حرب وطفولة معذبة

 

لقد أضحــى الشعب اليمني يترنح ما بين الحياة والموت وتطوقه الحرب وتخنقه أصابع الجهل وتسومه العتمة والفوضى وانحطاط الوعي الزائف المندغم بلعب كيدية وخطابات منبرية تصب الزيت على النار وتذكي المشاعر المذهبية والطائفية والقبلية وتشقق اللُحــــمة الوطنية .

لا مكان في الساحة الوطنية للثقافة والعلم والمعرفة والعقول المستنيرة ، أصــبح الفضاء العمومي ملعباً للغوغائيين والقتلة والجهلة والمشعوذين والنخب المريضة التي أدمنت الكــذب والفهلوة وجيشــت الغرائز العصبوية .

مستقبل اليمـــن قاتم وفي مهب الريح ، فالمشــــهد درامي ومترع بقتل الأطفال وتشريدهم وتجنيدهم ليكونوا وقوداً للحرب ، وفي عين الوقت يتم إغلاق المدارس وتنتشر الأمراض وســؤ التغــذية ، وتتهــدم المنشآت التربوية ويحرم المعلمون من رواتبهم الشهرية ، وعلى نفس الصعيد يتم بناء ســجون جديدة (208) ســجن جديد ، وتــهدر الأموال في تجييش المقاتلين وشراء الأسلحة وتقوية الترسانة الحربية ، وتجري على قدم وساق صرفيات باذخة على الأنصار والمتحمسين وشراء الذمم ، وإقامة الفعاليات والمهرجانات الاحتفالية الضخمة لدغدغة أحلام البسطاء وكســـر عنق الحقيقة وكأنه لا يوجد :

19 مليون جائع ، 7 ملايين شخص بدون عمل ، 3 ملايين معاق من معاقي الحرب وأكثر من 3 ملايين نازح .

فالحرب حصــدت أرواح البشــر، فمنــذُ اجتياح الحوثيين لصنعاء في 21/9/2014م ، قتل 11746 شــخصا ، وجرح أكثر من 48848 شخصا ، وتم تدمير 31000 منشــأة عامة وخاصة ، وفي نفس الأفق الكوليرا من جهتها قتلت 2000 مواطن وارتفع عــدد الإصابات بوباء الكوليرا إلى قرابة نصف مليون شخص .

أشــعر بغصــة ألم في حنجرتي عندما اقرأ الأرقام المؤلمة عن الطفولة المبسوطة في تقارير المنظمات الدولية والمحلية :

– 10 ملايين طفل بحاجة للمساعدة الإنسانية .

– 2,2 مليون طفل يعانون من سؤ التغــذية .

– 350 ألف طفل غير قادرين على مواصلة الدراسة .

– تسرب مليوني طفل من المدارس بسبب الحرب .

– صعوبة عودة 4,5 مليون طفل إلى الدراسة مع بداية العام الدراسي الحالي .

– 350 ألف معلم بدون رواتب .

الأرقام المبينة أعلاه تعطينا مؤشراً مؤلماً لمستقبل مظلم عنوانه الجهل والفقر والظلم والتشرر والضلالة العمياء ، فتدمير العلم والمؤسسات التربوية والثقافية هو تدمير لمستقبل الأمة .

فلا يمكن أن نتطور قيــد أنملة خارج نطاق العلم والمعرفة ، وتحطيم أي شعب من الشعوب يبــدأ من تدمير المدارس والمؤسسات العلمية والتربوية وتكريس الجهل والأوهام والتخلف وعــدم الاكتراث بالمعلمين والناشــئة ويكون العلم في أســفل قائمة المتطلبات الحياتية .

كيف يمكن لمعلم أن يعمل بجــد وإخلاص في المدرسة وهو لم يتقاضى راتبه منذ 11 شهراً ؟ !! المعلمون يقعون في قلب العملية التربوية والتعليمية ولابد من الاهتمام بهم وعدم تحقيرهم ، فهم يحملون على ظهورهم قصص بؤس وشقاء ويعيشون حياة مغموسة بالفاقة والجوع والعري .

الإصلاح الحقيقي يبــدأ من التربية والتعليم ، من التنشــئة الاجتماعية السليمة ، فالتعليم الجيــد يخلق مستقبلاً مشرقاً للشعوب ويشكل متراساً دفاعياً للهوية وللأمن القومي والضميــر الجمعــي .

((لا صــلاح لأمــة فســدت منابت أطفالها )) ” نيتشــه ” ، ففي المدرسة والمؤسسات التربوية والثقافية يتم تهذيب السلوك وغرس الأخلاق الحميدة وتغــذية العقول بالعلم والمعرفة للتخلص من العتمة والغرائز الذئبية والتطبع بالطباع الإنسانية السامية وبعادات وثقافة وتقاليد المجتمع الحسنة .

لقد أكــدت في غير مرة ، أن الطفولة في زماننا معــذبة ومنكسرة ، وهناك كثرة كاثرة من الصيصان المعذبة ( الأطفال ) ، بلا أمــن ولا أمل ، يفتقدون للأمن العاطفي والصحي والنفسي والمعرفي والمعيشي ، فلا ســقف يؤويهم ، ولا عاطفة تدفئهم ، ولا شربة ماء ترويهم ، ولا كسرة خبز تشبعهم ، يعيشون حياة بعيدة عن مشاعر الغبطة والسرور .

وفي غميس هذا الخراب والإحساس باليأس والضياع انبجست درجة عالية من الإحباط عند الأطفال والشباب وجعلتهم عرضة للأذى والضيق والتعاسة العظيمة وتربة خصبة لغرس بذور السؤ والانحرافات والنزعة التدميرية والإرهاب المتفاحش (( لقد جعلت أنظمتنا من التعليم والثقافة وسيلة لإعادة إنتاج الجهل والعبودية )) “محمد بنيس”.

فلابد من الإصلاح (( قال الجميع : الإصلاح مستحيل ، لكنني التفت إلى المعلمين ، وكانوا في بؤس وازدراء ومنحتهم أعلى الأجور ، وقلت لهم : أنا أبني لكم أجهزة الدولة ، وأنتم تبنون الإنسان )) ” لي كيوان يو ” .

1 تعليقك

  1. Avatar ياسين احمد خلف

    عزيزي دكتور سمير
    تحية اكم ولقلمكم تبدأ النهضة وتخطط برامجها من الطفولة ،كما تبدأ عملية التخلف من الحروب ،ويقاس التقدم من خلال الثقافة كما تبدأ رحلة الالف ميل من خطوة واحدة ،ارادة الشعوب تقهر الحروب ونتائجها
    لكم ولليمن واهلها الطيبين واساتذتها نعقد الامال من اجل بناء غد جميل لابنائها بسواعدهم وهممهم ،
    مودتي واعتزازي

اترك رد