تركيا ، ايران ، السعودية .. ودورها في مصائر المنطقة !! ج ٣


 

ايران :

اولاً :- الاصول التاريخية والأيديولوجية للدولة الايرانية المعاصرة :

ايران الحالية تكونت لاول مرة بشكلها الجغرافي الحالي منذ منتصف العشرينات في القرن العشرين عندم ضمت اليها اخر الأقاليم التي تكونها وهو اقليم الأحواز العربي . ايران الحالية هي تركيب معقد من أساطير تاريخ قديم ظل حياً في عقول نخبتها المتعلمة على مر العصور ثم تشكلت مع عناصر اخرى لتشكل التشيع الصفوي الحالي الذي هو مزيج من عناصر كانت ثمرة الفراغ الروحي والهزّة العظيمة التي ضربت العالم الاسلامي جراء اجتياح المغول لقلب العالم الاسلامي بغداد ودولة الخلافة الاسلامية ومعظم أجزائها الشرقية . ولد ذلك فراغاً وقلقاً في كل زاوية من زوايا الحياة في الالم الاسلامي .

لقد قاد بدأ انحلال الادارة المركزية للإمبراطورية العباسية ، ألذي جاء ثمرةً لعوامل عديدة منها تراجع موارد ثروة الارض تحت تأثير الملوحة ، الى توترات عديدة ونكوصاً ملحوظاً عن روح ” التمدن ” وأجج الصراعات بين البدو وأهل المدن في مختلف أنحاء الامبراطورية جراء ضعف مؤسسة الخلافة ؛ شهدت هذه الفترة ولادة مراكز سلطة تزعم الخلافة لنفسها في أنحاء عديدة من العالم الاسلامي دخلت في صراعات مستمرة ؛ من أشكال ذلك الصراع بين القبائل البدوية الطورانية وأهل المدن من الايرانيين ( الفرس في غالبيتهم ) . أسفر الصراع عن سيطرة البدو السلاجقة الأتراك في القرن الحادي عشر على اغلب مانعرفه اليوم بايران والأناضول ، وكما كان الامر في العهود الامبراطورية اتخذ متعلموا فارس ، ورثة الپيروقراطية الفارسية القديمة ، مكانتهم كوزراء ورؤساء للإدارة في العهد الجديد . شهدت الفترة ايضاً تبوأ واحد من اعظم الأسماء في التاريخ الاسلامي للفرس وهو الوزير نظام الملك منصب وزير السلطان السلجوقي مالك شاه وقد ترك الاول أثراً ادبياً رائعاً في أساليب الحكم والإدارة تحت عنوان ” سياستنامة ” وهو مستقى من تاريخ الفرس القديم والعصور الاسلامية المهيبة . كان السلاجقة قد اتجهوا الى التمدن الفارسي تحت تأثير الادارة الحكيمة لپيروقراطيتهم الكفوءة الا ان غزوات البدو – المغول قد تكررت .

انتهت اخر غزواتهم باسقاط الخلافة واحتلال بغداد عام ١٢٥٨ ، وتكررت ذات القصة مع هولاكو مؤسس السلالة الألخانية الذي اتخذ من الپيروقراطي المنجم الفارسي نصير الدين الروسي وزيراً له وانتهى الامر بالسلالة الى تيمور لنغ الذي حول اقتصاد دولته الى اقتصاد البداوة تاركاً بغداد والعراق تحت رحمة مردود الارض المائل للتضاؤل . كانت عاصمة الخلافة ذات هيبة دينية كبرى لكنها لم تستعد هيبتها السياسية بعد زوال ثروة ايرادات الارض وانهيار منظومات الري وغياب السلطان القوي . تولى ادارتها عطاء ملك الجوّيني وهو شاعر وعالم من پيروقراطيا فارس . تركها حكام المغول ليستقروا في شمال ايران والأنحاء الشمالية الشرقية والغربية المتاخمة وجعلوا سمرقند مركز حكمهم . كانت هذه الفترة ي التي اختمرت فيها فكرة احياء امبراطورية فارس ولكن على أيدي هؤلاء البدو ذوي الأصول التركية وماتركته أفكار أعضاء الادارة الفرس من كبار متعلمي ذلك العصر عليهم . لقد اصبح كتاب ” شاهنامة ” الذي كتبه شاعر فارس الكبير الفردوسي في القرن الحادي عشر كتاب البلاط المفضل .

