النفيسي والعلمانية بين الإسلام والمسيحية


 

قال المفكر الدكتور عبدالله النفيسي في تغريدة مدونة له على منصة تطبيق تويتر قبل أيام “لماذا العلماني العربي يتبرأ من الإسلام ولماذا العلماني الألماني لا يتبرأ من المسيحية؟ نورونا الله ينوركم”. ورغم أن هذا الإستفسار متداول بشكل كبير مؤخرا نظرا لما يمارسه بعض العلمانيون من نقد الي الإسلام، إلا أن من المستغرب أن يصدر مثل هذا التعجب من قامة مفكرة مثل الدكتور النفيسي في إطلاعه وقراءاته وتحولاته الفكرية والسياسية، فقد جرت العادة أن يناكفنا في مثل هذا الطرح المتعصبين والسذج والموتورين والساخطين والناقمين من تفوق العلمانية ومبادئها ليبدؤوا في طرح المغالطات المنطقية والإنتقاءات المزاجية لتعريض فلسفة العلمانية للخطأ ومحاولة تشويهها في عقول الناس بعد أن عجز وعيهم عن إدراكها أخلاقيا وحضاريا وإنسانيا. وفي إعتقادي أن النفيسي في هذه التغريدة إنما يرغب في جس النبض وقراءة رأي العامة لمعرفة مستوي الوعي الثقافي ورغبة الشعوب في العلمانية من عدمها.

أما “لماذا العلماني يتبرأ من الإسلام” .. فهذه الجملة تحمل جزما غير صحيح إطلاقا لاسباب عدة، أهمها أن العلمانية كمفهوم ومصطلح وتاريخ لا تتبرأ من الأديان، فمن يتبرأ منها هو الإلحاد الذي يرفض الإسلام كما يرفض بقية الأديان جملة وتفصيلا لأسباب تتعلق بمعنى ومفهوم الإلحاد كفكرة مناقضة للإيمان ومشتقاته.

فالعلمانية التى تشرع للإلحاد وتعتبر الملحدين مواطنين مثلهم مثل المؤمنين، هي في الواقع لا تشرع للإلحاد كعقيدة للدولة ولا تحاول ان تتحيز لهم أو تجعل من وجودهم أغلبية، ولا تنشر فكر الإلحاد في مؤسسات الدولة كما فعلت السلطات السوفيتية في عهد لينين وفي ألبانيا في عهد أنور خوجة ، بل هي تقف بالحياد في موضوع الإيمان وهو الشرط الذي يستطيع من خلاله كل انسان ان يتشارك في الوطن الواحد على قدم المساواة مع الآخرين مهما كانت معتقداتهم الدينية واللادينية. فمن الممكن أن يكون المواطن علمانيا وملحدا ولكن لن يكون ملحدا لانه علماني.

بينما العلمانية نشأت تاريخيا في العام 1851 على يد الكاتب الانجليزي جورج هوليوك إذ صرح “لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية، هي فقط مستقلة عنها، ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها” انتهى الإقتباس. فالعلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة لإدارة الدولة والحكم ومؤسسات المجتمع المدني ترفض وضع الدين أو سواه من الأفكار والمرجعيات السياسية الشمولية كمرجع رئيسي للحياة السياسية والحقوقية. فالإلتباس الظاهر الي السطح الثقافي والفكري والشعبي اليوم حول العلمانية ومفاهيمها إنما يعود الي عوامل متعددة منها ماهو ديني وماهو سياسي وماهو ثقافي، فرجال الدين والفقهاء من مصلحتهم أن تكون العلمانية مرادفة لكل معاني الإبتذال والعداء للدين، فلا يمكن أن تجد تاجرا يدافع عن بضاعة خصمه، وبالتالي تتحمل المؤسسات الدينية وخصوصا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية تقديم هذه الصورة السلبية عن العلمانية ومضامينها الإنسانية انطلاقا من منظور ديني “الله هو الحاكم المطلق” ولهذا لابد من هيئة تمثله وتعمل على الحفاظ على الحق الإلهي أو الحاكمية كما قدمها سيد قطب.

بينما يعود الجانب السياسي المشوه للعلمانية الي طبيعة الأنظمة العربية، فهي أنظمة وراثية قبلية دينية تحكم منذ نشوئها بمفاهيم التقاليد والريعية والحكم المطلق، ومن التأكيد أن مثل هذه الأنظمة تخاف وتخشى من أدوات العلمانية والمتمثلة في تداول السلطة وحقوق الإنسان والمساواة وغيرها من القيم الحضارية المتعارضة مع أنظمتنا الحالية. أما بالنسبة الي الإدعاء بأن بعض الدول العربية هي دول علمانية نوعا ما، فهذا أيضا يندرج ضمن سعي الحكام العرب لتزيين نظام حكمهم بمصطلحات ومؤسسات مدنية إرضاءا للغرب أو للتيارات العلمانية في مجتمعاتهم، بينما ما هو موجود بالواقع هو دول علمانية عسكرية أو شمولية استبدادية. وثانيا الي أي مدى يمكن للنماذج العلمانية الشكلية القائمة في بعض الدول العربية ان تتطور الي نماذج علمانية حقيقية مقترنة بتحول ديمقراطي وتداول للسلطة وإعطاء المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية، بل الي أي مدى قد تقبل هذه الأنظمة أن يحمل

الإسلام دورا رمزيا كما في بريطانيا بدلا من كونه حاليا مهيمنا وطاغيا بحسب احتياجات ومصالح الحكام ورجال الدين؟؟.. وهنا علينا أن نتذكر هنا ان الدولة العلمانية لا تتحدد بدين الدولة بمقدار ما تتحدد بطبيعة دور رجال الدين والمؤسسات الدينية في الدولة.

