الفيسبوك والهويّة الغائمة

 

نظريّا على الأقل ،الفيسبوك هو موقع للتواصل والتعارف .وهو ما يقتضي أوّلا عملية تعرّف على هويّة من نخاطبه. ويبدو هذا الأمر على بساطته متعذّرا أحيانا كثيرة عندما تكون هويّة من تجمعنا به صفحة فايسبوك هويّة غائمة، غير محدّدة الملامح والسمات .عندما يتمّ التعتيم على تلك الهويّة يصبح الأمر و كأنّنا نخاطب فردا تحول دوننا ودونه جدران سميكة .فقد لا نعرف اسمه الحقيقيّ أوسنّه أو وجهه ،بل أحيانا لا نعرف حتّى إن كان ذكرا أوأنثى .
تلك الهويّة مطموسة الملامح نجدها في أسماء شائعة على الفايسبوك من قبيل طوق الياسمين، وفراشة حالمة ، وقلب الأسد ، وحبيبة والدها ،وامرأة حرّة، وفارس الفرسان، وحجابي سرّ عفّتي….وما شاكل ذلك من أسماء تنتسب إلى الصفات أو الأفعال أو البلدان ..ولكنّها لا تمنحنا شيئا من هويّة صاحبها الفرديّة التي هي حدّ التعارف الأدنى .
هذه القدرة على التعتيم على الهويّة لا يمكن أن تحصل في العالم الحقيقيّ. لأنّنا عندما نتعرّف إلى الناس في الواقع ولو تعارفا سطحيّا ،نعرف عنهم الحدّ الأدنى .يمكنهم التعتيم على أسمائهم أو أعمارهم مثلا ،ولكن لا يمكن أن يخفى علينا جنسهم .وهوما يــُبقي على مقدار أدنى من الوضوح لا يمكن معه أن يكون التعتيم تامّا .
السؤال هو لماذا يُخفي الكثير من الناس هويّتهم على هذا الموقع فيطمسون ملامحهم تماما ؟
الملاحظ أوّلا أنّ أكثر من يحملون تلك الأسماء الغائمة يحملون أسماء مؤنّثة .أسماء يغلب عليها تضخيم الذات والتغنّي بها أو الميل إلى العاطفيّة المفرطة والرومنسية المشطّة .أسماء تتواتر فيها أسماء الزهور والورود والرياحين وقد تكون في سياقات أخرى بعيدة كلّ البعد عن ذلك .قد تكون دالّة على مواقف من الحياة أو الرجال،محمّلة بالأحزان أو أسماء غضبى …تلك الأسماء ذات الحمولة المؤنثة تخفي وراءها الكثيرمن المواقف .ففي بعدها الأوّل هي إفراز لواقع لا يتجانس فيه الاجتماعي والثقافي.ففي المجتمعات المغلقة مازال موقع الفايسبوك مريبا بالنسبة إلى الزوج أو الأخ أو الأب.وهو ما يقتضي من المرأة عملية تخفٍ ّ وراء ذلك الاسم الزائف لتنتمي إلى هذا الواقع الثقافي من جهة ،وتبقى خاضعة لنواميس مجتمعها من جهة أخرى فتوفّر على نفسها عناء التصادم معه.
يمكن لبعض النساء أن ينتمين إلى أسر متفتّحة . ومع ذلك يُنشئن حسابا باسم مستعار . اللجوء إلى الاسم المستعار في هذه الحالة سيؤدي وظيفة أخرى حينها .وهي الحصول على جرعة حرّية زائدة قد تكون محفوفة بالمطباّت إن هي حضرت مرفوقة بالاسم الحقيقي.وهوما يجعل الاسم المستعار هنا بمثابة قناع للحماية .في هذه الحالة يفصحن عن آمالهنّ ومواقفهنّ وعواطفهنّ كيفما كانت مع ضمان للأمان النفسي الذي لا تطاله محاكمة الرقيب.