شكلت المدارس الفقهية الاسلامية التي ولد قسم منها في ايران اهم الأسس التي بني حولها الاجتهاد السني الذي كان يسود في البلاد ، اما التشيع فقد دخلها متأخراً وكانت اولى حركات التشيع فيها هي حركة الإسماعيلية النزارية في شمالي ايران على العهد السلجوقي والتي تعرف تاريخياً باسم حركة الحشاشين بزعامة حسن الصبّاح التي تم استئصالها على يد المغول بعد ان عاثت في الارض فساداً . لكن اجواء الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نجم عن غزوات المغول المتكررة والدمار الذي الحقته بالبنية الحضرية وفرت اجواء مناسبة لاي اعتقاد او تفسير للدين يحمل في طياته مفاهيم الاحتجاج والمظلومية والخلاص ؛ كان المذهب الشيعي جاهزاً لتوفير هذه الحاجة . يضاف لذلك عوامل تاريخية تتصل بطبيعة المعتقدات الفارسية – الزرادشتية الموروثة التي ظلت تقاوم انتشار العقيدة الاسلامية الغازية لوقت طويل على المستوى الشعبي في الأقاليم الايرانية ومنها تلك العقائد المتعلقة بالمخلص في اخر الزمان . في هذا الاطار فان اكثر أشكال التشيع شعبيةً كانت العقيدة الاثني عشرية التي تقوم على مبدأ غيبة الامام الأخير وعودته . لكن مبدأ الغيبة يعني ان الامام غائب ولكنه حاضر في ذات الوقت ، ومن اجل عقلنة ذلك كان يتعين على فقهاء المذهب تقديم تفسير مقنع للناس حول كيفية تحقيق التواصل معه عبر منهجه ، لذلك اقتضى الامر قطع الطريق على اي زعم يقوم به اي مدعٍ بالإمامة من جهة وتطوير تراتبية معرفية ذات نظام صارم يقنن ويحرس عملية الدخول الى هذا العالم من المعرفة الغيبية . لقد تولى مهمة التنظير لهذه المعرفة ومناهجها نخبة من العلماء قاموا بوضع ضوابط المنهج المعرفي وقيود الولوج اليه ومعايير التأهيل لذلك . لذلك يلاحظ على منهج التفكير الشيعي الذي نشأ ابتداءاً من هذه النقطة منهجية عقلانية صارمة متزاوجة مع الخرافي الخفي الذي لايخضع لقياسات المنطق . اصبحت هذه عقيدة الصفوة من الپيروقراطيا الايرانية التي هي ذاتها ما يمكن توصيفه بانها النخبة المتعلمة .

في أواخر القرن الرابع عشر هيمنت احدى الطرق الصوفية التركية التي عرفت باسم ” الصفوية ” على شمال غربي ايران ، وبعد تولي عباس الصفوي وهو في الثانية عشر من عمره زعامة الطريقة تمكن من الهيمنة على معظم اجزاء ايران وشكلت القبائل التركية القادمة من مناطق الشمال الغربي والتي عرفت باسم ” قزل باش ” قلب قوته العسكرية . وفقاً للمؤرخ الايراني الپروفيسور علي انصاري ، كان اسماعيل يمثل بالنسبة لاتباعه كائناً ذي صفات ألوهية ، خاصة وانه كان ينتسب الى أئمة الشيعة كما يُزعم . لقد بدأت الطريقة الصفوية سنيةً ثم تشيعت بعد التحالف مع قبائل القزل باش الشيعية . يصف الپروفيسور انصاري تشيع الصفويين بانه أرثوذوكسي ، هرطقي وأنهم من المؤمنين بالعقيدة الألفية وهي عقيدة من تاثيرات اليهودية والمسيحية ؛ هذه العناصر كما ترى الپروفيسورة نيكي كدّي انها مع عناصر اخرى هندوسية وصوفية حروفية قد شكلت المعتقد الصفوي الذي حُمّل اسم الشيعة الأمامية الاثني عشرية . لقد كان الانتقال سهلاً من أرثوذوكسية صوفية سنيّة الى نظيرتها الشيعية ؛ لكن هذا الاغراق في الغيبية شكل عامل جذب في ظل ظروف الفراغ الروحي والسياسي التي خلفتها غزوات المغول وانهيار الكيان الاسلامي الموحد وسقوط بغداد تحت سنابك غزو البرابرة المغول .

