أيام بغدادية عادية في أوروبا!


 
الصدى-ايام-بغدادية-عادية-في-اوروبا

عندما وقعت تفجيرات انفاق لندن في العام 2005 ذكر لي صديق، بأن احدى الصحف البريطانية، نشرت وعلى صفحتها الاولى في اليوم التالي، عنوانا بارزا للخبر الذي هز بريطانيا وشغل وسائل الاعلام في العالم، يقول « يوم بغدادي عادي في لندن »!! في اشارة الى ان التفجيرات في بغداد باتت حالة يومية، تعايش معها العراقيون. ومن باب السخرية والمفارقة التي ارادتها الصحيفة، كان هذا العنوان اللافت الذي اراد القول ايضا ان ما عاشته لندن من فزع تعيشه بغداد يوميا، وقد عمدت الصحيفة الى اسلوب الاثارة والتورية معا!.

قبل ايام انشغل العالم بتفجيرات بروكسل التي نفذها ارهابيون قيل انهم ينتمون الى داعش، وان أعلاما لهذا التنظيم الاجرامي وجدت في مكان الحادث، وقبل بروكسل حدث الامر نفسه في فرنسا، ولا احد يعلم اين ستكون (الغزوة) القادمة. الغريب في الامر ان بعض استخبارات الدول الاوروبية حذرت من وقوع هجمات ارهابية وتوقعت ذلك! وقد ترافق هذا مع تزايد الهجرة غير الشرعية من الدول الملتهبة في الشرق الى اوروبا، هربا من الجحيم الذي وقفت وراءه دول كبرى لها مشاريع ومصالح ومطامح معروفة في منطقتنا، تنفذها دول اخرى صغيرة في المنطقة، اخذت تسخر امكانياتها المادية في خدمة هذه المشاريع التي لم تخل من مبررات سياسية بالنسبة لها، لكن هذه المبررات تبقى على هامش المشروع الكبير الذي ينفذ في الشرق الاوسط، ويراد له ان يكون بداية لمعادلة سياسية جديدة قادمة، قاومتها، وما زالت، الدول التي احست بالخطر، وهكذا انحشرت شعوب المنطقة وسط هذا التدافع الدموي الرهيب لأجل غير معروف، او لحين انجلاء الغبرة بانتصار احد الطرفين.

لا اعتقد اننا ننساق وراء نظرية المؤامرة، حين نتساءل عن كيفية وصول هؤلاء المجرمين الى تلك الاهداف الحيوية والحساسة، بدءا من هجمات 11 ايلول في نيويورك مرورا بلندن وباريس وصولا الى بروكسل، لا سيما حين نتذكر ان التبشير بصدام الحضارات التي تحدث عنه المفكر الاميركي هنتنغتون، سيبدأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسيكون بين الاسلام والغرب، وان احتلال العراق جاء في هذا السياق الذي لم تنته حلقاته بعد، بل نحن في ابشعها واكثرها دموية ومنذ ان بدأ ما يسمى بالربيع العربي، الذي غدا ربيعا للاصولية التي خرجت من قمقم مخابراتي كبير لتخرب النسيج الاجتماعي للبلدان العربية ولتمزق خرائطها وكل شيء فيها، وان الصراع الدولي بين الكبار على جسدنا الممزق بلغ ذروته اليوم، وصار العالم يتحدث عن حرب باردة جديدة بين الروس وحلفهم الجديد من جهة وبين الاميركان ومن معهم من جهة اخرى، ستذهب بالعالم كله الى المجهول، وربما اخذ المتنافسون يتفاهمون فيما بينهم الآن، كي لا تفلت الامور من ايديهم، لكن في كل الاحوال نحن الضحايا، دولا وشعوبا في اختلافهم الذي اوكلوا مهمة تنفيذه لأدواتهم الارهابية في المنطقة او في اتفاقهم الذي سيكون هؤلاء الاغبياء خارجه، لأنهم مجرد ادوات استخدمت تكتيكيا لا اكثر.

هجمات بروكسل حلقة في سلسلة اعمال ارهابية يراد لها ان تكون في قلب اوروبا التي عليها ان تكون في المركب الاميركي، وان تدرك ان المواجهة التي تحدث عنها هنتنغتون باتت حقيقة ماثلة، أي بين الاسلام الذي يتم تقديمه اليوم الى العالم بالصورة القبيحة هذه، وبين الغرب المتحضر، وان على الشعوب هناك ان تعي هذه الحقيقة المصطنعة وتتفاعل معها.. فأوراق الشرق الاوسط يجب ترتيبها وفقا لرؤية الاميركان وحلفهم، واذا ما نجحوا في ذلك فسيصبح العالم كله خاضعا لهم.. لأن القرن الاميركي الذي تحدث عنه منظرو السياسة الاميركية يجب ان لا يسير على عكازتي سايكس وبيكو المتهرئتين، او هكذا صار يتحدث اكثر من مسؤول وسياسي في الشرق وبإيعاز من مرجعياته العليا طبعا.

وماذا بعد؟. نعتقد ان الهجمات الارهابية ستتكرر في اوروبا، لحين توحد الموقف الاوروبي مع الاميركي في رسم خارطة الشرق الاوسط الجديد، وان ما نسمعه في الاعلام عن ضرورة التصدي للارهاب يبقى للاعلام فقط، لأن اللعبة الكبيرة تستدعي (تضحيات) كبيرة، ولو في قلب اوروبا، مثلما كان يجب ان يحدث ذلك في قلب اميركا، لأن ما بعد 11 ايلول 2001 كان حصاده وفيرا لأميركا والصهيونية التي تلعب بقوة في الخفاء، اقصد تخريب وتدمير اكبر وأهم الدول العربية مع هيمنة شبه مطلقة لأميركا على المنطقة، وإن بدأ الدب الروسي يتململ، ومعه المتضررون المحتملون في المنطقة التي ما زالت تتحسس مسيرها الى الخلاص وسط ضباب اسود وفوضى سياسية، للاسف الشديد.

شارك
المقال السابقالارهاب يغزو ملاعبنا الكروية
المقال التالىمطـر
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد