عبد الناصر في ذكراه ال47 .. بين هجوم فشل وبقاء كيان راسخ

 

…{ ذلك كمن ينفخ في النار علي أمل اخمادها ،فالذي يحفر تحت التلال لأنها تبالغ في العلو يهدم جبلا ليرفع آخر أعلي منه ..اواه يا سيدي المحزون ،إنما ذلك مثل أحزاننا ؛ هنا نحس بها ، ونراها بعيون مكروبة ، لكنها كالغصون ،إن قلمتها ازدادت نموا ……………دايونيزا…من مسرحية –بير كليس- تأليف شكسبير}

تذكرت تلك المحاورة بين- ديو نيزا –وزوجها- كليون- حاكم طرسوس في رائعة شكسبير .تذكرتها عندما أقبلت ذكري الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، ومرور 47 عاما علي موته ؛ ورغم محاولات الطمس والردم والهدم والتشويه لشخصية الزعيم الراحل إلا أن الزعيم مازال في قلوب أغلبية المصريين تاريخ حي وذكري نابضة بقلب الوجود .

بعد وفاة –جمال عبد الناصر ،واعتلي الرئيس الراحل أنور السادات سدة الحكم ، كل شئ انقلب رهن للتغيير ، تغيير في سياسات دولة عظيمة ، وعالم عربي كريم بكرامة تراكمت فيه عبرالاف السنين ، و بالفعل حدث تغير في مبادئ وطن كانت –العروبة- نسيجه والكرامة ثوبه، والعزة شعاره ود ثاره ،وطن مصري منبثق من قلعته العربية ، فقد كانت مصر مقبلة علي مرحلة يريدون منها هدم ماكينة النسج ، فثوب الكرامة يجب أن يضيق ولا يتسع ، ويتم تفصيل العزة في البيت الأبيض بشياكة خداع السياسة ، الغرب والولايات المتحدة الامريكية ، جربوا عبد الناصر فخبروه قوي الارادة ، يأمل للوطن العربي ككل وحدة عربية عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية ، وطن عربي يقود ولا يقاد ، ويأبي –ناصر – أن يمشي الوطن العربي كالقطيع ، ويتحرك كالقرود فوق أشجار الموز والجوز، ويبتعد عن الأرض قليلا ، يتلهي ريثما يتم اسدال ستار مسرح الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة ، وتتولي الولايات المتحدة الامريكية -قطبية العالم\ الشرطي الأوحد- فقد كان من الصعوبة تنفيذ ذلك الامر الامبريالي في وجود –الرجال الزعماء- مثل جمال عبد الناصر في مصر ونهرو في الهند وتيتو في يوغوسلافيا وماوتسي تونج في الصين وخرشوف ثم بريجنيف في الاتحاد السوفييتي، ويمكن تنفيذه في عهد الرؤساء ثم في عصر الرؤساء المديرين .
تؤكد الوثائق الكثيرة ، بكتابات لكتاب من الشرق والغرب والجنوب والشمال ، ومن داخل مطابخ السياسة و صنوف طعام الساسة ووفق مخاطبات سفارات امريكا وبريطانيا وفرنسا ؛ تؤكد أن فكرة القضاء علي –القومية العربية- التي تبناها جمال عبد الناصر بدأت مع معركة 1967 .. صحيح في الظاهر المعلن علي السطح مسبب حرب الأيام الستة قرار اغلاق مضايق تيران امام ملاحة الكيان الصهيوني ، ولكن السبب الأساس تحت السطح ؛ هو ضرب القومية العربية ومنع الوحدة العربية .
جلس –هنري كيسنجر – وزير خارجية أمريكا مع السادات والمتعاونين معه في نظام الحكم بالدائرة المغلقة ، واتفقوا علي مسح اسطورة عبد الناصر ، وازالة خطابه السياسي وصور أشكال أعماله القومية ، بل أعلنها –كيسنجر –صريحة أمام السادات وقدم ذلك كشرط لإقامة علاقات قوية بين مصر وأمريكا –اقتلاع عبد الناصر من قلوب وعقول العرب جميعا -وهنا يطرأ علي سطح الذاكرة وهي مسافرة بحل وارتحال الي معاصرنا الزمني تطفو فوق الماء ؛ تلك التصريحات القريبة-جدا- للسيناتور –جون ماكين- الذي قال بعد ثورة 30يونيو في مصر:إننا لا نريد أن نري جنرالا كعبد الناصر قال –ماكين هذا الكلام في العام 2013 بناء علي تنفيذ بقية خطة عجوز السياسة الامريكية –كيسنجر-.
ونعود الي بداية تحطيم الرمز العربي والمثال العالي –جمال عبد الناصر- بالفعل استجاب السادات لوصايا الشيطان العشر ، وقام كتاب تم اختيارهم ، وكما يقول المصريون – علي الفرازة – ، وأوحي السادات إليهم بالهجوم الكاسح المدمر أدبيا ومعنويا علي الزعيم ، وافق صحفيون مثل : مصطفي أمين وأنيس منصور واحسان عبد القدوس وجلال الدين الحمامصي وفكري اباظة وصبري أبو المجد وأحمد أبو الفتح وحافظ محمود وموسي صبري ود. مصطفي محمود وثروت أباظة وغيرهم ، وتم اقصاء محمد حسنين هيكل وذلك بابعاده عن مؤسسة الأهرام ، وضيق خناق سن قلم بعض كتاب وطنيين مثل : احمد بهاء الدين ويوسف ادريس ومحمود السعدني ومحمد عودة وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمود امين العالم وعبد العظيم أنيس وغيرهم …سنوات السادات شهدت المعاول وهي تدق في الجبل الأشم والطود الشامخ .

