نمطية العلاقة المثالية والتخيلات الجامحة في : أنثى برائحة المطر

 

تعدّ الرواية نوعاً هاماً في تجسيد المجتمع بكل حيثياته ، اذ انها ترصد كل شاردة وواردة ،تدخل في سرديات حياتنا المكتظة بالهوس والجنون والهدوء دون استئذان ، تبصر في خبايانا المستترة ، لتبرزها ضمن تداعيات مجتمعية ، والروائي الناجح هو من يحوّلها الى منطقة جذب للقارئ ، كونها مشغلا وورشة للكشف عن كل الايجابيات والسلبيات التي تحدث ،والرومانسية هي احد انواع الرواية التي نجد فيها الحب والعشق المثالي ، والتي تبني علاقات اجتماعية بين الرجل والمرأة ، فتثير العواطف والهواجس والأخيلة ، وتشظيات الوجع والحزن والسعادة والفرح ..

( أنثى برائحة المطر ) (1) رواية لـ حيدر جواد المحمداوي (2) ، مثلت احداثاً حملت طابع العنونة بكل حرفية ، وهو يجسّ ذاكرة أنثاه التي كان لها الدور الفاعل في تنشيط وتناميالاحداث السردية ، هذه الانثى التي تركت رائحتها في زمن هكذا أراده القدر ، أن يؤسس لمنطقة تشابك ، تتوالد منه تفرعات لم تخضع إلا لفرضية الوقوع في شباك الغرام السردي ،بطل الرواية تمثلت بشخصية ( سجاد ) الذي يحمل وزرها في توثيق ما لاقاه من تناقضات حياتية ، فهو لم يحظ إلا بنزر قليل من السعادة بعدها تغيب تلك المناخات الضاجّة ، فالعشق يقع تحت منظور طبقي : الطبقة البرجوازية ( تمثلت بمحبوبته مرام ) والطبقة الفقيرة ( التي جسدها هو ) ، هذه العقدة المتشابكة ، والتي لم تنته إلا بفراق وانقطاع تامّ : ( ..، هي رواية تكتب بلا زمن مقيد الامل المفتقد منذ الولادة ازدواجية الشعور ، حين اتكلم معها تتوقف الازمنة لدى ضجيج ضحكاتها يسرقني من واقع مرير هي تعويذة الحب الذي تفوح منه اشتهاء ، .. ) ص 12 .
ما وقع بـ ( سجاد ) كان نسخة مطابقة لـصديقه ( سعيد ) وهي اشارة واضحة ان الاحداث حياتيا تتكرر باختلاف المسميات والأزمنة والأماكن ، لذا نراه ينوّه الى هذا : ( ، سعيد الذي جعلني اتوجس من القدر خشيت من ان يفعل بي ان يموت حبي او يحكم عليه بالإعدام رميا بالقوانين الوضعية او الاعراف ، ما فعله مع سعيد لم يكن سهلا على مسامعي عندما سمعت ما حدث . ) ص 16 .
وكأن الروائي ( المحمداوي ) يحاول ان يؤكد النسخ اليومي للأحداث الواقعة ، فالتسلسل الروائي منتظم ونمطي يسير بشكل تراتبي وحسب ذاكرة لم تحمل سوى مكابدات ايقظت ذلك الصمت ، ثم يسلط الروائي الضوء على ( سعيد ) ليمنح القارئ متعة تتبع هذه الشخصية ،التي اصبحت الشخصية المركبة ( سجاد ) صورة منعكسة لها ، ( سعيد ) يعيش في جوّ تسوده العلاقات السلمية بين المذاهب والطوائف على اختلاف مسمياتها ، شخصية ملتزمة دينياً يمارس طقوسه العبادية بانتظام ، يساعد والدته كونها مريضة وتعاني من الضغط والربو فهي غير قادرة على الاعمال المنزلية ، مع اخوته ( احمد ومشعل ) ، ملاحظة والده من تغيرات في وجه سعيد كانت مدعاة قلق لديه ، بسبب ما يتعرض له من ضغط نفسي وإحباط ازاء عدم لقائه بمحبوبته ، وإذا بها تحلّ مع اهلها ضيوفاً عليهم ، يتحايل ( سعيد ) : ( وهنا لمعت في ذهني فكرة جهنمية ، سأذهب الى والدتي وأقول لها بان جدي جاءني في المنام وكان يشتهي طبقا من ( الشيخ محشي ) فالأمهات يصدقن مطالب الاموات في الحلم . ) ص 29 .

