همس القصيدة.. الرّغبة الهاربة

 
الصدى-همس-القصيدة
لوحة للفنان ستار نعمة

الشّعر هو هو قيض العالم المتربّص بخلوة الشاعر، لحظة تجمع ما هو جوهري، أي ما لا يستطيع غيره أن يشكّله، لذلك قال الجاحظ،” إنّ المعاني مطروحة في الطريق”، بمعنى أنّ الذي يستطيع أن يخلق منها الإدهاش هو الشّاعر، وبالتّالي يصبح المتخفّي هو الأساس في الشّعر، على اعتبار تجاوز الشّعر لظاهر الأشياء بحكم طبيعته الباحثة عن المختلف والصّادم والمدهش، أمّا العادي فهو المَشاع الذي يعرفه كل النّاس. تبقى الضّرورة المَفهمية التي تحتّم المعرفة الشّعرية مُلحّة، فلا يمكن أن ينخلق الشّاعر من لا شيء رغم موهبته، فسؤال الكينونة والحياة والكون، تتجلّى فيه قدرة الشّاعر على ترتيب وإنتاج الصّورة الشّعرية المدمجة في سياق اللغة والمتخلّقة من الماوراء المخيالي، وعليه يكون الشّعر هو مادّة الرّوح بدون منازع، حين يستطيع أن يستفزّ العالم ويغريه بالهروب صوب دواخله المعتمة بإضاءات العفوي والمتحرّرة من بلادة الصّناعة. الشاعر حين يهرّب العالم إلى داخله، إنّما يبني شكلا للعالم الفنّي القابل للتحقّق عبر مخيال يتوسّم في القادم على الدّوام شكل الواقع الذي تظلّه بداهات الرّؤيا في القصيدة، وتلك هي نبوءات الشّعر حين يتربّع العقل الشعري عرش العالم.

لا ترتّل القصيدة شكلها البهائي إلاّ على حبال صوت اللغة، ذلك المعطى الجمالي الذي يتجاوز وظيفية التّواصل إلى منح إمكانية للعالم كي يأخذ صورة اللاّمرئي عبر تداعيات غنائية تمتلك اللذة والإغراء والمغامرة. اللغة جمال النّص، تبني سياقاتها المختلفة والمغايرة فقط لكي تستجيب لجنون النص، تفجّر جيناته كي تخلق من طينة العادي شكل اللاعادي، فالتشوّه بنية أصيلة حين يكشف عن تفجّرات المعنى ضمن سياقات لغة براكينية.

حينما نسلّم بشيء فذلك لأّنه قوي الحضور قوي الدّلالة، أما حينما نختلف فنحن نختلف في ما تتعدّد فيه الرّؤى، وما دام الشّعر معطى إنساني فبديهي أن نختلف في أسس تعاطيه، كما نختلف في أسس تلقّيه. والشّعر ليس وليد الظروف، وإلا سقط في فخّ القصيدة الجاهزة والمنتَجَة تحت الطلب، وهو ما يناقض عفوية الإنتاجية الشّعرية، من هنا تأتي أهمية الحديث حول عمود الشّعر، ويعجبني أدونيس حينما يرى بأنّ التّجديد في الشّعر العربي هو خروج على العمود وليس خروجا عن الشّعر، ولذلك نجد أبو نوّاس قد دعا إلى التمرّد على البداية الطّللية، وكذلك أبو تمّام الذي يمثل إتّجاها في الغموض والصّورة الشعرية غير المألوفة، وأبو العتاهية الذي حاول ابتكار أوزان شعرية جديدة، وأيضا مزدوجات بشار بن برد التي خرجت عن نظام القافية الشّعرية الواحدة، وبالتّالي لا يصبح الشكل عائقا في حدّ ذاته، لأنّه يستجيب حينها لضرورات المقول الذي لا ينكتب إلا وفق الشّكل الذي يمثل فنّيا وعاء المحمول الشّعري، ولهذا ما نفتأ نردّد أنّ القصيدة تكتبنا ولا نكتبها، لأنّها هي التي تحدّد شكل كتابتها، إنْ كتابة أو قصيدة نثرية أو عمودية أو نصا مفتوحا.
تنكتب القصيدة حينما يستفيق في عمق الشّاعر ملمح القصدية في قراءة الأشياء والعالم، وفي الحالة الشّعرية تخرج القصدية عن كونها الرّغبة المعرّفة بتحديد الوجهة نحو فعل معيّن، إلى العثور على الرّغبة الهاربة في عمق الذّات لتسريح المقولات المباغتة التي تكشف اختلاف حضور العالم والأشياء، وهو ما يفهم “عندما نضع العلاقة القصدية في سياق ظاهراتية دوفرين للخبرة الجمالية”.

تتجلى القصدية الشّعرية خلال عملية عثور مفاجئ لتفاهم غامض ينبني على التورّط، بين الذّات الشّاعرة والعالم لحظة انكشاف الحقائق الأخرى، التي تقول الوجودات في حضوراتها المميّزة بالتّواشج، بين الملمح الإنساني المغامر داخل أنساق البحث المرير عن لحظة التوهج، والإنسلاخ من معرفية تثبّت وضعنة الأشياء وفق معايير حدوثاتها، وبين رغبة شعرية ملحّة لترتيب العالم وفق رغبة القصيدة وحدها وتدرّجاتها على سلّم المعنى.

حينما نستدلّ ببداهتنا المحسوسة بالجمال على القصيدة التّائهة في وجدانات العالم، فنحن ملزمين حينها بتلقّيها وفق معطيات اللّحظة الغامضة التي قادتنا إليها، لهذا يصرّ بورخس على أنّ “الشّعر هو لقاء القارئ بالكتاب”، وحدهما، فريدين، دون شريك يفسد همسهما المفترض والمتبادل، دون وسيط يربك الإحساس الصّافي بالقصيدة، حيث متعة تلقيها دون تحيّز لهوامش تفسيرية أو أفكار ترفض أن تتفجّر القصيدة داخل كون المتلقي المتناهي إلى حافّة الاكتشاف والذّوبان في المعنى، ولهذا فهو ـ أي الشّعر ـ حياة برؤية محمد العباس، تلك الحياة التي لا تتمثل في حركة غدوّ ورواح باديين على مسرح الشوارع الإسفلتية وإشارات المرور التي تعيّن الاتجاهات، الحياة التي ينتجها الشّعر تشكل أشدّ برامج الانبثاق مباغتة، إنّها تخلق عند كل منعطف علاماتها الخاصّة، وإلا ما كانت القصدية اكتشافا متجدّدا للعالم، فالمتنبّي ما زال ينتج أزقّته البدوية المتاخمة لشوارع المدينة في تحدّ صارخ لإنتاج العالم الشّعري العابر للأفهام والذّوقيات والأزمان، ولهذا فـ “سبب خلود النص هو اقتراحه على القارئ معان متعدّدة في لحظات متجدّدة..”، فالقصيدة كون العلامات التي لا تنتهي، تستمد ديمومتها من جدول التّماهي عبر خرائط الإنسانية المتعدّدة في أشكال تلقّيها للعالم. الشّعرية النّبيهة هي تلك التي تكتشف مفاصل التعدّد في رؤية العالم لتقوله في لحظة فرادة القصيدة، ووحدانيتها المتعدّدة، وحدانية الشكل التي تحمل دلالة الأفق الإنساني في مأمول المبدأ المشترك، والمتعدّدة في دلالاتها المنخرطة في قراءة العالم.

لا تعليقات

اترك رد