تمكن الشاه اسماعيل من قيادة اتباعه وأثمرت جهوده عن تأسيس امبراطورية مترامية ، ولولا هزيمته الكبيرة المبكرة امام جيوش العثمانيين في معركة چالديران عام ١٥١٤ لكانت إمبراطوريته قد ضمت معظم أنحاء العالم الاسلامي المشرقي من سواحل المتوسط حتى حدود الهند ولكانت قد ضمت الأناضول اليها ، لكن هذه الهزيمة الثقيلة والمبكرة قلصت مساحة الامبراطورية الى مايقرب من ايران الحالية . من اولى واهم النتائج التي فرضتها هذه الهزيمة هو تحول الموقف الجيوستراتيجي لايران الى الدفاع عن الكيان ، وستترك عقدة راسخة في العقل الستراتيجي الايراني حتى مجيء الشاه عباس الكبير عام ١٥٨٧ الذي عمل بشكل حاذق قل نظيره على مأسسة الادارة الحكومية وحول القوات العشائرية الى قوات عسكرية نظامية تتلقى رواتبها من الدولة التي امنت لنفسها موارد ضريبية وگمرگية ، كما شهدت ايران نهضة عمرانية وثقافية جسدت شخصيتها من خلال طراز فريد من العمارة والفنون والزخرفة وانتقلت البلاد الى حالة الهجوم مجدداً وتمكنت من احكام هيمنتها على بلاد الرافدين اضافة لايران وسيبقى العراق منذ ذلك الحين عنواناً رئيسياً في الستراتيجية الايرانية باعتباره ارض الثروة الروحية للشيعة بعد ان كان ارض الثروة المادية ايام فارس القديمة قبل الاسلام وفقاً للپروفيسور غيرشمان احد اهم دارسي تاريخ ايران القديم . لكن النجاح الأكبر الذي تمكن الشاه عباس من انجازه والذي سيكون عاملاً اساسياً في حياة ايران المعاصرة هو قدرته على صهر الطورانية التركية بالفارسية وقد كان المذهب وأدبياته احد الأدوات الاساسية في ذلك ؛ فضلاً عن الوحدة المذهبية للعرقيتين الأساسيتين فان المؤسسة الدينية الناشئة ومنتجاتها فتحت أبواب لغتيهما على بعضهما ، وقد كتبت منتجاتها باللغة العربية او الفارسية وتم استكمال نواقصها واحتياجاتها من اللغة التركية . كما اصبحت اللغة التركية لغة البلاط فيما ظلت الفارسية لغةً للإدارة ، واستقر تنظيم المؤسسة الدينية التي أنيطت بها مهمة تحويل البلاد الى التشيع وتأسيس ماصار يعرف فيما بعد بالحوزة . كان موت الشاه عباس الكبير إيذاناً بالعودة الى الانكماش والتحول الى الدفاع حيث لم يستطع اي ممن خلفه ملء الفراغ الذي خلفه .

ثانيا :- جذور الستراتيجية الايرانية المعاصرة :-

لقد اصبحت المهمة الرئيسية لاية قيادة إيرانية منذ ذلك الحين المحافظة على سلامة الكيان وتماسكه في وجه القوى الدولية والإقليمية ذات الاتجاه المذهبي المناقض او الاطماع الاقليمية وهي قوى اكثر قوة واوفر موارداً ، وهي في الفترة التي نتكلم عنها : تركيا العثمانية ، روسيا القيصرية والقوى الغربية الاستعمارية وخاصة الامبراطورية البريطانية . لقد استخدمت ايران ثلاثة عناصر في ترسيم ستراتيجيتها وهي : الجغرافيا ومواردها الوطنية والدبلوماسية .