ولعب الجانب الثقافي في مجتمعاتنا العربية دورا لا يقل خطورة عن العامل الديني والسياسي. فمازالت النخب المثقفة في غالبيتها عاجزة عن تقديم رؤية واضحة او مشروع علماني يمكن المطالبة به أو النضال من أجله، فالجابري مثلا رفض العلمانية واعتبرها خصوصية سوسيولوجية غربية. بينما حسن حنفي وبرهان غليون اعتبروا غياب نظم وأطر الكنسية والكهنوت في العالم الإسلامي دليل على عدم حاجتنا للعلمانية. والجانب الآخر في إشكالية الثقافة العربية وخصوصا بمن يطالب بالعلمانية أو يدافع عنها هو خضوعهم للإرادة الشعبوية والكهنوتية الضاغطة وربما أيضا يتعلق بأصولية كامنة وتمسك عاطفي بالموروث الإسلامي وعدم استطاعة وخوف من مواجهة المقدس الديني نظرا لقوته وبطشه الشديدين في معاقبة وقتل كل من يتجرأ بنقد الإسلام والقرآن والنبي محمد بشكل مجرد عقلاني غير مقدس. كما أن الوعي العام العربي والإسلامي في غالبيته لا يزال مغسول الدماغ بسبب عقود طويلة من التعليم الديني المؤدلج الذي يصب في خانة تبخيس الآخر المختلف وكل ما ينتج عنه من حضارة وحداثة فكرية مقابل تعزيز الأنا المتضخمة بأفضل العصور وخير السلف وحتمية انتصار الإسلام وسيادته على العالم.

وإما الجزء الآخر من تغريدة الدكتور عبدالله النفيسي التى يقول فيها “ولماذا العلماني الألماني لا يتبرأ من المسيحية”.. فهذه لا أعتقد أن مفكرنا قد غاب عنه التاريخ المتعلق بالقرون الوسطى وبداية عصر الأنوار والحداثة الفكرية، فالمفكريين الغربيين آنذاك قد واجهوا الكنيسة بكل قوة وجرأة وحزم وعملوا على أنسنة المسيحية وتقليص منسوب العنف فيها ومراجعة النصوص المقدسة المسيحية عبر آليات الحفر الآركيولوجي والتفكير العقلاني حتى توصلوا الي ما هم عليه اليوم من

تواجد المسيحية بالكنائس دون أي سلطة سياسية واجتماعية لها على الشعوب الغربية. وأكاد أجزم هنا بأننا لو مارسنا ربع ما مارسه هؤلاء المفكرين (نيتشه، ديكارت، هيغل، جون لوك، فولتير، جان جاك روسو، وغيرهم) من نقد للدين الإسلامي لكان حالنا اليوم أفضل بكثير من وضعنا الحالي.

فالعلماني الألماني والفرنسي والأمريكي، قد انتهوا من مرحلة مواجهة أديانهم حتى انتصروا عليها وأنسنوها حضاريا وأخلاقيا. لذا من الخطأ المقارنة بين العلماني العربي والعلماني الألماني، لأننا نعيش حقبة العصور الوسطى أو ما قبل الحداثة بالنسبة لهم، حيث لا يزال الإسلام يشكل المسار المعقد في نظم وعينا وبنيتنا الذهنية والفكرية والسياسية والاجتماعية. فعندما تنتصر الثورة الفكرية عندنا، وعندما يتم البدء بشكل جدي وعلمي بنقد منظومة الإسلام والوحي، وعندما يتم الفصل تماما بين الإسلام والدولة العربية، حينها سوف تنتهي مثل تلك المقارنات، ولن يهتم أحد بنقد الإسلام أو التراث لانه سيصبح عاجزا من أن ينتج أي نوع من أنواع التطرف والعنف والكراهية والإقصاء. بل سيكون دينا مثل بقية الأديان يحظى بمكانة مقدسة وروحية ومجتمعية، وهنا سيلتفت الكل الي عمله الطبيعي وحياته المستقرة الآمنة .. فمن يحاول اليوم البدء في إصلاح الإسلام ووضعه على المسار الحضاري، قد تم قتله أو اضطر للعيش خارج وطنه أو لا يزال في السجون العربية والإسلامية.

إن التنوير هو خروج العقل من مرحلة القصور الي مرحلة الإدراك والرشد العقلي .. ولا يمكن أن يكون هناك نورا أكثر من هذا حتى نستطيع أن نساعد فيه الدكتور النفيسي لإنارة خطواته وقراءاته وعقله.

لا تعليقات

اترك رد