البركست الكردي والامر الواقع


 

لقد أسدل الستار على عملية الاستفتاء وأصبح الامر واقعا ، وأصبحت عملية الانفصال مسألة وقت ليس إلا ، ولكن السؤال الاهم في هذا المشهد هو كيف ترسم خارطة العلاقات بين الدولة الام والدولة الوليدة ، ماهي خيارات بغداد وكيف تتعامل من البركست الكردي ، ماذا يترتب على خروج كردستان من العراق ، والسؤال لا يتعلق بالمناصب والمسؤولين من الاكراد ، وهذه ربما تكون من أهون المشاكل وأبسطها ، لكن نحن نتحدث عن تاريخ امتد الى ما يقارب القرن من الزمان مئة عام من العيش المشترك، بين مكونات انتمت الى وطن واحد وضحت من اجله وتمتعت بخيره ، مكونات عانت من الدكتاتورية والحروب ، كيف سيصبح مصير الاكراد في بغداد والمحافظات الاخرى هل سيعاملون كمواطنين أم كرعايا دولة اجنبية، وكيف سيكون وضع العرب في الدولة الجديدة ، ماذا عن الشركات الكردية المسيطرة على قطاع الاتصالات في العراق كشركة اسيا سيل وكورك وغيرها ، ماهو مصير السيارات التي تحمل لوحات اربيل ، كيف سيتم فك الارتباط بين الطرفين ، هل ستحل هذه عبر طاولة الحوار ام سندفع المزيد من الدماء للوصول الى طاولة الحوار ، وهل علينا اختصار الزمن والطريق ونحتكم الى العقل ام ستستمر لغة التحشيد القومي والطائفي، هل سنقدم أجندتنا الوطنية ام ستكون اجندات دول الجوار هي الاولى.

نحن نعلم جميعا كعراقيين رغم مرارة الوضع وصعوبة تقبل الحالة ان الكرد هذا خيارهم ويجب علينا ان نحترم هذا الخيار وهم مسؤولون عما يحدث لهم وسيتحملون النتائج ، كما اننا نعلم ان بكاء تركيا وايران و بقية الدول على وحدة العراق ليس تعاطفا ً منهم معنا ولا يمت بصلة لـ مصلحتنا الوطنية و إنما هو توجس على مصالحهم وآمنهم القومي وهذا حق لهم ، ولكن لهم حقهم ومصالحهم ولنا حقنا ومصالحنا وبالتالي يجب ان نفهم ان دعاة الحرب الذين يستقوون بهذه الدولة او تلك إنما هم يجرون الوضع الى الدمار وهم لا يعدون ان يكونوا تجار حروب وسماسرة دماء.

يجب علينا ترتيب بيتنا العراقي ضمن أولويات المصلحة العراقية ، وليس ضمن أجواء الشعارات الفارغة .

البعض يدعو الى تجويع الكرد والبعض الأخ يهدد بالقوة والثالث يريد التحالف مع تركيا وهو بالامس كان يشتمها لدخول جيشها الى بعشيقة والبعض يعول على الموقف الامريكي والأوربي والخ .
والحقيقة التي لا مناص منها هي اننا دولة دستورية مسؤولة ويجب ان نتصرف ضمن هذه الصورة بعيداعن المهاترات والتحالفات المشبوهة وان نتعامل ضمن الاطر التي حددها الدستور العراقي وهو القاسم المشترك الذي وقع عليه الجميع. لكي نثبت للعالم اننا لانتعامل كقبائل منفلته او دول متخلفة .

لقد آن الأوان ان نضع حدا ً لمشكلةٍ مزمنة عانى منها العراق منذ ان اصبح دولة ، لم تمر فترة من تاريخ الدولة العراقية دون وجود ازمة وصراع بين الشمال وبغداد، حتى في اكثر أوقات الدولة العراقية قوةً ، وفي زمن صدام رضخت الحكومة ومنحت الكرد الحكم الذاتي وقدم الوطن آلاف الشباب في هذا الصراع ولم تنتهي المشكلة ، تنازل صدام عن نصف شط العرب مقابل أخضاع الاكراد لسلطة بغداد ، ولم تنتهي المشكلة ضرب حلبچة بالسلاح الكيمياوي ولم تنتهي المشكلة احرق عشرات القرى البلدات على رؤوس أهلها والمشكلة باقية قام بعمليات الأنفال والمشكلة مستمرة ، وما ان ضعفت الدولة العراقية حتى فرضت امريكا منطقة حضر الطيران وأصبحت كردستان منفصلة عن سلطة بغداد .

وفي كل تلك الأدوار كان الاكراد يتحالفون مع أعداء العراق من اجل قضيتهم ، تحالفوا مع الاتحاد السوفيتي ، وتحالفوا مع الشاه وتحالفوا مع الجمهورية الاسلامية وكانت لهم مقرات ومعسكرات في العمق الايراني في زيوه وكرج وسنندج وغيرها من المدن ، وتحالفوا مع اسرائيل وهذا امر طبيعي في السياسة ، وفي كل دور من الأدوار المذكورة يتم استرضائهم بمزيد من التنازلات، لكن الحلم لم يفارقهم ، اليوم وبعد هذا التاريخ الدامي الطويل اما آن لنا ان نرى الامر الواقع وتتعامل معه على اساس قواعد جديدة، ولرب ضارة نافعة . ربما سنؤسس دولة اكثر آمنا ً واستقرارا ً و رخاءا . دولة ذات قرار سياسي واحد وخطاب واحد ومشتركات واحدة ، دولة بغالبية ثقافية واحدة .

ربما ما اتحدث به هو السباحة عكس التيار ولكن هذا هو الواقع ، والسياسة تبقى اولا وأخيرا فن التعامل مع الواقع ، ولا يمكن ان نلوم الحكومة العراقية بـ التفريط بكردستان كما يتوهم البعض بل ان الواقع السياسي والإقليمي والدولي قد هيأ الأرضية لهذه الخطوة . فبدلا ان نستمر بلغة التصعيد علينا ان نلجأ الى لغة العقل ونتعامل مع الواقع كما هو واقع .

لا تعليقات

اترك رد