ان الطبيعة الجبلية واتساع الرقعة الجغرافية جعل التوغل داخلها من قبل قوة عسكرية اجنبية امراً في غاية الخطورة ، كما امتلكت ايران ووظفت ماتيسر لها من موارد مادية وبشرية وعقائدية لبناء قوة قادرة على خوض معارك طويلة الامد تمزج بين مفهوم الحرب الستراتيجية ومفهوم المعركة التكتيكية ؛ لقد وظفت ذلك في أطار ستراتيجية عليا Grand Strategy مركبة معقدة تمزج الدفاع بالهجوم وتهدف لإظهار القوة والقدرة على بسط النفوذ كجزء من ستراتيجية الردع . تتضمن هذه الستراتيجية استخداماً محدوداً حذراً للقوة العسكرية الايرانية خارج الحدود ، بالتحرك من وراء درع الجغرافيا ، عند الضرورة وفي إطار مفهومها الخاص للدفاع ؛ تكمل هذه العناصر دبلوماسية ذكية محترفة هي سلالة الپيروقراطيا الفارسية التي استمرت على الحياة رغم نهاية الامبراطورية على يد الفاتحين العرب ومثلتها طبقة المتعلمين الفرس الذين كادوا ان يحتكروا مناصب الوزارة والإدارة طوال العصور الاسلامية حتى قيام الدولة الصفوية . من بين الأدوات الرئيسية لهذه الدبلوماسية زرع واستثمار الخصومات في صفوف منافسيها وخصومها . في هذا الاطار العام نلاحظ ان من بين أولويات ايران العليا هو بناء قوة عسكرية وإدامة حالة التوتر في محيطها واستثمار نفوذ مؤسساتها الدينية رغم عدم التوافق الذي طبع العلاقة بين مؤسسة الحكم والحوزة ، الا ان التوافق مستمر بشأن قضية تعزيز مركز ايران المذهبي الذي يلبي اهتمام القوميين والمتدينين على حد سواء . لم تتغير الستراتيجية العليا رغم تغير الأنظمة السياسية الحاكمة عدة مرات : الاحتماء بالدرع الجغرافي للدفاع المباشر عن الكيان ، بناء قوة عسكرية ” هجومية الطابع – دفاعية الهدف ” لتعزيز النفوذ والردع واستخدام الدبلوماسية في عمليات مناورة لاتخلو من روح نفعية خالصة تحت ذريعة الغاية تبرر الوسيلة .

تعتبر ايران نفسها في حالة حرب دائمة واشتباكها العسكري الدائم ، المباشر او بالنيابة ، هي معارك في إطار هذه الحرب ، اما الدبلوماسية فهي جزء ملحق مكمل من أدوات هذه الحرب وليس البديل عنها كما هو المألوف في تبادل الاداء الوظيفي بين الحرب والدبلوماسية في الدول الطبيعية ، وان مساعي ايران لبناء قوة اقليمية متفوقة على قدر كبير من العدوانية هي في جوهرها ستراتيجية دفاعية .

كان الشاه محمد رضا يعتبر مشاريع توسيع نفوذ ايران في الخليج العربي او في منطقة المحيط الهندي نوعاً من الدفاع الإيجابي عن كيان ايران ذاتها ، ولنا ان نتذكر مايردده بعض افراد النخبة الحاكمة حالياً بشأن الاشتباك في سوريا باعتباره دفاعاً محضاً عن كيان ايران ذاتها ايضاً . لذا ليس غريباً ان يسود هذا النمط من العقيدة الستراتيجية المعقدة خطاب ايران السياسي ويختلط فيه الهجومي بالدفاعي بشكل مترادف يصعب على المراقب فهمه احيانا ، ولكن الخط الثابت والدائم فيه هو نَفَسُ التعبئة والشعور بالتهديد .

