق طيّا :

طويتُ الأفق منطلقا إليــــكِ لعلّ الرّوح تهدأ في يديكِ
فأُطفئ في الحشا وجعا تلظّى وأبرأ من خساراتي لديك

فإذا هي امرأة من الأحلام تَسمَع ولا تُرى تهدأ الروح العاشقة في معاريجها، هي الداء والدواء فراقها موت وضلالة ووصلها حياة وإخصاب ..صاغها شاعرنا من أحلامه نغما ارتقت في أفق خياله طيفا من السحر ، قد تكون غادة من النساء لكنها أضحت في الخطاب مطلق الشعور، لوّنها بلون الأشواق ، فجعلها حورية خيال بعيدة عن الوصف لا تدركها الأبصار . غادةوشوق وفن.كلها من حلم ورؤيا . تتموج على وزن وقافية بالكاف يعزف ألحانه صوت وسط بين الشدة والرخاوة.فإذا هي نشيد يناجي به الوجود. وخطابه كلّه حاضر كالأبد . آنه في كل حين . مهوسا بجحيم فكرة ترفعه بها إلى الفراديس ..إلى السرمد ..إلى الأفق البعيد فيطل علينا عاشقا من سلالة العذريين ، ذاته مضمخة بانفعلات مترعة بروحه الحساسة للشّوق ..للتّوق..لصلاة المريدين..فإذا الخطاب بوح ومناجاة يخترق الصدى ويُطبِق:

تعبتُ وأرهقتْ قلبي شطوطٌ وما استأنستُ إلاّ شاطئيكِ
وأنهكتِ الخطى مليـــــون آه تقصّ حكاياتي ليلا عليــكِ

يتعبّدها بروح حالمة لا وطن لديها سوى جفنين ومقلتين وشاطئ ،هو مرساها حين تهفو إلى قلبه الذي شفه الوجد لتزيد اشتعاله ..هي أحداق حالمة موغلة في إفكها لشاعر يطلع علينا بنسيج كصهد الزهر حين يتفتح للعشق ..وهاهنا فنحن أمام عاشقين يرتفعان عن الزمان والمكان..كلاهما مخلوق وخالق..ذاك بالأبجدية سوّاها من صهد وجده..ونار شوقه ووجع تلظى في الحشا ..يرتلها سورة للنساء.. لعشتار الربّة ..حين جثا في محرابها وصلّى ..فإذا حبها عبادة ولها معبد وقداس..يحويها فتحويه ..ينشئها نغما وأبجدية وتخلقه في أعماقها صهدا من نار.. لعلها الطبيعة في حلوليّتهاوعلاقتها به..فهو الحال في جفنيها وهي المتطبّعة بطبائعه تنشأ كما أنشأها سيمفونية جمال يعزفها للشوق والحنين بفلسفة صوفية تظهر من حركة تصاعدية هي بالأساس رحلة انصهر مرتحِلُها في شعاب حنينه إليها وما توقظه من نيران الحب. فالعروج إليها انتقال الروح إلى مقام رؤية الخلق في الحق الذي يتحقق بالطلب والإنشاء ( فكوني ..ومُدي ) في الزمن المستقبل..وهذا يؤكد صورة الأنثى الحلم أو الافتراضية التي تنتشل عاشقها من أديم الواقع ..فليست سوى أحلامه التي تنوب عن رغباته في التملص من هذا الواقع وكأن المسكوت عنه في عشقه إنما هو الشعور بالغربة وما المعشوق إلا دواؤه فيقضي على الاغتراب بالحب ..بهذه المناجاة وهذا البوح ينشئ الشاعر عالمه الشعري الذي يعيش فيه اللّذة والألم في ذات الوقت فيكون المقام مركبا يعيش فيه اللذة من خلال الألم ويستعذب فيه الألم أثناء التوحّد باللذة . بهذا فنحن أما عالم مركب للذات الناطقة يتأرجح بين الموجود والمنشود. فالموجود انكسار وفجيعة صامتة يطلقها زفرات .والمنشود أحلام وانتصار يبثها تبتّلا وصلاة .وهنا لم يخرج الشاعر عن صورة العاشق الوفي المتذلل لربة العشق ولكنه جمعها بصورة قد تبدو في ملامحها رومنطيقيّةيعرج فيها صاحبها إلى عوالم مثاليّة ينتقي منها أنثاه فلا نكاد نعثر لها على أثر وكأنها الخلود .ليس لها في أي أرض مستقرّ إلا في خياله ونسيجه النصّي . هكذا هو الخيال فعل مارد يتقوّت من ميتافيزيقاه ليجعل منه قوة ضاربة توهم بالصدق وكأنه يحاول أن يصالح بين الفعل التخييلي والعمل تحت إمرة العقل أسوة بأرسطو في هذا التأكيد على البعد الوجداني العاطفي ورصد حالة العاشق كضرب من الاقناع المنطقي حين يرتبط الغياب بالحنين والشوق .ولكنه في ذات الآن فعل وجداني يرتبط بالنشوة الروحية الغامرة والخيال المحلّق يطلقها دون قيد ، فيسمو حتى يدنو من الحقيقة وهو ما يسميه البعض بلاغة الانتقال من قانون الوضوح ومستلزماته التمييزيّة إلى قانون التحول والاندماج بين العناصر الوجوديّة ومن ثمّ إلى حال الترميز الكلي . بهذا فنحن أمام أنثى مفترضة لا وجود لها في الواقع قد تكون مجرد شماعة يعلّق عليها الشاعر هواجسه ومشاعره فتكون بذلك رمزا للأحلام المبعثرة والحياة المهزومة في واقع الانكسار والهزائم وما استحضارها إلاّ نوبة من نوبات الشعر حين الالتحام بالواقع أو لعل ولادتها في النسيج الشعري ولادة اضطراريّة ..

النص:

احتِواء

طَوَيْتُ الأفُقَ مُنطَلِقًا إلَيْكِ
لَعلَّ الرُّوحَ تَهدَأُ فِي يَدَيْكِ
فأُطْفِئَ في الحَشَا وَجَعًا تَلَظَّى
وأَبرَأَ مِن خَسَاراتِي لَدَيْكِ
تَعِبْتُ وأرهَقتْ قَلبي شُطُوطٌ
وما اسْتَأْنَسْتُ إلا شَاطِئَيْكِ
وأنَهَكَتِ الخُطَا مِليونُ آَهٍ
تَقُصُّ حِكايَتي لَيلًا عَليْكِ
وما لِيَ غَيرُ جَفنِكِ يَحتَوينِي
فتَرْعَانِي رَحَائِمُ مُقْلَتَيْكِ
فكُونِي لِي كَما حُلْمٌ تَرَاءَى
ومُدِّي في الْمَدَى لِي رَاحَتَيْكِ
شعر/ سامي أبوبدر – مصر

المقال السابقمتايااااااات ؟!؟
المقال التالىصالة مطار
خيرة مباركي ..تونسية -جزائرية (من أب جزايري وام تونسية )أستاذة في اللغة والآداب العربية .. متحصلة على الإجازة في الأدب العربي القديم والحديث وأحضر للماجستير في النقد الادبي .. فنانة تشكيلية وناقدة مع محاولات في الشعر ..عضو في الواحة الدولية للفنون والآداب وفي فنانون بلا حدود مع الدكتور الفنان الرائع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد