نافذة ملجأ


 
(لوحة للفنانة هناء بكتاش)

الشمس تغشي السماء بصحيفة زرقاء، جدار داكن تسمرت عليه عقود تراكمت فوقها عهود، العناكب آمنة حين عششت على السقوف لم يمسسها سوء، صرير الباب يقطع وجومها وهو يسألها على حين غرة وهي مستلقية على حافة السرير – ما بك..!؟

– لا شيء سوى انني اعاني من صداع يرافقني كلما مررت بذاك الحي الذي يذكرني بطفولتي ومراهقتي وحرماني .. لا اطيق سماع نعيق هذا الغراب …

– بالله عليك افعل أي شىء دعه يهرب من هنا .

كان سريرها بجوار النافذة وتلك الشجرة الأم أطال الله عمرها ما زالت تزهو باغصانها واوراقها , وبظلها الوافر كنا نجلس ، نتهامس. نضحك، نتشاجر وكانت تستمع لجميع امنياتنا…كأم حنون تحتضننا ساعة غضب وفرح – وجدت وفاء نفسها أمام باب ملجأ الأيتام ذات يوم ولم يجتز عمرها سويعات..! حيث كانت تصرخ من جوع وبرد .. لفت بخرقة مزقها الفقر والعوز والزمن الذي لم يرحم والدتها التي أجبرت على تركها في هذا المكان الذي يئن بآهات عشرات الاطفال الذين ولدوا دون ان يسألهم احدا هل ترغبون بهذه الحياة …!؟ أولدوا نتيجة لحظة طيش اختارها اثنان ام لحظة اغتصاب ام رغبة لم تكن بالحسبان… ؟؟ هكذا جاءت وفاء الى هذه الدنيا … رحل والدها ولم يعلن زواجهما بعد خشية ان ترفض عائلته المحافظة تلك الفتاة الفقيرة … رحل عن هذه الدنيا يوم كانت والدتها لم تزل حبلى … حينها اختفت لشهور… طرقت ابوابا كثيرة لمساعدتها .. لم يمد لها احدٌ يد العون فاضطرت الى العمل كخادمة في احدى البيوت . تستيقظ صباحا مسرعة لتلحق الباص المؤدي الى البيت الذي تعمل فيه دون ان تتناول لقمة واحدة وتعود مساءً منهكة لا تقوى على المسير .. تفترش بعض ملابسها تحت شجرة تأكل بضع لقيمات من فضلات موائدهم … كانت حاملا في شهرها الثاني فاضطرت لترك العمل بعد ثلاثة شهور خشية ان يفتضح أمرها .. بدأت تكبر بطنها وضعفت قواها وبدأ جنينها يرفسها … اكيد كان يشعر بها وبمرارة الظروف التي ألت اليها … ماذا افعل الان….!؟ لا احد يعلم بانها حبلى وان من احبته وحملت منه قد توفي وإنها تنحدر من عائلة فقيرة تتمسك بعادات وتقاليد لا يمكن ان تحيد عنها .. عائلة لا تؤمن الا بغسل العار إن تجرأت احدى بناتهن على فاحشة… لكن هناك الكثير منهم يمارسون البغاء والفواحش سرا… في الاحياء الفقيرة … الفقر والحرمان و فضول لاكتشاف ما يقال عنه محرم حيث كَثُرت المحرمات …! الاهل يدفعون باولادهم دون قصد ! اغتصاب البنات وقتل بعد الاغتصاب … وأفواه مكتومة خوفا من كلام الناس حين ينفذ القاتل بجلده دون عقاب دون أن يتبع أثره أحد حفاظا على ماء الوجه وشرف العائلة .. وحدها الأم تكون من تعلم .. تحاول ان تتستر على مصيبة ابنتها فيتم تزويجها او قتلها سرا….هذا ما تعانيه فتيات الاحياء الفقيرة وحتى الارياف..مشكلة لم نجد لها حل… لم نسمع يوما بان احدا نال عقابه على فعلته… ترعرعت وفاء بذاك الملجأ الكئيب الذي جعل منها فتاة انطوائية في بداية حياتها منعزلة غالبا..

كانت تقف خلف النافذة تخاطب نفسها بكلمات لا يعرفها غيرها وتلك النافذة … تنظر الى تلك الحديقة التي تحتضن تلك الشجرة الأم متسائلة..؟ من أنا ومن اين اتيت..؟ ولِمَ انا هنا….؟! ومتى ساكون هناك…!؟ حيث يعشن الفتيات … خارج هذه الزنزانة …. كانت قد رأتهن أمامها دون مرافق يرتدين الملابس الجميلة والأحذية التي طالما تمنت ان تغير ملابسها التي أصبحت علامة فارقة لمعرفتهن اذا تاهت احداهن يوما…! حيث قررت إدارة الملجأ القيام بنزهة ذات يوم برفقة المديرة وثلة من موظفيه … كان يوما قاسيا عادت وفاء حينها تندب حظها وتبكي .. تنظر من خلال تلك النافذة الى السماء متضرعة لربها ان يمنحها السعادة ذات يوم.. هل هناك من ينتظرني خارج هذه الأسوار التي تجلدني صباح مساء…. ودارت الايام … كبرت تلك الوفاء وتفجرت مفاتن جسدها الأنيق .. كانت ممشوقة القوام طويلة وذاك الشعر المنسدل على نهدين نافرين وشفاهها المكتنزة وتلك العيون الحوراء كلما نظرت اليك …كأنها تعاتبك… او قد تعاتب الزمن بعيون الناس الذي رأتهم… لم تستسلم وعدت نفسها بان تكون…. تعلمت فن الخياطة والتطريز كانت ماهرة ومميزة بين اقرانها في الملجأ تطمح لتتعلم كل شىء بدأت بمطالعة ما وجد من كتب في تلك المكتبة البسيطة.. أصبحت اكثر لباقة من قبل خلعت ثوب الانطواء والخجل وارتدت ثوب الشجاعة والارادة …. لا بد هناك

شىء في داخلها تحرك حين خرجت في تلك النزهة ومشاهدتها لتلك الفتيات…كانت تخبر نافذتها لن ابقى هكذا… ساكون يوما…..! توجهت انظار ادارة الملجأ لتلك الفتاة التي كانت انطوائية يوما ما …

كيف اصبحت اليوم ..! وهي في الثامنة عشر من عمرها… توالت الايام والسنون وكبرت وفاء …

في صبيحة يوم خرجت برفقة احدى المربيات … وتوقف الزمن لحظة … لم تشعر بها وفاء إلا وهي تستنشق عبير الغد حين مر بجانبها رجل وسيم يحمل بيده حقيبة سوداء معتمرا قبعته وما ان نظر اليها … اومأ برأسه وكانه يقول لها مرحبا… آنستي رافعا قبعته ..فاضطربت .. واحمرت وجنتاها وابتسمت … تابعت سيرها باتجاه المكتبة التي قررت وباتفاق مع إدارة الملجأ ان تقتني بعض الكتب المهمة ومن ثم ذهبت لشراء لوازم الخياطة والتطريز… وكل مشى بطريقه..حيث الامل …. اااااه ما اجمل الحياة خارج القضبان التفتت وفاء الى الخلف لم تجده.. لكن تلك الملامح بقيت في ذاكرتها تتلفت يمينا وشمالا لم تجد.. ابتسمت ساخرة لعلني التقيه ثانية… بدأ كل شىء هادىء في اليوم الثاني … اصبحت وفاء ذات شأن تميزت بكبريائها وثقافتها ومهارتها وأناقتها المتفردة برغم بساطتها… بدأت بتعليم وتدريب من اصغر منها سنا وبدأ الجميع ينظر اليها بفرح غامر اضافت وفاء الكثير من التغير .. كسرت صمت اليُتم… جعلت من ضحكتها نغمة الصباح تحاول ان تساعد جميع الفتيات كانوا ينظروا اليها وكانها ملاك بعثه الرب اليهن … استمرت بمطالعة الكتب والخياطة وتنظيم جدوال عمل الفتيات مما خفف عنها التفكير والقلق كانت تستلقي على سريرها كانها جثة هامدة …قررت ان تكون هذه هي الارادة … تصنع المعجزات..

مرت الايام وبعد شهور ليست بالقليلة طلبت مديرة الملجأ استدعاء وفاء الى الادارة… طرقت وفاء الباب ، لم تكن تعلم ماذا هناك ينتظرها ..منهاج تعليم الفتيات او زيارة بعض المحلات لشراء بعض النواقص

… لكن ما رأته لم يكن بالحسبان يوما…….! دخلت الادارة .. رفعت رأسها واذا بها ترى ذاك الوسيم تسمرت في مكانها…. التفتت اليه – مرحبا….. – مرحبا بكِ.. ردت عليها مديرة الملجأ اهلا وفاء تفضلي أُعرفك … الاستاذ علاء مدير شركة المنسوجات القطنية ..

وقف ومد يده الدافئة لمصافحتها…. كانت يدها باردة ترتجف فرحا ، خوفا ، وبضع امنيات تمتمت شفتاها …. مرحبا

لم تكوني حاضرة حينها كنت مريضة والاستاذ يرغب بالتعاون معنا وتخيرك من ملجئنا لفطنتك التي تقفز على محياك..

لم تنبس ببنت شفة أومأت رأسها بالقبول… اذن سنوقع العقد مع الاستاذ علاء وتكوني انت المشرفة على الفتيات في قسم الملبوسات القطنية اي ستكوني مديرة لادارة القسم ..

– شكرا لثقتكم ساكون عند حسن ظنكم…. اسمحوا لي …

نهضت وفاء خرجت مسرعة مودعه اياهم .. وراحت تحدث نفسها: ماذا اصابني.. قطعت المسافة بين الادارة وورشة العمل وهي تخاطب نفسها ما هذه الصدفة العجيبة…!؟ هل هي تلك النافذة…!؟ يا وفاء هل هو القدر…؟! لاول مرة تشعر وكان قلبها سيقفز من بين اضلعها على غير عادتها… هل جننت يا وفاء .. من انت.. دعك من الاوهام… غادر الاستاذ علاء الملجأ وهي تنظر من النافذة اليه … لم ينتبه ابتسمت وقَبلت شباك النافذة …. ربما يا وفاء… وعشرات الاسئلة تجول بخاطرها بعد مرور اسبوعين على زيارته الاولى جاء الاستاذ علاء ثانية لزيارة الملجأ بناءً على طلب المديرة تبين فيما بعد بانه تم تصديق العقد بعد اضافة بعض الامور ووقع العقد بين الطرفين ووفق الشروط المتفق عليها….اصبحت تتوق لرؤيته كل يوم صارت مرتبكة ليس كعادتها عُرفت بقوة شخصيتها بعد ان تحصنت بالعلم والمعرفة من خلال مطالعتها للكثير من الكتب ولقاءاتها مع شركات اخر ومتابعتها لما يجري على الساحة ..

اعتبرت وفاء بان هذه الخطوة هي الاولى ولابد من الانطلاق منها لعالم اوسع تجد نفسها فيه…. وفي يوم ربيعي مشمس بينما كانت وفاء تنظر من تلك النافذة رأت علاء يدخل الى الملجأ دون موعد سابق مع الادارة..! وخفق ذاك القلب اللعين ثانية….. يا الهي ما الذي أتى به…! صباحا كنا في الشركة نتناقش بخصوص انتاج هذا الشهر.. ارتبكت قليلا واذا ببابها تطرق… تفضل…. بادرتها احدى الفتيات :عفوا المديرة ارسلت بطلبك ارجو ان تذهبي فورا…. زاد ارتباك وفاء وهي تسير باتجاه غرفة الادارة طرقت الباب …تفضلي مرحبا استاذ علاء جاء ليلقي التحية راغبا ان يكلمك على انفراد….. هل لدي مانع….!؟ – عفوا…..أبدا..تفضل استاذ خرجت معه الى حديقة الملجأ حيث تلك الشجرة الأم…. كانت واقفة تنظر اليه

باستغراب منتظره اياه ان يتفوه بما تتوق سماعه… عزيزتي وفاء احمرت وجنتاها..تلعثمت نعم . تفضل. اين تلك القوة وفاء تخاطب نفسها.. بعد ما رايتك أول مرة عندما كنت مع احداهن تتجولين وقعت عيني عليك …. انا معجب بك…… بالرغم من ارتباكها لكنها ما زالت تنظر الى عينيه لدي رغبة شديدة بان اتقدم لطلب يدك للزواج رايت فيك الانسانة التي اطمح أن أقضي بقية عمري معها… سادعك تفكرين…..يومين…. يومان فقط يا وفاء ابتسمت ولولا تلك الشجرة لسقطت ارضا من الفرح الذي لم يزرها يوما…. غادر المكان وبضع خطوات والتفت اليها يومان فقط يا وفاء سانتظرك…. فرحت وفاء فرحا شديدا كانت تبكي من الفرح….. آآآه تلك النافذة…؟! عادت وفاء الى الداخل مبتسمة والجميع بانتظارها….. لتخبرهم بطلب علاء… فرح كل من في الملجأ مهنئين اياها بهذا الحدث الجميل متمنين ان يعوضها ما فقدته من حنان من والدين لا تعرف من هما …. وهل هم على قيد الحياة….. وان يكون لها نعْم الزوج والصديق تزوجت وفاء وكان يوما حافلا لبست ثوب الزفاف الابيض التي كانت تحلم به يوما وهالها أن اهله علاء لم يعترضوا على زواجه ممن قضت حياتها في ملجأ …….!؟ اهل همهم الأعظم ان يكون أولادهم سعداء بما تخيروا ..

سؤال حير كاتبة السطور وقد يثير جدل المتلقي…….. بعد خمس سنوات تقاعدت مديرة الملجأ بسبب تدهور صحتها وتسلمت وفاء ادارته

واخيرا ابتسمت للزمن !!

لا تعليقات

اترك رد