في الحالتين ،وأيا ّ كانت دواعي التخفيّ ،الغالب على الأسماء المؤنّثة أنّها رخوة ، ليس من الصعب اكتشاف نفسيّة صاحبتها أو ثقافتها ،عمقها أو سطحيّتها مهما توهّمت أنّها لبست قناعا .غالبيّة الأسماء أقرب إلى عمليّة التعويض النفسي خاصة تلك الموسومة بالمبالغة والتي قد لا يتطابق فيها الحامل والمحمول أبدا بل قد لا يتقاربان أصلا .نحن لا نعرف مثلا مقدار الرقة والجمال في شخصية امرأة تسمّي نفسها على الفايسبوك جناح الفراشة أوزهرة اللوتس.لا نعرف يقينا مقدار الأخلاق في شخصية امرأة اسمها” شامخة بأخلاقي ” ….قد يفضح الاسم أكثر ممّا يحجب فربّما كانت تلك الأسماء هي التصعيد الجميل لما يفتقرن له حقيقة .
أما ّالأسماء المذكّرة فلها شأن آخر . يبدو حضورها أقلّ عددا ولكنه أكثر عجائبيّة وتنوّعا . يصعب إيجاد منطق ناظم لها كما هو الشأن مع الأسماء المؤنّثة . ويصعب حصرها .تشترك في بعض معانيها مع أسماء الإناث في التعبيرعن العواطف أو الموقف من الحياة وينفتح بعضها على أسماء أ بطال ونجوم سينما أو طرب أو أفلام عنف وكرتون وينتسب بعضها إلى أفرقة رياضية،ويحمل بعضها دلالات عاطفية ويتسم الكثير منها بالبذاءة لفظا ومعنى .. ما الذي يمكن أن يدفع ذكرا للتخفّي وهو الذي لا يمارس عليه المجتمع أيا ّ من صروف الحظر في الواقع فضلا عن أن يمارسها عليه في صفحة تواصل اجتماعي. هنا تختلف الغايات .فعامل الخوف من الرقابة الأسريّة ليس هو المحدّد .إلاّ إن كان صاحب الاسم طفلا أو مراهقا غرّا دون السن التي تسمح بإنشاء صفحة فايسبوك . خلاف هذه الحالة يتصل التخفّي برغبة حرّة في لبس قناع يتيح جرأة لا حدّ لها في الإفصاح عن الآراء والمواقف أو معاكسة الجنس الأخر وطلب ودّه ..أوفي مشاكسة طرف ما على خلفيّة عداء سياسيّ أو إيديولوجيّ .بعض تلك الأسماء قد تخفي وراءها عجزا عن الجهر بموقف أو رأي حتّى لو كان المناخ العامّ يسمح بذلك .إنّه الجبن عن تحمّل مسؤوليّة الرأي جهرا وهي حالة مستفحلة في المجتمعات التي كابدت كثيرا بسبب التضييق على الحرّيات لأسباب اجتماعيّة أو سياسيّة .
الأسباب والدواعي تختلف ،وبين الاضطرار إلى الهوية الغائمة أوتخييرها قصدا ،تضيع المقاصد .ويصعب التعامل.ولا يسعنا أن نعرف إن كان من يمتلك اسما مستعارا على صفحة أكثر حرّية منّا لأنهّ يقول ما يحلو له دون أن يحمل تبعات أقواله ،أوأنّه على العكس أقلّ حرّية منّا لأنّه في هذا العالم الشاسع الأزرق حجب نفسه وراء قناع ,تنازل عن حريته وعن إرادته مُريدا أو صاغرا ولم يسمح لذاته الحقيقية أن تخترق الحجب سواء صنعها لنفسه أوصنعها الناس له .
نختلف أو نتفق في ذلك ولكن لا شكّ أن المسألة في إحدى وجوهها هي مسألة الحرّية .وأنّنا ونحن نقضي ساعات طويلة أمام هذا الفضاء ،لم يعد في وسعنا أن نعتبره على هامش الحياة بعد أن كاد يصبح مركزها .مسألة الأسماء ليست هامشا .إنّها هويّة كاملة .قل لي ما اسمك،أقول لك من أنت .
والمحصّلة في هذا التواصل أنّنا إزاء فئتين .فئة تظهر بأسمائها الحقيقيّة وصورها وبياناتها ،وفئة تعتّم على هويّتها .لا يصبح التواصل واضحا ولا جلياّ ،بل لا يكاد يكون حقيقيّا إذا كان أحد طرفي التواصل غائما .قديتسرّب ما يتسرّب من وراء ذلك.

لا تعليقات

اترك رد