عقبة انتشار السلبي

 

كيف يكونُ انتشارُ رؤيةٍ عقبةً بوجهِ التفكيرِ العلمي؟

التفكير العلمي أداةُ الأكثر وعياً وإدراكاً لتوظيف العقل العلمي ومنهجه ومنطقه، في معالجة ما يجابهنا من قضايا ومسائل.. ولكن، لا منجز التفكير العلمي بقادر على الحراك في فضائه بلا تجاوز للعقبات ولا آلياته بمتاحة الانتشار بين جموع البشرية في مرحلة بعينها، أقصد مرحلة تفشي او انتشار السلبي من الرؤى والأفكار.. إذ كثرما تتزايد بتلك المرحلة أو تتفاقم العقبات، لهذا السبب أو ذاك، من ذرائع تنمو في وجود إنساني كما تتكاثر وتنمو الأدغال في بيئة بعينها…
وباختلاف العقبات ومفرداتها، هناك ظاهرة تشكل عقبة ليست سهلة الأثر؛ فتقف عقبة بوجه التفكير العلمي سواء في إمكان توظيفه من الجمهور واستثماره أم في استقاء تأثير منجزه وتناقله.. تلكم هي ظاهرة انتشار رؤية (سلبية) بوسط مجتمعي بعينه.
والانتشار الذي نشير إليه هنا، هو: }الامتداد الأفقي لرأي (سلبي) ووصوله إلى الناس، بما يؤدي إلى زيادة سلطته بينهم وسطوته عليهم{، حتى يشيع قول: هل أنت أحكم من كل هؤلاء؟ وهل كلّ الناس على خطأ وأنت الصائب الوحيد؟ فيُحاصَر صاحب المنطق العلمي في لحظة كتلك؛ بما يشيع ويتفشى بين الجموع من السلبي من الرؤى وبما يثصنع من (رأي عام) بتوصيف بعينه! ويُقطع بذلك، الطريق على الرأي السديد وعلى التجربة الموضوعية بمنطقها العلمي..
إنّ حال (القوة) و (الحصانة) التي تمنحها ظاهرة اتساع انتشار الرأي أو ما يتمتع به الاعتقاد الجمعي برأي بعينه من حماية، تفرضُ سلطة قسرية قامعة لكل ما عدا ذاك المتفشي المنتشر من رؤى (سلبية)؛ تحديداً قمعُها ذياك الآخر الممثل بالتفكير العلمي..
وفي الحقيقةِ، فإنّ ما ينتشر من آراء، عادة ما يكون تلك الرؤى (الأسهل والأقل تكليفاً بجهد التفكير)؛ أي ما يصل جمهوره من دون متطلبات بذل جهد للتفكر والتدبر بشأن صوابه من خطئه، ومن دون تكاليف المراجعة وصرف وقت في النظر والتمعن..
وما ينتشر أيضاً، عادةً ما يكون رؤية تتبدى وكأنها هي الأنسب والأقرب تجاه الميول الانفعالية العاطفية وما يسود من مشاعر بعينها تتناغم بطابعها بين إسقاط تلك الرؤية للجمعي وللرمز (المصطنع) وإشكالية التفريغ الانفعالي بآلياته التي تركز على التنفيس المؤقت لاحتقانٍ أو توترٍ في المشهد الفردي والجمعي لوجودنا.
وفي أجواء بعينها، تكون الرغبات التي قد تقبل الوصف المختصر بـ(غير السوية) هي الرغبات الأوسع انتشاراً، الأمر الذي يمهد لأن تنتشر الرؤى (الخاطئة) بطريقة تؤدي على سبيل المثال لا الحصر إلى تفشِّي أو سريان الإشاعات وأخبار الفضائح أسرع من سريان نفيها وبراءة الشخص منها، أو انتقال الرؤية الأنجع والأكثر صواباً. ومثلها انتشار الخرافة ومنطقها، لتداخل أسباب قوتها وتوحّدها في النتائج المتحصلة بواقع يتسم بالتجهيل وإشاعة التخلف والاحباط والكسل..
لقد صيغ في أجواء سيادة رغبات (أولويةِ) إشباع الفردي من النزعات الاستهلاكية التي تتمكن من تفاصيل اليوم العادي للفرد، صيغ أو أُشيع خطاب الانشغال بالفضائح على حساب التوقف هنيهة للتمعن في إشكالية أو قضية تمس وجود الإنسان الفردي والجمعي…
فبين متابعة خبر (فضيحة) لشخصية مشهورة والتوقف عند أخبار الحراك السياسي والاقتصادي الذي يصنع وجودنا فعلياً، يتوقف (الأفراد) عند أخبار الفضيحة ويتابعونها بتفاصيل ما يردهم عبر مصادر الإعلام المتعددة ووسائل التواصل المختلفة.. فالأخيرة تشغلهم عن هموم لا يجدون أنهم (فردياً) معنيون بها! بالاستناد لفكرة لماذا أنشغل بتغيير الواقع أنا وليس غيري؟ ولماذا أتحمل مسؤولية الاصطدام بقوى منظمة كبرى وصاحبة سطوة وليس غيري؟ بمعنى الاستسهال القائم على إجابات تبريرية للأسئلة الذرائعية بزاوية نظر بعينها لوجود زوايا نظر أخرى تعالج الأسباب المركبة بشمولية أوسع وأعمق لسنا بصددها هنا…
إن استمراء الكسل ربما يطفو بسبب حجم السحق والمتاعب والأوصاب؛ مما يدفع لتبرير من قبيل: لماذا لا ينحو امرئ لمتعة لا تكلفه شيئا بعد عناءات يومه وضغوطه…
وهكذا فإنه، بهذا الفضاء تتفشى وتنتشر رؤى عبثية، هي رؤى المشاغلة السلبية أكثر منها أي معنى للإيجاب والفعل المؤمل فيه التغيير ومعالجة إشكالية أو أخرى في حياة المرء.
والقضية بشكل أخطر عندما يجري استغلال هذه الظاهرة لإفشاء (معتقدات) مصطنعة وإدخالها في (وعي) الناس على أنها (الدين) الذي آمن به الأسلاف و(القدسية) التي تلزمهم بواجبات وفرائض عليهم!
هنا يلزم التنبيه على حقيقة المصطنع من الاعتقادات، حيث يتم استغلال العاطفة والانفعال من جهة ومنطق الخضوع بلا مناقشة لـ(القدسية) والتلبية لمفردات تلك الطقوس من آليات (تفريغ) سلبية.. إذن، الاعتقادات تلك ليست في جوهرها وحقيقتها سوى (طقوس) مصطنعة لـ(المشاغلة) وإبعاد العقل الجمعي عن تشغيل العقل وتوظيف منهج علمي له.
بهذا الشأن يمتنع وجود (رأي عام إيجابي) مستنداً في ذلك إلى آليات تشغيل التفكير باستسلام للسلبي وغير المكلف بأي جهد من أي نمط. وغالباً ما يكون الأمر باتجاه ممارسة السلبي التفريغي للاحتقان والتوتر وللأحزان والأوصاب عبر تلك الطقوس.
أركز بهذه المعالجة على (الانتشار) واتساعه وتفشيه على خلفية ما جرت الإشارة إليه للتو. حيث يصير هذا الانتشار (قوةً) واتساعُهُ (ضغطاً) واتجاهاً معاكساً لفرص توظيف العقل العلمي.. وعادة ما يكون في مثل هذا الوسط المجتمعي، أنّ ((كل)) ما هو منتشر هو إشارة إلى السلامة. ولكن هل صحيح أنّ مفردة (كل) منتشر نعمي الصائب والصحيح!؟
في النحو العربي على سبيل المثال وفي كثير من الأمور والعلوم يُركن إلى (جمهور) العلماء في التخصص لكي يكون علامة للصحة والاحتكام إلى صواب أمر أو مسألة وحلها.. ولكن ما يمثل نهجاً منطقياً في إطار العلوم لا يمكنه أن يكون منطق الرأي العام الأنجع والأكثر صواباً…
ففي الحال الأولى الحديث عن (علماء) وعن تجاريب وعن الميل فيه نهجاً ومنطقاً إلى ما يخص تجاريب العلماء التي تمّ فحصها والتأكد منها، وأن (جمهور) العلماء يشير إلى حجم تكرار الجهد العلمي بشكل مضاعف ولا يعني موقفاً يأتي سبهللة في ضوء الكثرة بلا تمعن وبلا دراسات وبلا بحوث.. فيما القضية التي نشير إليها من جهة (الانتشار) ومن جهة الحديث عن (الاتساع والكلية) لا إلى ما يخص التجاريب العميقة وإنما ما يخص الرؤى التي تنتشر كانتشار النار في الهشيم مما جرى استسهال التعاطي معه وتلقيه سلبيا بلا مراجعة وفحص..
هذا الانتشار عبر التلقي السلبي وما يمنح من قوة بغطاء اتساع وجوده وحجم المؤمنين به، هو ما نؤكد الخلل البنيوي فيه كونه خللا يتحول بسلطة (الانتشار السلبي) إلى قوة معطلة وإلى عقبة للعراقة تقف حائط صد خطير بوجه اشتغال العقلي العلمي وعقبة بوجه التفكير العلمي ومنهجه ومنطقه…
في حواراتنا نستعجل أحيانا، ذكر الأمثلة بالاستناد إلى هذا الانتشار وكأن (كل) انتشار هو إيجابي الوجود. ولكننا يجب أن نكون على يقين من أنّ هذه الـ(كل) وما تتضمنه من (مطلق) الحكم هي سلبية في ذاك الحكم ومنطلقاته ونتائجه.. فلا مطلقات بوجودنا ومن الاستحالة للعقل العلمي أن يقبل بتلك المطلقات التي تستسهل الحكم في ضوء مفهوم الانتشار الذي أوضحناه في هذا السياق ومعالجته.
الانتشار الذي لا يتحدث عن تجاريب مدروسة بعمق ولا يستند إلى أحكام المنطق العقلي وفحوصه هو انتشار لرؤى سهلة غير مختبرة وهي رؤى تستند في الغالب للتناقل السلبي وكثرما تكون تلكم الرؤى معنية بقضايا تخص القيل و القال كما في الإشاعة والفضيحة والأمور الخبرية المرافقة وشؤون من قبيل الموضة والصرعات المتقلبة في المجتمعات الاستهلاكية وقضايا تخص ممارسات طقسية اعتقادية المنحى والغطاء حيث يتم تغليف الأمور بـ(الديني) لإسقاط قدسية (مزيفة)؛ وهنا لا نتحدث عن الأديان والمعتقدات بجوهر رسائلها التي انطلقت بها بل عما ينتجه (الساسة) ممن يمارسون أضاليلهم عبر الدجل وعبر التحالف مع الديني المزيف.. أي عبر المصطنع لإلهاء الجمهور ومشاغلته بالهامشي على حساب الرئيس في حياته ولتقديم بدائل وهمية في العالم الآخر دفعا له عن المطالبة بالبديل الذي يعالج أوضاعه في حياته، وهي طبعا بدائل لم ينزل بها من سلطان لا إله ولا دين.
إن انتشار تلكم الرؤى المصطنعة فوق كونه ليس صواباً بالضرورة تصير عقبة كأداء بوجه كل شكل للتفكير العلمي. وهي تحنط العقل عن التفكر وعن الاشتغال العلمي وتثير التكاسل أكثر والاستسلام والخنوع بطريقة مثيرة..
لاحظ قارئي، قارئتي كيف تظهر حشود من الأفراد بآلاف مؤلفة في مسيرات طقسية سوداوية حزينة تستدر العواطف والبكائيات بما لم ينص عليه نص مقدس بحق ولا منطق عقل حكيم حصيف..
إن أحداً وسط تلك الحشود لا يمكنه أن يبحث عن العقل ومنطقه وإلا تعرض لتهور الانفعال المحتدم وهكذا تكون العقبة جدية بخطورتها كونها تحيط العقول بجدران وتربط عجلة دورانها بقيود لا فكاك منها بخاصة في لحظات بعينها من ممارسة طقوس..
إن المرحلة التالية لمفهوم الانتشار ستعتمد على الغليان الجمعي وأثره في الدفع بقوة وسطوة وبعنف عاطفي شعوري أكثر احتداما بانفعاله إلى حد الهياج غير المبرر بمنطق حتى عند الفرد الذي قد يرتكب أمراً وسط تلك الجموع بينما عندما يختلي لنفسه سيجد أنه مارس بل ارتكب أمراً غير مبرر…
العقبة أمام منطق التفكير العلمي ليست قضية تعطيل العقل حسب بل أكثر من ذلك، دفعه إلى ممارسة أمور وارتكاب أفعال تتنافى وكل القيم الإنسانية السليمة وكل القيم الدينية الأعمق التي يعرفها الفرد وتعرفها الجماعة ولكنها تغيب وتختفي تحت هدير جموع مساقة بطريقة مستهجنة من العقل البشري ومن نصوص القيم السامية ونصوص الديانات بأصول وجودها ورسائلها..
وبالمحصلة فإنّ الانتشار السلبي لبعض الرؤى المرضية لا يمنحها الصواب ولكنه يمنحها سطوة العنف وقوةً تقف بوجه التفكير العلمي ومنهجه ما يتطلب معالجة مخصوصة لكشف وسائل الانتشار المرضية ونتائجها السلبية الخطيرة.

لا تعليقات

اترك رد