كلمات


 

مثل كل نهار عطلة لها من العمل .. وحين انتهائها من مساعدة والدتها بأعمال المنزل .. تمارس وصديقاتها الهواية المفضلة لدى جميع النساء والفتيات .. التسوق .. يجتمعن في هذا المشوار حتى وإن كانت الحاجة لاتتجاوز قلما من الرصاص لإحداهن .. لكنها فرصة للتنفس في مدينة أجبرتهن الحرب للجوء إليها و إن كانت داخل الوطن .. لينتهي المشوار بوقفة عند بائع للبوظة أو كافيه عام أو جلسة بإحدى الحدائق العامة .. كله مقرون بالميزانية العامة لهن ..
هذا اليوم كان قبلتهن أحد المقاهي العامة ..
مكان جديد .. هادىء جدا .. موسيقى ناعمة .. و طقس دافىء بهذا النهار القارس البرودة ..
أقبل عليهن شاب ليتلقى طلباتهن .. تجاوز العشرين من العمر .. بهيئة مرتبة وجميلة توحي بأنه خريج جامعي أو مازال منتسباً إليها ..
بعد تسجيل الطلبات دارت الأحاديث بينهن عن تفاصيل الإسبوع كاملا .. كالعادة ..
قطع عليها كل ذلك فجأة .. صوت ماجدة الرومي تصدح برائعتها الجميلة .. ” كلمات ”
يالتلك الكلمات كيف تملك القدرة على انتزاعها دوما مما هي فيه لتلقيها في زمن آخر ومكان منفصل عما هي فيه ..
هناك حيث كانت وهو ..
حين كان واقعها ورديا كعمرها .. و الحلم مباح للجميع .. في زمن كان للعصافير فيه شدوها .. وللنسيم معزوفته .. للقلوب آمالها .. و للأرواح سماء تحلق بها بنقاء رغم كل قيود التقاليد ..
لاتعلم متى أحبته .. وكيف ؟
ببساطة هي وجدته أمامها .. منذ سنواتها الأولى .. يتجاوران بالسكن و يتقاربان في العمر .. لاتتذكر أبدا كيف اتفقا .. ؟
كيف تحدثت العيون ..؟
كيف تلاقت القلوب ..؟
كأنهما ولدا بهذا كله ..
فقط تعلم بأنها تتنظره على شرفة البيت كل يوم لتراه .. قبل أن يخرج وحين يعود .. و إن صدف وغابت يوما عن الظهور لسبب ما أو تأخرت .. يبقى في الانتظار حتى ظهورها .. يبادرها بتحية بالرأس أو بإيماءة بسيطة بيده غير مرئية ..
في المساء لاتغفو قبل عودته .. لتتلقى تحيته قبيل دخوله المنزل .. كل هذا بعيد عن محادثتهما الهاتفية .. أضافت كل برامج المحادثات كي تتواصل معه ..
عادت لكلمات الأغنية تسافر معها كلما تحدثا.. كانت مغرمة بنبرة صوته حين يناديها .. أو يقول أحبك .. فتنتشي وتحلق متأبطة ذراعه كطفلة تخشى السير وحدها و يروق لها الدلال ..
في كل مرة انتظرت خروجه ساعة الغروب .. كانت تلمح سرب السنونو وهو عائد لأعشاشه على أشجار الحديقة المقابلة لبيتها .. يا الله كل مافي الأغنية مرتبط به ..
حتى حلمها بالرقص معه المدفون قبل أوانه ..
حتى كان اليوم الأسوأ في تاريخها .. أنهى دراسته ولابد من الإلتحاق بخدمة العلم .. لديه سنتان من الغياب .. للمرة الأولى أحست بأن قلبها يعاقر حزنا حقيقيا لغياب ما .. وليت الأمر توقف عليهما .. مالم يكن بالحسبان .. أن تنشب الحرب أثناء خدمته بالجيش .. لتتوقف الإجازات وليتوقف التواصل إلا بالنادر وعن طريق اتصال لايتجاوز الدقيقة الواحدة .. ويطول الانقطاع لشهور .. دائم التنقل كان .. وتكثر هي من التردد على بيتهم علها تسمع مايسرها .. عبث .. ففي المرة الأخيرة تأخرت أخباره كثيرا فالمنطقة ساخنة جدا ولا مجال للوصول إليها ..
ليصلها بعد ذلك الخبر المفجع عن طريق عائلته ..
كان ضمن قافلة كبيرة من شباب فقدوا حياتهم من الطرفين نتيجة هراء لايعلمون ماهيته .. اختلط فيه الحق بالباطل .. حرب استعرت أكلت الأخضر واليابس ووأدت وطنا كاملا ..
كانت تظن أن غيابه حزن و ألم .. إلى أن فجعت برحيله … حين قرر القدر أن يمسح من عمرها سنوات لم تعرفها دونه .. وضحكات لم تكن لولاه .. و روح لم تحلق لو لم يدعوها هو لذلك .. و أغنية لطالما أخبرته بأنها تحبها لأنه يحلق بها هو كما الأغنية تماما … وجدت نفسها فجأة في فراغ سحيق لاحدود له ولا زمان .. كأنها ورقة خريف جذبتها الريح و سلختها من جذورها دون ذنب منها .. فقط هي الريح قررت أن الحياة يجب أن تتوقف معها ههنا …
و أنها ستعود لطاولتها دونه .. تصدح في روحها موسيقى صوته .. في كفيها فقط قصر من وهم و بقية من كلمات .. تجترها كلما نهشت ذكراه روحها .. وكثيرا ماتفعل …
لم تستطع السنوات الثلاث التي مرت على رحيله أن تحيي فيها شيئا اختطفه القدر ..
مسحت دمعة من قلبها انحدرت على خدها .. بانتهاء الكلمات لتعود بجسدها لصديقاتها .. تشاركهن الحديث ..

لا تعليقات

اترك رد