ذكرى المارد العربي


 

” اللهم أعطنا القوة لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء”. تلك العبارات البليغة، هي من أجمل كلمات الزعيم جمال عبد الناصر، المارد العربي، الذي تحل ذكراه علينا في الثامن والعشرين من سبتمبر. ولد الزعيم في الخامس عشر من يناير عام 1918 في حي باكوس بمدينة الإسكندرية، وهو الابن الأكبر للحاج عبد الناصر حسين، المولود في قرية بني مُر في صعيد مصر عام 1888. في الفترة ما بين 1918 – 1970 عاش الزعيم إثنين وخمسين عامًا فقط، لكنه غير العالم في تلك السنوات، وضع بصمته العجيبة على مصر والوطن العربي تحديدًا، وعلى الدول النامية ودول عالم الإنحياز عموما. لن نجد في تاريخ مصر الحديث والمعاصر وكذلك العربي رجلا مثل جمال عبد الناصر، الزعيم المبالغ فيه، سواء كانت المبالغة مدحًا أو قدحًا، فكما أن له عشاق، فإن له معارضون، بل هناك من يحاول أن يسلبه تاريخه كله. التاريخ لا يظلم أحدًا، وسوف يقول أن الزعيم جمال عبد الناصر له أمجادٌ عظيمةٌ وله هفوات قليلة ولكنها ضخمة ايضًا. إذا تحدثنا عن المارد العربي في عجالة فسوف نظلمه، إن عبد الناصر لا يقبل التهميش أو الإختصارات، وستة عشر عاما من الحكم، تحتاج إلى مجلدات، سنوات كانت حُبلى بالإنجازات والأعمال العظيمة، وإن ضربها إخفاق هو الأهم.. هزيمة يونيو، تلك الهزيمة كانت إخفاقة مدوية، فلولاها لأكمل ناصر مشروعه النهضوي، ولحظيت مصر بمكانة مرموقة بين الأمم الآن، وكانت على قدم المساواة مع كوريا الجنوبية واليابان، مما يؤكد أن المارد كان هدفًا مهمًا لكل الدول الإستعمارية والقوى الإمبريالية في ذلك الوقت، كي يتم تدميره ووقف برنامجه النهضوي العملاق. لن نتحدث عن ناصر كزعيم سياسي، فإن هناك من هم أجدر بذلك منا، وهناك أيضا من قتل هذا الأمر بحثا، ولكن ما يعنيني هو دور جمال عبد الناصر في الثقافة والفكر المصري.. والعربي عمومًا. إن جمال عبد الناصر ضابط جيش مصري، من أبناء الطبقة المتوسطة، بل هو أقرب للفقراء، ولكنه كان يعشق القراءة والكتابة، ويجيد فن الخطابة، وما قدرته على جذب انتباه من يسمعه إلا تأكيدًا على قدرته وتمكنه من هذا الفن، بجانب صدقه ووطنيته. قد نختلف في كيفية إدارته للدولة، وكذلك على فكره وأيديولوجيته، أو ديمقراطيته وشيموليته، ولكن لم ولن نختلف أبدًا على وطنيته ونزاهته، فلقد كان صعيدًا أصيلًا ومصريًا نزيهًا، ونعترف جميعًا أن جمال عبد الناصر حرر الإرادة المصرية أولا وفتح بابًا للأمل أمام الطبقات المصرية المهمشة ليأخذوا حقهم في التعليم والثقافة والتنوير ثانيًا. رغم أن العصر الملكي في الفترة مابين 1919 -1952 كان عصرًا ليبراليًا، وشهد نشاطًا ثقافيًا أثر على المنطقة العربية برمتها، فإن الفترة ما بين 1952-1970 شهدت أيضا نشاطًا ثقافيا عظيمًا، الفارق بين الثقافتين، أن الأولى كانت فترة حكم ليبرالي تحت سلطة الإحتلال الإنجليزي، والثانية كانت حكمًا شموليًا، وهذا الحكم الشمولي مهما وجهنا له من نقد، فإنه كان ملازمًا ومعاصرًا لصراعات بين حناحين أساسيين، الجناح الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة والجناح الإشتراكي بزعامة الإتحاد السوفيتي، وأثر في تلك الصراعات فكان فاعلا طول الوقت ولم يكن مفعولا به أبدًا.

وكما كان للعهد الملكي رموزًا ثقافية مثل استاذ الجيل أحمد لطفي السيد وعميد الأدب العربي طه حسين والأستاذة عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم والرافعي وغيرهم من عمالقة الأدب والنحات العالمي محمود مختار والصحافي الكبير محمد التابعي، وعمالقة فن التلحين والغناء مثل سيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي وغيرهم فإن عصر ناصر لم يقضي على كل هؤلاء بل احتضنهم وساعدهم في إكمال مسيرتهم، وأعطى للثقافة فرسان جدد، لهم فضل كبير على الفكر والحركة الثقافية في مصر والوطن العربي، مثل الدكتور يوسف إدريس والمبدع الكبير ألفريد فرج والدكتور لويس عوض والأستاذ سعد الدين وهبة والشعراء الكبار صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح جاهين وعمالقة الفن في التلحين كالموسيقار بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي، وفي الغناء مثل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وغيرهم كثر. كما أن العهد الملكي الليبرالي لم يكن ناعمًا كالحرير مع المثقفين والمفكريين، بل تعرض كثير منهم إلي السجن والتنكيل بهم بسبب أفكارهم ووجهات نظرهم التي كانت تتعارض أغلب الوقت مع الملك والسلطة، فلقد تعرض طه حسين لحرب شعواء من رأس الدولة وهو الملك فؤاد، ومن الزعامة الوطنية متمثلة في سعد باشا زغلول حين ظهر كتابه ” في الشعر الجاهلي” عام 1926، وكذلك رفض الملك فاروق منح عميد الأدب جائزة فؤاد الأول في الثقافة والآداب وذلك بسبب كتاب المعذبون في الأرض وهو العميد. تعرض كذلك الكاتب الكبير عباس محمود العقاد وكذلك الصحافي الأشهر محمد التابعي للسجن بتهمة العيب في الذات الملكية، ولكن يبقي لنا أن نقول أن العصر الملكي الليبرالي كانت أهم خصاله أن رجالات الدولة كانوا من المثقفين والمفكريين، وأكبر دليل على أن عبد الناصر تأثر بهم وتعلم منهم وأحترمهم وهو ابن هذه الفترة ونتاج ثقافتها، أنه استعان بالكاتب الصحافي الأستاذ محمد حسنين هيكل ليطلب من أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد قبول رئاسة الجمهورية بعد ثورة يوليو 1952. نحن لابد أن نضع سياسات عبد الناصر ومواقفه من بعض المثقفين وليس كل المثقفين فى إطار الظروف المحلية والدولية، وفترات الانتصارات والانكسارات التى تعرض لها نظامه، إن زعيمًا بحجم عبد الناصر، تعرضت دولته لهزيمة مدوية، إهتزت لها الدولة والأمة العربية كلها، فكيف لا تهتز يده ولو للحظات، ويظلم ولو قليلًا، إن المارد العربي جمال عبد الناصر أكمل الطريق برغم هزيمته حتى توفاه الله، وأعاد بناء الجيش المصري مرة أخرى، ونفذ حرب الاستنزاف ببراعة وقوة، ولا ينكر أحدٌ أنه مهد الطريق لحرب أكتوبر 1973. أخيرًا، فإن هناك من يتهم جمال عبد الناصر بالفاشية وأن سجونه كانت عامرة بأصحاب الفكر والرأي، فإن هناك قصتان شهيرتان لهذا الزعيم المثقف مع رموز الفكر آن ذاك تحدث عنهما الوسط الأدبي كثيرًا.. الأولى، كانت مع الصحافة، حين اعترض صلاح نصر وعبد الحكيم عامر بمجرد البدء فى نشر نص «بنك القلق» بصحيفة «الأهرام»، وناشدوا عبد الناصر بوقف النشر ومعاقبة الأستاذ توفيق الحكيم، غير أن الزعيم رفض طلبهما وقال: ” كيف يستطيع توفيق الحكيم أن ينشر يوميات نائب في الأرياف في العهد الملكي ولا يستطع نشر بنك القلق في عهدي، الأولى ألا يحدث ذلك فى عهد الحرية “. والثانية، كانت مع الفن والسينما، حين تم عرض فيلم «شىء من الخوف» للكاتب الكبير ثروت أباظة، الذى اعتبره الرقباء تجسيدا لعبد الناصر، وطلب الزعيم مشاهدته فى بيته، ثم دافع عن الفيلم وقال: ” لو أننا مثل عتريس فعلا فنحن نستحق الحرق “!

سيبقى الزعيم العربي، ماردا يبعث على الإجلال والتقدير، وسيبقي بوطنيته وعروبته، ظل في حياته حبيبًا للجماهير، ومازال حبيبًا، يحمل الأحرار صوره في كل مكان، وفي كل دول العالم المتطلعة إلى الحرية والعدل والمساواة.

لا تعليقات

اترك رد