كيف نتغلب على الإرهاق و الإنهاك و الضغوط في العمل


 

يعتبر العصر الحديث نموذجا للضغوط الكبيرة التي تواجه العاملين في مختلف المجالات، هذه الضغوط التي ربما تسببت في تغيير العديد من الأسس و المبادئ و المفاهيم الإدارية التي تعلمناها خلال العقود الماضية على أيدي العديد من علماء الإدارة و كتابها و باحثيها و منظريها، و ربما يعود ذلك لأسباب عديدة أهمها، التطورات العلمية و التكنلوجية و الحياة التي غيرت كثيرا من أساليب و طرق إنجاز العديد من الأعمال و الوظائف و الفعاليات الإدارية و المالية و التجارية و الصناعية ..

ربما من أهم هذه المتغيرات اليوم، هو الكم الهائل من المعلومات و البيانات التي يتعامل معها الفرد ، على العكس مما كان عليه الحال سابقا في تعامله مع أعداد و أنواع محددة مقننة ترده و تصله و تجهز له حسب إعداد و ترتيب مسبق، كذلك التعامل مع وسائل عديدة متنوعة و فائقة السرعة في تداول و تحليل و نقل هذه البيانات و المعلومات كالكومبيوترات بمختلف أحجامها و أنواعها و الهواتف النقالة و الإنترنيت و الإيميلات، و وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة، التي باتت تستخدم كثيرا في مجالات المال و الأعمال أيضا ..

و ربما من أهم مظاهر هذه التطورات في مجال المال و الأعمال، هي ساعات عمل طويلة، ضغوط عمل كبيرة، منافسة شديدة بين العاملين، حالات غبن و تجاوز على راحة و حقوق العاملين، العمل خارج أوقات العمل الرسمية، و غير ذلك ..

تشير العديد من الدراسات و البحوث إلي أننا نحتاج هذه الأيام لتغيير و تعديل في تفكيرنا و عقولنا لنتمكن من التعامل مع حجم الضغوط و الكم الهائل من المعلومات و المهام التي نواجهها يوميا ..

فالإنسان بات مضغوطا تحت العديد من المهام و الواجبات التي عليه إنجازها يوميا، سواء أكانت متعلقة به شخصيا أو عمله أو عائلته، و هنا أصبح التداخل لا فرار منه، كما أن وجود الهواتف و الإيميلات و وسائل الإتصال الإجتماعي تجعل ذهننا مشوشا، و على إتصال دائم بالعالم الخارجي، سواء خلال ساعات الليل أو النهار، خلال ساعات العمل أو خارجه، و نحن نتناول طعامنا، و نحن نتحدث مع مديرنا، و نحن نتحدث مع الزوج أو الزوجة، مع الإبن أو الإبنة، و حتى في ساعات الليل، و حتى خلال نومنا تنهال علينا المسجات و الرسائل و ربما الإتصالات الهاتفية، و حتى خلال فترات سياقتنا للسيارة أو تمشينا ..

أصبح الأمر لا يطاق، لكن لا فرار من هذا النظام الجديد في الحياة، و لابد من إعادة تنظيم بسيطة لكل شئ لنحافظ على طاقتنا و حيويتنا و أعصابنا، و لنتمكن من إنجاز المهام و الواجبات المتزايدة و المتداخلة، بمستوى عال من الأداء و النوعية دون خلل أو تقصير ..

المشكلة أن الإنصياع لدوامة العمل و الحياة هذه تجعل الإنسان يفقد لذة العمل و الإنجاز و الحياة بشكل عام، و يفقد عامل الإحساس بالوقت و الزمن، و شيئا فشيئا يصبح كجزء من الآلة، على الرغم من أن البعض ربما يغشه هذا الوضع و يتصور أنه كلما إزدادت ساعات عمله و إنشغالاته، كان ذلك مؤشرا على نجاحه و أهميته و تفوقه و قدرة أعلى له على الإنجاز، غير عابئ و لا واعي بأن ذلك سيستنفذ طاقاته و قدراته العقلية و البدنية، و أن مستوى الإنجاز من حيث الكم و النوع سيتدهور تدريجيا إن لم يتم إعادة تنظيم للأولويات و المهام و الوقت بشكل سريع ..

مصطلح مشغول جدا TOO BUSSY , بات معروفا و مشهورا و يتردد كثيرا هذه الأيام على ألسن الأغلبية و ربما الجميع، و هذا الإنشغال هو قد يكون عام و مطلق، يغطي الحياة العامة و العملية و الوظيفية كما أنه يشمل الحياة الشخصية و العائلية، و الإنشغال قد يكون حقيقيا أو ربما يكون وهميا، ربما نتيجة الفوضى العارمة التي يعيشها الشخص مما يسبب ضياعات كثيرة في الوقت و العمل و الفرص ..

أن الشعور بعبء وجود أمور كثيرة و أعمال كثيرة و أشياء كثيرة و معلومات و بيانات كثيرة يفكر بها الشخص و يريد مراجعتها و دراستها و إنجازها، هذا كله يشكل عبئا كبيرا على دماغ الإنسان، و هو مهما كان عظيما فإمكانياته تبقى محددة، و بمرور الزمن يتعرض هذا الشخص لحالات من الإحباط و الإنهيار و ربما العجز و التراجع و التوقف في النشاطات العقلية و الذهنية و القدرات على التفكير الإبداعي و إيجاد الحلول إلى غير ذلك ..

و شيئا فشيئا يبتدئ العقل البشري بالعمل بشكل مغاير للطبيعة و المطلوب منه، و يفقد الإنسان حسه و تمتعه بالعمل و الإنجاز و الحياة بشكل عام، و يفقد تركيزه، و يتحول إلى شخص عصبي متحفز متوتر، لا يقبل و لا يجيد النقاش و الحوار، و تصبح نظرته للأمور و الحياة مختلفة و ربما متشائمة، و أقل مرونة و أقل تنورا و يفقد االمتعة في الحياة و أداء الفعاليات و النشاطات و الأعمال المختلفة، و شيئا فشيئا يحس هذا الإنسان بتضاؤل قدراته و إمكانياته الإبداعية و الفكرية، و إمكانياته في الإنجاز، و هكذا قد يصل الحال بالبعض لتناول الأدوية و المخدرات و المسكرات، و البعض قد يقودهم ذلك للإنتحار أيضا ..

منظمة الصحة الدولية حذرت في العديد من الدراسات و التقارير من مغبة تدهور الحالة العقلية و النفسية لأغلبية من مواطني المجتمعات الغربية و الأنظمة الرأسمالية، و إنعكاس ذلك على الصحة العامة، و تشير إلى أن الإنهيار العصبي و النرفزة سيكون ثاني أكبر تهديد للصحة العامة حول العالم خلال أقل من خمس سنوات من الآن، و كما قلنا فأن ذلك سينعكس بدوره على حجم الإنفاق العام على الصحة و معالجة هذه الأمراض، و ينعكس بدوره على مستوي الأداء العام و الإنجاز و الإنتاجية في تلك المجتمعات ..

دراسة أخرى تشير إلى أنه ربما أصبحت ظاهرة إجتماعية أو مرض أو ربما داء يهدد بالإنتشار

في كل المعمورة، هو الإنشغال و العيش و العمل تحت الضغوط غير الطبيعية، مما يضطر الإنسان أن يعيش يومه كلها و هو يحاول أن يستجيب لكل هذه الضغوطات مرة واحدة، و أن يعمل أكثر من شئ و أن يفكر بأكثر من شئ مرة واحدة و في معظم ساعات النهار و ربما الليل، و معظم أيام الأسبوع و ربما كلها، إلى أن يصاب بالإنهيار التدريجي و ربما الإنهيار التام المفاجئ ..

تشير هذه الدراسة، أن الإنسان هذه الأيام يتعرض لكم هائل و منوع من المعلومات يقدر أحيانا بحوالي ١١ مليون بايت كل ثانية، في حين أن المراكز الرئيسية للتفكير و التحليل و المنطق في الدماغ مهيأة للتعامل مع ٤٠ بايت فقط من المعلومات، و بهذا فإننا ندفع الدماغ لأن يعمل خارج إمكانياته و طاقته التصميمية معظم الوقت في محاولة منا للحاق بالركب و متابعة و إنجاز كل ما نريد و مانتوقع إنه واجب علينا و مطلوب منا إنجازه، تدريجيا سيتحول الدماغ لا إراديا ليعمل بتركيز و نشاط جزئي ليتعامل مع الضغوطات غير الطبيعية، و من ثم يفقد القدرة على التركيز، و تستمر الأمور بالتدهور في إتجاهات عديدة ما لم يتم التوقف و إعادة الشحن و إعادة النظر و إعادة ترتيب الأجندات و إعادة ترتيب و تنظيم الحياة اليومية للإنسان هذا ..

كما أشرنا، فأن الظاهرة هذه مهمة و خطيرة، و الإستمرار على هذا النهج يعرض الصحة العقلية و البدنية للشخص للخطر، داعيك عن تعريض حياته المهنية و الوظيفية للخطر و المشاكل و التدهور أيضا، و الحل الوحيد الذي ربما تتفق عليه العديد من الدراسات هو التوقف عن السير في هذا الطريق المنحدر الوعر، و إعادة تنظيم عقولنا، و إعادة تنظيم الوقت، و إعادة ترتيب الأولويات، ليتم رسم خطط و برامج جديدة للمستقبل تتناسب مع أوقاتنا و صحتنا و حاجتنا و قدراتنا..

لذلك نرى كثيرين يلجأون مثلا للإجازات السنوية الطويلة، أو الإجازات القصيرة المتقطعة، و السفر خارج البلد أو المدينة للإبتعاد فعليا عن الجو و البيئة المحيطة، و البعض يلجأ أيضا لتغيير العمل و الوظيفة، و البعض يلجأ لتغيير نوع و طبيعة العمل من خلال تدريب أو دراسات أكاديمية جديدة، كل هذ هو لإعادة تنظيم وتيرة الحياة العملية و الوظيفية و الخاصة، و التجاوب لضغوطات الحياة بشكل أفضل بما لا يعرضنا للمخاطر و الإنهاك و التوتر ..

لا تعليقات

اترك رد