لكن جبل –التوباد الناصري- استعصي وصعب وصلب ورغم قلة آلة –قيس- إلا أن –ليلي \ مصر- لم تنس زعيمها ؛ زعيم الفقراء ناصر الفلاحين ، زعيم العروبة باعث النهضة الصناعية واحياء موات الثروة الزراعية وتحول الجنون –القيسي- الي غيرة عبقرية ببقاء الرمز في قلب ليلي، فمجنون ليلي قد أفاق من الجنون ، ووعي فعرف كيف يحافظ علي تاريخه بالتمسك به، وكيف يرعي تراثه باحتضان كل شئ فيه مبين ، وفشل تحطيم الرمز وشعر هؤلاء.. اصحاب الشمال الفكري بالخزي والعار ، خاصة مع فترة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ؛ فعادوا الي تصحيح وضعهم المقلوب علي استحياء منطق ، وخبث فعال .، حتي الرئيس أنور السادات حاول قبل رحيله بأيام –أقل من اسبوع- وقف مع نفسه وحاول أن ينسق ويهندم ثوب توجهاته ضد عبد الناصر ؛ خاصة بعد صدامه مع الجماعات الاسلامية وجماعة الاخوان المسلمين ودخوله وولوجهم جميعا في طريق مسدود ! ،حاول السادات استقطاب الناصريين فهو الذي أخفي صور عبد الناصر من أي مكان تكون فيه او فوقه او عليه ! نراه بعد افلاس فكرته المبرمجة والموجهة ضد ذكري وجود –ناصر – ؛ يأمر باعادة صور الزعيم الراحل ، حتي اغنية –الأرض الطيبة- اذ به يأمر بوضع صورة الزعيم –ناصر- في كليب الاغنيةّ! لكن لم تفلح محاولاته ولم تنجح في غسل الثوب ، ولم يبادله الناصريون اللعبة الدوارة ، حتي كان حادث المنصة وتوابعه.

ففي يوم 28 سبتمبر 1970، مات زعيم وطني .، يعد من بين زعماء –الندرة- ، بندرة التكرار البخيل ، تكرار بقيامة الأشياء في الزمن المعاش بالرغم من أنها بعث من الزمن المفقود !…هذا الزعيم –جمال عبد الناصر- رجل خلق و جاء من نبت طين الأرض المصرية ، من تربتها الخصبة العفية ، بقوة التاريخ الذي يزرع كل يوم فجرا جديدا ، ومجدا يتكون في صيرورة دقات ساعاته وميلاد الثواني والدقائق ، بميلاد يتفرع أغصان تتوغل انشودة وبنشدان بين شدو وحنين ، نخلة باسقة ، جبال شامخة ، أبراج ناطحات سحاب في جو السماء .

فعندما يولد زعيم علي أرض مصر، ويتربي ويعمل ويصنع ويعيش فيها دهرا وردحا من الزمن، ثم يرحل الي عالم ظاهره لايذكر بجانب مكونات أسرار باطنه ،فيجب أن نحكم بالظاهر ونترك الباطن لخالقه –تبارك وتعالي- هو أعلم بمن خلق وما برأ و ذرأ.
وعند هذه الجزئية -باطنية الأشياء وظاهريتها -، تستدعينا الحاجة العالقة في ثياب التاريخ والمتمسكة بأهدابه ، أن نمشي الهوينا رويدا رويدا ؛ عندما نتعاطي تذكرا لمن كانوا ثم رحلوا ،علينا أن نحكم عليهم بظروف عصرهم وصندوق دنياهم ، وأن نقذف من فناء الحكم الحق الحيادي علي الباطل المتعصب والمتحزب والمتربص والمتصيد والمشوه والجاني .

نعم عبد الناصر …قائد ثورة 23يوليو 1952، وعقلها المدبر ، ووتدها الأشم ، وقلبها النابض ،والحاكم الأوحد ، كل ذلك محيط في فضاء فقد لمس السلطة بيديه ومسها بفكره ، استمر الحال هكذا علي وتيرة زمن من 1952 الي سبتمبر 1970، حكم فيها عبد الناصر مصر نجح كثيرا كما فشل كثيرا ، عالج السلب نفع الدواء، وربما انتكس المتداوي والمستطب في بعض حالات ؛ لخطأ في التشخيص وغلط في تركيبة الدواء .
لا تظلموا عبد الناصر …فتجعلوه ديكتاتورا أو شيطانا رجيما أو وسواسا خناسا ، ولا تظلموه فتجعلونه قطبا صوفيا أو نبيا معصوما أو سيدا وحصورا وعبدا ملائكيا ، فهو بشر أصاب وأخطأ ، يتكلم بالهوي ، ويتحدث بالرأي ،مثله كمثل أي تجربة انسانية عرضة للخطأ والصواب كما تنشد الصح .والحكم في النهاية لمن؟ {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}.

رحم الله جمال عبد الناصر …وتعيش مصر والعروبة وتبقي في رحم الدنيا..جنينا يولد بفطرة سليمة. يتجدد في أرحام الزمن ، عبقرية وجود ،تاريخ بكر ، وتأريخ لحضارة حتمية الوجود ، دور صانع ، ومحورية صنع بالشاهد والمشهود.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    تظل شعلة الرعيم الخالد جمال عبدالناصر مضيئة رغم العتمة المتعمدة لتضيي لنا طريق المستقبل مهما تكاثرت الويلات والخيبات

اترك رد