المرأة العربية .. القانون والواقع – ج 4


 

يعاني المجتمع العربي في هذه المرحلة تحديات كثيرة تهدد هويته الثقافية وبنيته الاقتصادية والفكرية والاجتماعية وحتى حدوده الجغرافية. فالمشاكل والحروب المتتالية عقدت منظومته الإجتماعية وفككت روابطها. ولا ريب في أن هذه التحديات تشمل المجتمع بجميع فئاته وأطيافه، لكن وطأتها على المرأة أشد لأنها نواة الأسرة والمجتمع. فالتحديات الحالية تضيق الخناق على المرأة العربية وتحملها أعباء كثيرة وتضعها في مواجهة صراع متعدد الجوانب ينقسم بين القيم الموروثة والقيم الحديثة. فقد بدأت بعض القيم الأخلاقية والمنظومات الاجتماعية تتخلخل مع الغزو الثقافي، وبدأت المرأة العربية تتحرر شيئا ما وتأخذ زمام المبادرة وتعتمد على قدراتها الذاتية حتى ولو كانت محدودة بسبب الإكراهات المحيطة بها.

وحتى التغيير الذي حصل بالمجتمع العربي ولحق بعض المعايير الاجتماعية في الثقافة الموروثة، وأشكال السلوك والتنظيم الاجتماعي، كان تغييرا سطحيا غير حقيقي في مضمونه، وبقيت بعض التقاليد المتعارف عليها والتي تدين المرأة متأصلة في الفكر والواقع. وحتى الزيادة في نسبة التعليم بالنسبة للإناث لم يواكبه تغيير في البنية الفكرية المجتمعية لذلك ظل المضمون فارغا.

فالمرأة العربية بحاجة إلى تعليم صحيح مظهرا ومضمونا يساعد في رقيها الفكري والمعرفي، وتفهما شموليا ورؤية واضحة تصهر الأفكار المطروحة وتناقشها بواقعية. فالمجتمع العربي بحاجة إلى فهم الحضارة المعاصرة ومجاراتها وإلا يحكم عليه بالتخلف ثم الضمور فالانقراض. نحن مطالبين باستيعاب قيم هذه الحضارة ومفاهيمها، والمشاركة في إنتاج الجانب المادي لتلك الحضارة من أجل الرقي بواقعنا وفكرنا.

لقد حققت المرأة العربية قفزة نوعية حين حولت السجال من أسئلة الجسد إلى أسئلة الهوية الاجتماعية والسياسية، لكنها لم تتخلص بعد من ازدواجية الحداثة والتقليد، فالمجتمع العربي مليء بثقافات متناقضة تتكون من تراث تقليدي يقنن حرية المرأة، ومن ثقافة حداثوية تقدم لنا صورة عن الحرية مبالغ فيها.

كما يبرز هنا أيضا دور المثقفين المتنورين في إعداد مشروع نهضوي عربي حديث، يعيد ترتيب النظم التعليمية والتربوية بما يتماشى وثقافة العصر أخدين بالاعتبار هويتنا، من أجل تحرير المجتمع رجالا ونساء، من الموروث الثقافي والتأويلات الخاطئة للدين، فعندما يتحرر الرجل تصبح حرية المرأة واقعا.

هذا المشروع بحاجة إلى ركيزة أساسية وهي التعليم والتربية لأن العصرنة هي التفاؤل البشري المستقبلي والإرادة المعرفية، والتربية مصدر تقدم البشرية، فالتربية بمفهومها العلمي هي طريق الدخول إلى الحضارة، في حين أن التربية المجتمعية هي مفتاح الدخول للتربية والتعليم. والتربية حلقات جيدة الإضاءة لا تقبل العبث وترفض المظاهر المصطنعة، إنها ببساطة حضارة وفكر ورقي في التعامل الإنساني.

المجتمع العربي المعاصر بحادة إلى تغيير في الفكر وبحاجة إلى مفاهيم جديدة في العلاقات الاجتماعية والقيم والمتطلبات الإنتاجية، وهذا ما يدفعنا إلى العمل بجد لإحياء علوم العصر وإحياء علوم الدين الحق لنكون في توازن وتكامل فكرا وثقافة وحضارة. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم والمبادئ الاخلاقية والاجتماعية التي تشكل القاعدة الفكرية التي تشيد عليها صورة المرأة العربية

وإذا كان المجتمع العربي يريد أن يسير قدما نحو التقدم والرقي، فعلى الرجل أن يمسك بيد المرأة ويساعدها على تحطيم الحواجز والمعوقات، فكل تأخير في هذا المجال يؤخر مدنية المجتمع.

لا تعليقات

اترك رد