لم تثق ايران مطلقاً بالبيئة المحيطة او القوى الكبرى واعتبرت نفسها موضع تهديد دائم خاصة بعد تجربة الهزائم المتكررة منذ معركة چالديران عام ١٥١٤ على يد العثمانيين ، وهي هزائم تكررت على يد العثمانيين والروس حتى تقلصت الامبراطورية الى ماهو اقل من ايران الحالية بعد ان كانت قد امتدت اوائل القرن السادس عشر من تخوم الساحل الشرقي للمتوسط الى حدود الهند ، ثم تقاسم احتلالها السوڤيت والبريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية ، ثم حاول السوڤيت سلخ جزء من إقليمها الوطني لصالح تشكيل دولة كردية يسارية التوجه في شمالها . اما الحديث الذي يتردد كثيراً على السنة القادة الايرانيين ، خاصة في العهد الجمهوري ، عن الرغبة في تزعم العالم الاسلامي فهو حديث لاقيمة له من الناحية العملية وقد يتم إطلاقه للتمويه على الستراتيجية الاساسية او الترويج لايران القوة الناعمة ؛ هنالك اعتبارات مذهبية واُخرى عملية وثالثة تتصل بالموارد لاتسمح بوضع ستراتيجية كهذه موضع تنفيذ ، فضلاً عن معرفة القادة الايرانيين ان ايران ليست مؤهلة تاريخياً او دينياً لمثل هذا الدور ، لذا تعتبر الهيمنة او النفوذ في العراق مما يؤمن لها التحكم في البلاد التي شكلت تاريخياً مجالها الحيوي كما تضم اهم المراقد المقدسة لدى الشيعة في العالم .

بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت خلع الشاه رضا خان وتنصيب ابنه محمد جاءت مرحلة مصدق الذي حاول تعزيز استقلال ايران من خلال تأميم شركة النفط الايرانية البريطانية تحت شبهة انها كانت تُمارس نفوذاً لصالح بريطانيا والقوى الغربية تجاوز وضعها كشركات استثمارية مما أعاق تقدم ايران ، لكن محاولته باءت بالفشل وانتهى الامر بإزاحته وإزاحة شركة النفط من المشهد لصالح النفوذ الامريكي الذي أعاد الشاه الى عرشه ودخلت الشركات النفطية الامريكية شريكاً رئيسياً في الصناعة النفطية كما اعادت للحياة ذكريات علاقات قديمة تعود الى أوائل القرن العشرين حين قامت الولايات المتحدة بإرسال احد خبرائها الماليين وهو مورغان شوستر لوضع نظام ضرائب حديث في ايران وتحسين أساليب الجباية وإصلاح النظام المالي المتدهور ، لكنها سياسة لم تستمر بفعل ستراتيجية الانكفاء التي كانت تنهجها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية انذاك ، ولم تحظ منطقة الشرق الاوسط وايران باهتمام جدي الا خلال الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة لاعتبارات فرضتها الجغرافيا السياسية للحرب الباردة والنفط .

