استفتاء ، وماذا بعد ؟


 

انتهى الهرج والمرج حول استفتاء كردستان واصبح الامر حقيقة واقعة، ونجح البرزاني في ان يعود الى الواجهة كقائد قومي لشعب يعيش المتاهات منذ ما يقرب من قرن، وتمكن بخطوة واحدة ان يضرب اكثر من عصفور بحجر واحد، وعلينا ان لانبخس الرجل حكمته وخبرته وقدراته في التحكم وادارة الازمات امام فريق الحكومة الاتحادية الذي بدا ضعيفا وعديم الخبرة وفاسد، لقد تمكن من اشغال شعبه بقضية الاستقلال وابعادهم عن التفكير بتجاوزه على الدستور وبقائه في السلطة اكثر مما هو مسموح له، كما سيضمن ايضا انشغال شعبه بالنتائج المقبلة على تعدد احتمالاتها، مثلما سيضمن تمسكهم بقيادته باعتباره مهندس الاستفتاء ومن ثم الاستقلال، كما تمكن من اسكات صوت المعارضة الكردية بل جعلها تذعن لرغباته تحت حجة خيانة القضية القومية ، وايضا احرج السياسيين في بغداد وجعلهم يضربون اخماسا باسداس عن كيفية الخروج من مأزق اوله مذل واخره مخزي، خاصة بعدما سيطر على كركوك ومناطق كثيرة اخرى ليعطي لنفسه ارجحية فائقة امام الضغط الدولي والاقليمي والمحلي فيما اذا حصلت مفاوضات وتفاهمات كاحتمال وحيد بديلا عن الحرب للتراجع عن قضية الاستقلال او تاجيلها او جدولتها..

لقد احسن البرزاني التصرف كقائد قومي ذو طبيعة عشائرية اقطاعية، حين وسع نفوذه مثلما وسع خارطة كردستان مستغلا الظروف المتاحة امامه، والمراقب لهذا السلوك يرى ان هذا الهدف كان الدافع الاساسي لعودته الطوعية للعراق الفدرالي بعد عام 2003، اذ كما هو معلوم ان الكرد كانوا يتمتعون بحكم ذاتي وكيان مستقل دون اعتراف دولي منذ العام 1991، حتى انه وقيادات كردية اخرى كانت تتشدق بتكرمها وتفضلها على العراق بتلك العودة، دون ان يعطوا احدا فرصة للتفكير ان استقلالهم انذاك ماكان ليسمح لهم بالتمدد كما هو حاصل الان الى مساحات واسعة خارج الحدود الادارية لكردستان كما كانت عليه انذاك، كما لم يكن يسمح لهم بالحصول على مكاسب كثيرة شخصية وعامة..

ادرك البرزاني وبمساعدة مستشارين اغلبهم اميركان وصهاينة، يتقدمهم برنارد ليفي مهندس الربيع العربي وبيتر غالبرت الذي عمل مستشارا في الاقليم منذ الاحتلال وحصل على امتيازات نفطية بعد كتابته للدستور العراقي الذي منح الاكراد امتيازات غير متوقعة، ومؤلف كتاب نهاية العراق والذي يدعو دائما الى استقلال كردستان باعتبار ان وجود الاكراد ضمن العراق يشكل خطرا عليهم، ادرك ان فرصته التاريخية قد حانت لينقل القضية الكردية الى موقع اخر جديد يحقق حلم الكرد في انشاء كيانهم الخاص او في الحقيقة زرع هذه البذرة على الارض لكي تنمو مع الزمن، فالعالم الذي كان يتلقى اخبار الازمات بين بغداد والاقليم يرى انها خلافات سياسية تتعلق بالصلاحيات والسلطات، ولكنه من اليوم وصاعدا سينظر اليها على انها تطلعات شعب نحو الاستقلال سبق وان سوقت قضيته باعتباره شعبا تعرض للمآسي والابادة والظلم وغيرها، ويوما بعد اخر ومع الجهود الناجحة لاستمالة الراي العام سيتمكن من كسب التاييد وربما الاعتراف الذي سيكون نتيجة حتمية امام حالة فقدان الوعي والتاثير والارادة التي تتصف بها سياسة الحكومة الاتحادية..

حاليا، لايحظى موضوع الاستفتاء بذلك التاييد الدولي المرتقب، وهذه الحالة المؤقتة بدت مفرحة لبغداد التي اعتمدت كما يبدو على الموقف الاقليمي والدولي للتاثير على البرزاني ، لذلك سرعت من وتيرة اتصالاتها بايران وتركيا، فيما لم تتخذ خطوة ناجحة في الداخل للملمة القضية وانهاء تاثيراتها، ورغم انها لم تبادر لاجراء حاسم وقوي الا انها راحت تستند وتحتكم الى الدستور الذي لم يطبق منه شيئا مفصليا منذ عام 2003 وكما يبدو انه ايضا لم يحترم سابقا من كل الاطراف وبضمنهم البرزاني الذي يحتل رئاسة الاقليم دون سند قانوني منذ التمديد الذي انتهى في عام 2105..

البرلمان العراقي من جانبه ادى دورا مثيرا للشفقة والسخرية في نفس الوقت حين دعا الى احالة البرزاني وبعض القيادات المسؤولة عن الاستفتاء الى القضاء، رغم معرفتهم الاكيدة بان ذلك لم ولن يحصل، وحتى قرارات المحكمة الاتحادية تخضع في كل الاحوال للصفقات والمصالح السياسية وليست الدستورية والقانونية..

الاجراء الوحيد الذي يبدو انه سيكون فعالا هو فرض السيطرة الاتحادية على المطارات والمنافذ الحدودية، والمتوقع لهذه الخطوة الذكية ان تجد طريقها رغم المعارضة والنقمة الكردية الشعبية ازائها، الا انها فرصة اخرى للبرزاني كي يفرض ارادته وشروطه ويحقق الكثير من المكاسب، رغم تنازله واستعداده المتوقع للتفاوض والتفاهم وربما تاجيل النظر بالاستقلال،( هناك اشارات لقبوله مبادرة اياد علاوي) فهو يعلم اكثر من غيره ان فرصة الاستقلال لم تحن بعد ولكن ما اراد تحقيقه قد حصل، وهاهو سيجني من الان ثمرة خطوة اعتبرها البعض مغامرة الا انها في الحقيقة اشبه بحجر الاساس لبناية شاهقة ستكتمل ولو بعد حين..

البرزاني يعلم يقينا ان حكومة غير موحدة، ينخرها الفساد وغير قوية وخاضعة لتاثيرات متعددة، لايمكنها ادارة ازمة على طول الخط، وسيكون صوتها مرتبطا باصوات اخرين، فاذا ما رأت اميركا ان تقلل الضغط على البرزاني او غيرت تركيا من لهجتها وتصرفاتها فان بغداد ستخضع لتلك التغييرات لامحالة..

يدرك البرزاني ايضا ان الصدام العسكري مع بغداد امرا بعيد الاحتمال، وان حصل فانه سيكون محدودا وخارج الارادة الحكومية، ولكنه يامل بالطبع في ان تتخذ بغداد او بعض الميليشيات المنفلتة هذه الخطوة ليضع قضيته امام الامم المتحدة والعالم الذي تهيمن عليه اللوبيات المؤيدة له ويحقق الاستقلال والاعتراف باسرع الطرق الممكنة..

التحديات العراقية بعد الاستفتاء لن يحلها الدستور كما يرى ويحلم البعض، ولن يحلها القضاء، سيحلها الفاسدون انفسهم بتفاهمات جانبية لاعلاقة لها بالمصالح الوطنية، ولكنها في كل الاحوال ستؤدي الغرض الذي يرجوه البرزاني وهو تحقيق الحلم الكردي وان آجلا..

لقد وضع البرزاني بغداد وسياسييها امام ضغط وواقع اوله مر واخره مخزي كما ذكرنا سابقا..

2 تعليقات

  1. امر مؤسف لانه في الحقيقة يصب في صالح التجزئة والتشظي على حساب وحدة العراق والشعب العراقي دون ان يجني الاكراد مكاسب حقيقية على ارض الواقع

اترك رد