فسحة معرفة ( 24 ) – العراقيون الأفارقة ( عراقو)


 

لم يتبقى من الحضارة السومرية في بلاد وادي الرافدين سوى اثار قليلة وبضع كلمات يتداولها اهل الجنوب منذ القدم ومازالو ، فكلمة شكو ماكو وچا وصريفة وطرگاعة وبوري الخ كل ما تبقى من هذه الحضارة ولعلني لا أبالغ حينما اقول ان السومريين لا يمتون لنا بصلة سوى بالأرض التي نعيش عليها ، فبناة تلك الحضارة العظيمة رحلت أجسادهم وأرواحهم ، عن العراق ، لكنهم لم ينقرضوا بل غادروا وطنهم بعد ان تعاوت عليه الذئاب. كما هو حال العراقيين اليوم الذين. تناثروا في ارض الله الواسعة فلم تخلو بقعة من عالمنا هذا إلا وفيها شيء من الشتات .
فلربما سننقرض يوما ما من العراق لكننا سنكون في ارض اخرى متمسكين بجذورنا التي نحُّن اليها وسنبقى متمسكين بمرقة السبزي والفسنجون والقيمة والدولمة وخبز عروگ وستستمر أجيالنا بتسمية الرز بالتمن ، ولربما يستدل من هذه الكلمات عنا و وعن الارض التي غادرناها يوما ما.
تماماً كما حال أهل عراقو السومريون العراقييون الذين يعيشون في تنزانيا والذي يبلغ تعداد هم قرابة النصف مليون شخص ، بتركيب اتهم الاجتماعية الأصلية ، فهم ينقسمون الى عشرين 200 عشيرة ،لكل عشيرة شيخ و سركال ، هؤلاء الذين يتمسكون بـ عراقيتهم وسومريتهم ويرفضون اي انتماء اخر، لازالو يحملون الحنين الى بلاد ما بين النهرين رغم تقادم الدهور وكرور الايام فهم يتوارثون تاريخهم وأساطيرهم وربما ديانتهم القديمة ، آلاف السنين مرت لكنهم يحفظون اسماء المدن التاريخية في العراق وأسماء الآلهة السومرية القديمة ، كما ورثوا طريقة الزراعة والري ، والآلات الموسيقية كالسنطور والربابة والدف وغيرها .

احتار المؤرخين و علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وما فتئوا يتساءلون عن هذه المجموعة البشرية التي تسكن تنزانيا الافريقية لكنهم لا يجدون أجوبة شافية لاسئلتهم :
كيف عرفوا كل هذا التاريخ وكيف تعرفوا على الحكمة السومرية والقصص والتاريخ، تلك العشائر الأكثر فقرا في تنزانيا وأكثرهم من الأميين يطلقون على العراق بلاد أور او بلاد الحكمة او كما يسموها بلاد الام ، ربما تكون الحسنة الوحيدة لديهم انهم لا يعرفون شيئا عن العراق اليوم بلاد الام الذي يعاني من الشتات والتناحر وتتقاذفه الأهواء والطائفية والنزاعات والتقسيم . ومن الجميل انهم احتفظوا بتلك الصورة الجميلة عن وطنهم ليومنا هذا ربما لا يريدون ان يسمعوا ما يخدش جمال بلاد الام ارض أجدادهم القدماء ، ربما لا يتحملوا رؤية النزيف المستمر ومنظر الضحايا ربما يؤلمهم ان يشاهدوا ارض الامبراطورية كما يسموها وهي تستغيث من كثرة السراق والفاسدين عديمي الشرف والوطنية .

لم يطالبوا بالعودة إلى موطنهم الأصلي في أهوار العراق. وفضلواالابتعاد عن تداعيات المحاصصات السياسية، فاحتفظوا بـ وطنيتهم الحقيقية ولم يفكروا بالرجوع ، ربما ستدنسهم العودة بـ قذارة الواقع المتهرئ ، لم يفكروا بـ ابتزاز وطنهم ، لكنهم ظلوا يتفاخرون بانتسابهم لحضارة وادي الرافدين، وظلوا يتغنون بسومر ويقسمون بآلهتها، فقد ترسخ في عقولهم الباطنة وفي جيناتهم الوراثية ان العراق مهد السلالات البشرية، ومنبع الأصول والأعراق. تحت كل حجر منه هناك الف حكاية وحكاية فكل ذرة تراب في أرضه لها زهوها وعنفوانها، وما مرور الأقوام الغابرة على ارضه سوى تعبير عن الثراء العرقي والديني والثقافي والاجتماعي ،يجمعها قاسم مشترك واحد هو الوطن والأرض والتراب ودجلة والفرات وحلم بحجم الدنيا وامتدادها.

لا تعليقات

اترك رد