بعد سقوط مصدق تحولت أولويات سياسة الشاه الخارجية نحو معاداة التوجهات اليسارية في المنطقة التي اعتبرها التهديد الاول لوحدة ايران وتماسكها ، وفي هذا الاطار شكل العراق بعد قيام النظام الجمهوري ذو الميول اليسارية هاجسه الاول وكان يعتبره العائق الاول امام امكانية ظهور ايران بمركز القوة الاقليمية الاولى ، لذلك لعب الشاه بأوراق التحريض الطائفي وتم في عهده ومن خلال جهاز مخابراته الشهير ” السافاك ” تأسيس البذور الاولى لاحزاب الاسلام السياسي – الشيعي في أواخر الخمسينات ، كما تم دعم التمرد الكردي وفتحت الأبواب على مصراعيها امام الموساد الاسرائيلي لتأسيس بعثة خاصة في شمالي ايران لتأمين الدعم الاسرائيلي للتمرد الكردي بزعامة المُلا مصطفى البرزاني في الستينات . لقد اراد الشاه بسط نفوذه في الإقليم ثم عدل بوصلته نحو دور اكبر نحو حوض المحيط الهندي . لقد شهدت طهران خلال تلك الفترة عقد ندوات وحلقات بحث بمشاركة طيف واسع من الدبلوماسيين والأكاديميين لغرض التنظير الستراتيجي بهذا الخصوص . ومن اجل وضع سياساته الجديدة موضع التنفيذ وظف أموال النفط من احل تنفيذ برنامج تنمية واسع النطاق سيؤدي الى تفكيك عناصرالاستقرار الذي عاشه المجتمع الايراني التقليدي من خلال نشوء طبقة وسطى ضاق النظام القديم بطموحاتها وعزز من النزعة القومية في أوساطها ، وفي ذات الوقت رأت الطبقات التقليدية ومنها تجار البازار واوساط الحوزة تهديداً لمصالحها التقليدية ، تزامن ذلك مع توجه نحو التسلّح المكثف وخاصة من الولايات المتحدة التي تبنى ازاءها سياسة التسليم الكامل بمتطلباتها الاقليمية مقابل التسليم الكامل بطلباته من السلاح . لقد شاركت قوات الشاه واجهزة مخابراته في التصدي لموجة القومية العربية وتياراتها اليسارية في منطقة الخليج ؛ في عُمان استخدم قواته العسكرية للمشاركة في قمع الثورة في ظفار ضد السلطان سعيد بن تيمور ، كما تم تنظيم عمليات هجرة إيرانية واسعة باتجاه إمارات الخليج التي كانت تخطو نحو الاستقلال منذ منتصف الستينات بعد اعلان بريطانيا تبنيها ستراتيجية جديدة في المنطقة تقضي بانسحابها مما عُرف ” منطقة شرق السويس ” . قاد ذلك الى وضع ايران موضع المواجهة المباشرة مع الدول العربية الكبرى في المشرق ودفعها الى تعزيز علاقاتها مع اسرائيل ، وكان ذلك يلبي جزءاً مما يسمى ستراتيجية الطوق الاسرائيلية .

في عام ١٩٧٥ شهدت العلاقة بين ايران والولايات المتحدة افتراقاً جوهرياً لاول مرة بتوقيعها اتفاق الجزائر لعام ١٩٧٥ مع العراق ، وَقّاد ذلك الى نهاية التمرد الكردي في شمالي العراق وهو ماكانت تعتبره كل من واشنطن وتل ابيب جزءاً اساسياً من الموقف الستراتيجي في المنطقة لاضعاف وإشغال احد الأصدقاء المهمين للاتحاد السوڤيتي وهو العراق بنظامه الذي يقوده حزب البعث حتى ذلك التاريخ . فضل الشاه الحصول على نصف شط العرب والتصالح مع النظام في العراق الذي شكلت مشاركته في معارك الجولان بقوة وسرعة مصدر قلق جدي لاسرائيل وراعيتها الكبرى . لقد بدأت طموحات الشاه تتجه نحو أفق اكثر عالمية فبدأ مشروعاً نووياً كبيراً كما قرر الشروع ببناء قوة بحرية كبرى تتضمن حاملات طائرات تؤهله ليكون سيد المحيط الهندي متخلياً عن طموحاته الخليجية . لعل اكثر ما اثار قلق الأمريكيين بشكل خاص من هذه التوجهات الاخيرة هو سعيه لأعتماد سياسة آمن للخليج تتضمن أبعاد القوى الكبرى ، كما كان يعارض ، الى جانب العراق ، سياسات التذبذب في الانتاج النفطي وما يتبعه من سياسات التذبذب في الأسعار وهي السياسات التي كانت تتبناها الاحتكارات النفطية العالمية الى جانب أطراف رئيسية في الاوپك .

كانت توجهات ستراتيجية الشاه على المستويين الداخلي والخارجي خلال السنوات الأربع الاخيرة من عهده خروجاً عن السياسة التقليدية ، على مستوى الوسائل والاهداف وهو مايجعلها موضع اعتراض من أطراف عديدة في الداخل اضافة الى الخارج .

تمت الإطاحة بالشاه في الثورة التي نعرفها عام ١٩٧٩ وعادت الكثير من سياسات ايران الاقليمية والدولية الى سابق عهدها ولكن بثوب جديد وخطاب سياسي يتناسب مع متغيرات جوهرية طرأت على المجتمع الايراني ذاته .

( يتبع )

شارك
المقال السابقالأقاليم والمجلس الاتحادي
المقال التالىمن يتحمل اثار الإستفتاء
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد