صالة مطار


 

«غادرتني الروح على واقع قرع نبضات قلبى المتسارعة وإيقاعات نبضها الحزينة ، كراقصة افريقية ترقص رقصتها الاخيرة ، وما بين التنهيدات الموجعة ووداع الرفاق ، لا تلوي على شيء تمخر عباب الغربة ، كانت ممرات المطار الضبابية الطويلة شديدة البرودة ، تشبة ارصفة وطنى ، وكانت خطوات سلام وبلال وميشيال البطيئة والثقيلة تشبة مشهد جنائزى مهيب لوداع محارب اغتالة وطنة ، بينما كان صوت فيروز ، يمزق برد الممرات ، فيمطر دفئا ، فى هذة الاثناء دوى صوت ال”ميكروفون” كانفجار عصف باكبر ساحة لاكبر مدينة حزن عن وصول الطائرة ورقم الرحلة ، أخذت أقيس المكان طولاً وعرضاً ، كعصفور سجينا في قفصٍ ، وبينما كان قائد الطائرة شديد الصرامة والذى ترتسم على وجهه علامات الضيق والحيرة والاضطراب ، يمطرنى بوابل من الأسئلة ، مستنكرًا : كيف تركت روحك أيها اللاجئ القديم ، العالق بين ثنايا الغيوم البيضاء ، النامش لوجه السماء باستحياء وخجل ، كيف تترك وجة حبيبتك فى محطة سفر ، سؤال فجر في مكامن ذاتي وأعماق روحي الدفينة بركانًا يصب جم حممة من الاشتياق والغضب ، وينسج من حممة حكاية غربتي بمداد دموع الرفاق ، وآهات الاشتياق فوق الجسور الراحيل البعيدة ، وتحت ظلال اوجاعها اليانعة ، تقبع تفاصيل اغتراب روحى فى دروب جلجلة الالم الطويلة ، وحكايات الطّيور التي حطت عليها ، فقد كانت طيور بلا أجنحة تجتر احزانى ، تجرعت فى نخبى مرارة كل كؤوس الأوجاع المترعة على أرصفة ذكرياتى ، بحثت فى برهة من نفسى في ثنايا الذّاكرة فتدخلت الصور واقتربت ، وعجزت ذاكرتى عن ترتيب الأحداث ، وضاقت بى الأماكن ، كتمت أنفاسى وضاع صوتى ، حتى عجز حتى عن الصراخ ، فاستنشقت عبق عطرا مازال عالق في كفي هدهد من بعض أوجاعي المزدهرة ، ونبت عود فل وحيد يغنى عن بقية الحقل ، فلم اسمع إلا خفقة الورود البيضاء ، وفراشات تلاحق ظلي المبعثر فوق وجوة الرفاق ، فكتبت على ظهر أرصفة ذكرياتى ودروب غربتى ومرافئ منافى ، حكاية عشق لا تسعها المفردات ، أما عني فرحلت كعادتي ، تاركا روحي قابعةٌ في صالة مطار ، لا تلبثُ أن تصل وجهتها حتى تستقل وجهةً أخرى ، فرحيل الاشياء التي احبها بات واضحاً ، لذا يجب تسميتي صالة مطار بدلا من انسان لانني لا ارى سوى تلويح الايدي والوداع .. بيروت لاشيئ في هواك ، يستحق النسيان ، بيروت الحنين ثقيل».

لا تعليقات

اترك رد