كل ذا .. لجعل الفتاة ان تطبخ له ما يرغب بأن يأكل من يدي أنثى احبها ، هذه العلاقة استمرت لأربع سنوات ، علّ الامل يكون سقفاً لهما ، تتسارع الاحداث ، وبعد عزوف اخيه الاكبر احمد من الزواج ، تطرح عليه فكرة الزواج من والدته ، موافقة الفتاة وأمها مكتملة عدا الاب ، الذي نسف كل الاحلام ، حينما اخبرته أمه بـ :

( – نعم يا ولدي والدها لم يوافق اخبرنا انها ( محجوزة ) لابن عمها . ) ص 33 .هنا اشارة واضحة من لدن ( المحمداوي ) الى قيود وأغلال العادات والتقاليد الصارمة التي تعصف بكل معالم الجمال أحيانا لتحيله الى ركام ورماد ، فالمجتمعات التي تمارس مثل هذه الضغوط ، هي مجتمعات مغلقة لا تستطيع ان تنفلت من دوامة العُرف الاجتماعي /العشائري . تتطور الاحداث لنضع انفسنا امام ( العقدة ) الدرامية والمتمثلة ما وراء خيبة وهستيرية ( سعيد ) وعزمه على قتل ( ابن عمها ) :
( لم يتمكن من جمع حروفه بكلمة واحدة ، لم اكترث ولم اسمع ما قاله اطلقت عليه ستة اطلاقات استقرت ثلاثة منها في رأسه والأخريات توجهن الى قلبه فهوى من فوره وأخذته الدماء وتداخل صوت الاطلاقات مع صوت الاغنية ، … ) ص 36 .
ليفرّ هارباً لما اقترفت يداه ، بعدها يتوصل الطرفان الى الهدنة او ما يعرف بالعرف العشائري ( العطوة ) ، ليسلم ( سعيد ) نفسه الى القضاء ، ليحكم بـ ( خمسة عشر عاما ) ، قضى اربعا منها ، ثم يخرج بقرار ( العفو العام ) ، ليتفاجأ بزواج فتاته من رجل ثري كويتي الجنسية احد اصدقاء والدها ، لينتهي حلمه في دهاليز الظلمة .

ثم يبدأ الروائي بالولوج في سرد مكابدات ( سجاد ) وبما لاقاه من معاناة ، وعلى الرغم مما حملته هذه الرواية من حبّ وأحلام وتخيلات ، إلا ان الروائي اصرّ إلا أن يضع في ثناياها جملة من الامور التي فرضت عليه نفسها لاعتبارات واقعية :
• ( لا مكان لفكرة الاطمئنان والسلام فضجيج الموت يحوم على رؤوسنا جميعا .. ) ص 44. اذا / الموت والدمار والخراب مفردات يومية تطالعنا ، لأسباب طائفية أو قومية أو المولاة والتبعية ، ومظاهر التسلح ، والوصول الى قناعة اصابة الفكر العراقي بفايروس الدماء .
• اهتمام الروائي التعريف بمدارس الفن ، ولاسيما الفن التجريدي والتكعيبي ، وذكر بعض اشهر الفنانين التشكيلين امثال ( بابلو بيكاسو ) و ( ماليفتش ) و( نيتشه ) : (لم أكن رساما ولا فنانا تشكيليا لكنني اعجبت بهذا الفن ، وأصبح شغفي نتيجة لما سمعت وقرأت ورأيت لدى صديقي ميثاق … ) ص 49 .
• معاناة الانسان العراقي ، ولاسيما المتقاعدون الذي بات راتبهم التقاعدي لا يسدّاحتياجاتهم للظروف المعيشية وغلائها : ( … لتبدأ رحلة الثرثرة المملة من تلك السيدة الممتلئة الجسم بدأت السيدة بالحديث عن الرتب التقاعدي الذي لا يسد احتياجات عائلة صغيرة …. ) ص 62 .
• تغليب القوانين القبلية والعشائرية ومحاولة إلباسها المظهر الديني من قبل بعض النفعيين ، والتي حرمت الانسان من التعيش مع الاخرين بسلام .
• ميل الكاتب الى عرض مبادئ الشيوعية والتعريف بها ، من خلال لقائه مع فتاة جامعية تدعى ( حنان ) : ( .. ، التقيتها خارج الجامعة كانت تحمل بيدها كتاباً عنوناه ( المادية والمذهب النقدي التجريبي ) للمؤلف لينين ، لم امتلك أي معلومة على شخصية المؤلف حتى اني لا اعرف ماذا يحتوي هذا الكتاب لذا سألتها عن المؤلف والكتاب لتخبرني بان صاحب الكتاب رجل شيوعي ، … ) ص 148. لذا نجد حوارية دارت بينهما جسدت الذهاب الى : (
– هذا يعني انك شيوعية
– نعم – قالتها وعيناها مليئة بالفخر
– سمعت يا عزيزتي ذات يوم من شخص يكبرني يقول :
– أن الشيوعية مبدأهم الانسانية والتساوي لكن لا اعرف أ هو صادق بما يقول لا أعلم فأنا لم التق بشيوعي واحد في حياتي … ) ص 148 .
• الاعتزاز بالموروث والتراث ، لأنه اصلنا وحضارتنا وماضينا ومستقبلنا .
• التعايش السلمي مع المسيحيين ، كونهم مكون اساس في المجتمع العراقي ، على الرغم مما تعرضوا له من معاناة حقيقية على أرض الواقع ..
ما بين شخصية ( سجاد و سعيد ) وما يحملانه من رسالة انسانية تفيض عبقاً ، وهما يلطفان الحياة بأنفاس رومانسية ، على الرغم مما لاقاه من مجريات احداث ساخنة ،ذكريات ( سعيد ) كانت العصا التي توكّأ عليها ( سجاد ) ذكريات لم تترك إلاانطباعات الخيبة وانعدام الثقة والهرب من الواقع المأساوي الذي وقع فيه ، عزوفه ما هو إلا رفض للآخر ، الآخر الذي لم يحترم عواطفه وتقديسه للأنثى التي طالما احبها وكابد معها واخلص في نبضاته المتدفقة بالسحر والجمال وعذوبة حديثها ، كل هذا حاول الروائي ان يستعرض لنا الاحداث السردية ، ليجعل من ( سجاد ) تلك الروح الشفافة التي كانت مشروع تضحية ووفاء ، أحداث رواية ( أنثى برائحة المطر ) ، تسير في شقين :

الاول : علاقة رومانسية جادة وطدت بين ( سجاد ومرام ) انتهت بحبّ من طرف واحد ،ضمن تخيلات موضوعة من قبل السارد ، وحسب المسارات التي اعتمدها .

الثاني : علاقة رومانسية احادية الجانب من قبل الفتاة الجامعية ( حنان ) تجاه (سجاد ) وعزوفه عنها .. بسبب تأثيرات الحبّ الاول .

يسرد لنا سجاد عن عائلة ( مرام ) قائلاً : ( عائلة خال والدتي متكونة من الأب عاصم والأم حبيبة وثلاث بنات هن ( نادية ، ريم ، مرام ) نادية هي البنت الكبرى تزوجت من استاذ جامعي من محافظة المثنى ، أما ريم فهي طالبة في الثانوية ، ومرام طالبة في كلية القانون المرحلة الاولى هذا ما سمعته من والدتي . ) ص 49 .

شخصية ( ميثاق ) كان لها الاثر الكبير في تقريب العلاقة الحميمة بين ( سجاد ومرام ) ، لما له من قوة حضور سردي : ( …. فعلى الرغم من خوفي من لعبة القدر الاانه صنع لي لقاء مع ميثاق غيّر الكثير من تفاصيل حياتي ، كما لقائي بك . ) ص 49 .

هذه عائلة ( مرام ) عائلة باذخة الثراء ، هذا الانطباع الذي ترك لدى ( سجاد ) وهو يجلس على مائدة الطعام مقابلاً ( مرام ) : ( لم اعتد على مثل هكذا جلسة ولم ار مثل هذا المشهد سوى في الافلام ، بدأ الجميع بتناول الطبق الذ وضع امامه وبدأت بتناول طبقي ببطء مصحوباً باستحياء ،…. ) ص 55 .

التأثيرات النفسية كانت حاضرة المكان ، طغيان شعوري من جانب واحد ، مصحوباً بالتخيلات الجامحة ، والتي لم تنفك عنه ، لتبدأ الخسارات والخيبات في رهان غير مدروس : ( كم تمنيت ان تكوني حلما يكتظ بالرغبات ينتهي عند الصباح ويعود مع عتمة كل ليلة ، أ تدرين يا مرام تمنيت لو كنت فاقدا لحواسي …. ) ص 57 .

ثم يبدأ الشحن العاطفي يتصاعد لدى بطل الرواية عن طريق التسلل الى غرفة الحبيبة وهي نائمة قبل ان يرحل ، ليسرق من غرفتها الورد ، لما بين الحبيبة والورد من أواصر حسيّة مترابطة ، ليضفي على نفسه اصرارا متعمداً في مواصلته البوح والشكوى لشوقه : ( لكنني اردت ان نكون متكافئين أنت سرقتي قلبي وأنا اسرق الورد الذي هو طري كقلبك ، أتعرفين يا مرام لأول مرة أمارس السرقة لكن أي سرقة وأي سارق أنا .. جميل ان ينعتك الناس بسارق الورد شيء ممتع للغاية راقني ان القب هكذا ، .. ) ص 59 .

كان لصديقه السماوي ( ميثاق )الأثر الكبير في تحقيق حلمه الذي اثقل تفكيره ، وهو يخشى من أمر لا يحمد عقباه في حالة قدومه على المصارحة والبوح عما في داخله ،لكن لحظات التمرد على النفس حان وقتها بلا انذار مسبق ، مثل بيت ( ميثاق ) مرتكزاًلتفجير المشاعر والأحاسيس وتقريب وجهات النظر ، رغم التذبذب الموجود لدى ( سجاد ) تجاه تصرفات ( مرام ) : ( أنا الذي قلت ذات يوم بأني أعرفها جيدا صرت لا اعرفها جيدا فهي تتسم بازدواجية لا تفهم تارة اجدها مغرورة وتنظر للناس بفوقية واعتلاء وأخرى طيبة وذات وتواضع .. ) ص 89 .

لكن الفوقية والبرجوازية والتعالي التي تعاني منها ( مرام ) كثيراً ما كانت مرتكزاًللروائي ( المحمداوي ) وهو يؤكد على هذا الامر ، ليضعنا امام فشل في علاقة غير متكافئة ، بل كان( سجاد ) محطة استراحة بالنسبة لها ولحظة تسلية ليس إلا : ( -ياااه يا لكم من اغنياء تحصلون على سيارة فاخرة في أي وقت أما نحن الفقراء حلمنا ان نحصل على دراجة هوائية – قلتها في سري – ) ص 112 .

هيّأ لنا – الروائي – أيضاً نجاحات لـ ( ميثاق ) في المعرض الذي شارك به ، من خلال بيع لوحاته ، وعلاقته الهادئة والرصينة بـ ( مريم ) أخت ( مرام ) ، اللذين مثلا انسجاماً طبقيا متكافئاً .

في ظل هذه الدوامة من الاحداث السردية ، تنقلنا الى مأساة ( الاختطاف والتهجير والقتل ) يعاني منها العراقيين بمختلف طوائفهم ولاسيما المسيحيون ، من خلال خطف وقتل ( دانيال ) ابن الدكتور انطون عامر وهو فنان تشكيلي ، ليترك ارض الوطن مكرها ومرغما خوفا على عائلته من ان تتعرض مرة اخرى لمثل هذه الحالة لتكون السويد مستقراً له .

التصاعد الدرامي مستمر وبشكل تراتبي نمطي ومتوقع ان تحصل دعوة للفراق مثلت لـ ( سجاد ) حادثة وصدمة قوية ، لترتبط مع معاناة ( سعيد ) الذي كان محوراً أوّلياً : (لأنها أحدثت انقلابا كبيرا في حياتي ليتسيد الوجع على كلي ولأنهامطابقة لحادثة سعيد ذلك الذي تلاشى حضوره حين قدم كل شيء مقابل الحصول على سعادة لكن الوجع رأيا آخر ، أتراني اصبحت اشبه بسعيد بما قد جناه، …. ) ص 120 .

يضعنا الروائي ( حيدر المحمداوي ) في ( عقدة كبرى ) من خلال رفض ( مرام )اكمال مسيرتها العاطفية مع ( سجاد ) ، والتصريح برغبتها بالزواج من رجل قانون كونه من طبقة واحدة ، لينتهي هذا العشق بخيبة وفقدان أمل ، ثم حصول صديقه (ميثاق ) على عقد عمل في السويد ، وبذا / بدأت بوادر التأزم النفسي لدى بطل الرواية / السارد ، بعد هذه الخيبات المتلاحقة ، وسوء أوضاعه وظروفه العائلية المتردية ، والعودة الى ( البصرة ) لتتهيأ له مداخلة العمل في مكتبة داخل الجامعة بأجرة لا باس بها ،العمل في هذا الجوّ الجامعي والاختلاط المستمر ، كانت بادرة في التعرف على فتاة جامعية ( حنان ) التي حاولت ان تجذبه اليها ، لكن مخلفات الماضي وذكراه ، هما الأقوى والأكثر حضوراً لديه ، فلم يمنحها أيّة اشارة دالة على القبول والتبادل ، بل كان بعيداً كل البعد عنها ، مجرد تعارف ليس إلا ، بطل الرواية أصبح رهينها ، لذا بات يصرّح علنا : ( فصرت أتوسل بصانع شخصيتي في الرواية أن يغير مصيري وليجعل مرام مطابقة للحب معي ، فمادام الحبر والورق من ممتلكاته وتحت طوعه ، لكن حتى قدر الروائي يلاعبه بخداع فجعل قدره مصيري وقدري …. ) ص 169 .

لنجد أن هذه الرواية كانت يوميات ساخنة تركت اثرها على ارض الواقع ، لتنتهي بدراما حزينة ، اترك للقارئ الفاعل .. حظوة التشويق والمتابعة النهائية ، لأنه سيجد لذّة غير متوقعة ، وهو يسجل بصمته في رائحة رواية أخذت حيزها وأنت تقرأها فلا تشعر بالسأم أو الملل ، بل المشاهدات اليومية للبطل / السارد .. شكلت حافزاً كبيراً وبلمسات شفافة .

أما بالنسبة للهجة العامية فكان لها حضورها الكبير في جسد الرواية كونها دالة على مقامات شخصياته وما تمثله من فوارق طبقية ، لأنه يعتمد على التوصيل اليومي ، فمثلا ً : ( عيب ما عدنه بنات ينطن رأيهن ما عدنه بنات يطلعن لسفرات ) ص 25 ،و محاورة أم سعيد وابنها : ( – سعيد أكعد اجانه خطار / – يمه سعودي عدنه خطار / – أي يمه هسه بس خلي ابدل واغسل وجهي / – أي بسرعة سعودي يمه ) ص 26 . لذا / استطاع الروائي ان يتلافى ان يجعل هناك تفاوتاً بين اللغة الفصيحة واللهجة العامية ، بحيث نجد تماسكاً وترابطاً يستمر حتى الاحداث الأخيرة لروايته .

كما مال الروائي الى استخدام المفردات غير العربية رغبة منه ، وحسب متطلبات روايته ، مثلاً : ( أوكي ، ص 46 / بابلو بيكاسو ، ماليفتش ونيتشه ، ص 49 /فيكتورهوغو ، ص 55 / بارك هايين ، ص 60 / انطون ، ص 73 / …. الخ ) .

كما نجد صيغة الخطابية المتمثلة في الضمير ( الكاف ) ، وضمن مقاطع عدّة وردت في الرواية ، مثلاً : ( لم استطع ان اطردك من عقلي فكلي بك مرتبك ، عشقتك وتورطت بك ، …. ) ص 109 .

فلم يستخدم ضمير الغائب ( الهاء ) كونه يعيش لحظات عزلة وانفرادية ، وحيداً يغرق في عشقه وهو يناجي حبيبته ، فهو لم يكن غائباً بل مخاطباً ، حاضراً بكيانه وقلبه وأنفاسه ، في عزلته وحضوره كان متجسّداً معها .

تبقى رواية ( أنثى برائحة المطر ) تنتظر من يجسّ مكامنها ، للولوج في خبايا الأزمة العاطفية التي لم تزل توقد جذوتها الايام في انتظار علاقة مثالية خالية من منغصات ،رواية تأخذك الى عالم مملوءة بالمفارقات والتناقضات الحياتية .

…………………………….
(1) أنثى برائحة المطر : حيدر جواد المحمداوي ، .
(2) حيدر جواد المحمداوي : قاص وروائي تولد البصرة 1984 ، خريج دراسات بحرية .

شارك
المقال السابقنافذة ملجأ
المقال التالىتحولات

حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق – العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية – كلية الاداب – قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. شكراً جزيلاً أستاذ حامد عبد الحسين حميدي على هذا النقد الجميل والايجابي للرواية الأستاذ حيدر المحمداوي وبالفعل قرأت الرواية واحسست بالتشويق الكبير لمعرفة أحداث الرواية ومصير أبطالها وبالمناسبة ابكتني الرواية كثيراً وتأثرت بها وتمنيت لو تترجم رواية ( أنثى برائحة المطر) ألى عمل فني
    وأخيراً أتمنى التوفيق لكما ومزيدا من العطاء المتميز

اترك رد