منتصف السيجارة


 

شيء ما سيحدث قبل أن تنتهي هذه اللفافة اللعينة ، في منتصفها أو بعده لا ادري لكنه سيحدث . عَبُّ سيجارة بالحجم الطبيعي ، أو سمّها لفافة إن شئت ، يستغرق ما بين ثلاث إلى خمس دقائق ويزيد إلى سبع دقائق إن كانت بالحجم الفاخر بحسب مستوى القلق أو النزق أو الكسل أو البطر الذي ينتابك لحظة تدخينها أو بحسب سحنة السياسي على شاشة التلفاز المقابل لكرسيك و الذي يتحكم بسرعة عبّك لها ، بعض السياسيين يجبروك على أيقاد سيجارتين في آن واحد طالما كنت تملك كفين صالحين لذلك . تنتهي ” الصفنة ” أو السكتة العقلية ( لا الدماغية عافاكم الله ) بالوصول الى المؤخرة الحمراء ، أو البيضاء للفافة ، شركات الدخان هي التي تختار لنا لون المؤخرة التي ندعكها في قعر المنفضة بقوة بعد أن نقضي منها وطراً و كأنها هي المسؤولة عن حالة القلق أو الأرق أو النزق الذي وصلنا إليها ، لكن لا ينتظر الجميع هذه اللحظة لإنهاء عمر اللفافة ، المدمنون على حُقَن السياسيين أمام شاشات التلفزيون يتوقعون نهاية سعيدة للحوار السياسي فيستمتعون بالسيجارة ببلادة إلى آخر نفس ، و لست هنا إلا لأبحث عن أولئك الذين يزهقون مبكراً ، الذين يكفرون بالتلفزيون و بالمذيع وبالمحطة الفضائية و بالقمر الصناعي و يسحقون اللفافة في منتصفها متخذين قراراً حاسماً يفضي إلى شيء غير السكتات العقلية التي نغيب فيها أمام التلفزيون أو أمام صنبور الماء الجاف أو امام المروحة الكهربائية الساكنة أو أمام رجل دين لم يبلغ الحلم يشرح لألفي مصغٍ منصتٍ أسرار الكون .
ألقرارات الحاسمة على المستوى الشخصي كما على المستوى العام لا تأتي دائماً بمواعيد مسبقة لذلك نذهب اليها دون استعداد مسبق و نرضى بنتائجها مهما تكون لأنها بكل الأحوال ليست أسوا من الحال الذي دفعنا إليها . نحن نعرف موعد الإحتفال برأس السنة قبل 365 يوماً و لدينا متسع من الوقت لإختيار البدلة المناسبة و العطر المناسب و الصحبة المناسبة للإحتفال ، و حضور اجتماع ما في موعد و مكان معلوم يتيح لنا اصطحاب الأوراق اللازمة و تحضير كلمة مناسبة لكن ذلك ليس متاحاً على الدوام . ليس متاحاً عندما نقرر قطع علاقتنا برفيق خاننا أو إلغاء حسابنا على الفيسبوك و مغادرة جميع مجموعات التواصل و تكريس ما تبقى من حياتنا للبحر و الشمس . هناك دائماً لحظة مناسبة لإطفاء السيجارة قبل نهايتها و الذهاب الى القرار الحاسم .
التخطيط لساعة صفر يستدعي الإنتظار ، لا نستطيع الإحتفال هذه الليلة برأس السنة و لا الذهاب الى موعد قبل أن يحل ، لكن الإنتظار لن يكون مجدياً عندما نكتشف أن الوقت لم يعد في صالحنا ، كثير من الثورات حدثت قبل موعدها بسبب اكتشاف خيانة كان من الممكن أن تُفشل الثورة و كثير من القرارات اتخذناها على المستوى الشخصي لاكتشافنا أن الإنتظار بات مستحيلاً ، هنا ليس لنا أن نتساءل عن سبب القرار المفاجئ لأنه في الحقيقة ليس مفاجئاً بل جاء نتيجة تراكمات ، حتى الأعاصير و الزلازل و الفيضانات تجعلنا نتساءل بغباء لماذا حدثت ، حدثت لأنها كان يجب أن تحدث ، شيء ما دفعها للحدوث ، وسواء كان هذا الشيء هو تلاعُبُنا بالبيئة أم خطايانا الكبيرة أم أمر آخر نجهله فهو موجود .. فمتى يقع الزلزال خاصتنا و قد تيقنّا ألّا ساعة صفر تنتظرنا و ننتظرها ، هل علينا متابعة الندوة التلفزيونية إلى آخرها ك ” مباراة أساطير ” مملة نعرف عدد أهدافها قبل أن تبدأ أم أن علينا أن نكتفي بهذا القدر من اللفافة اللعينة فندعكها في قعر المنفضة بلا رحمة ، عندما ينظر هذا السياسي في عدسة الكاميرا موجهاً كلامه إلينا ليقول لنا و ابتسامته بحجم فوهة حذاء : يا ايها الناس إننا نسرق أموالكم و نستحيي نساءكم و نقتل نصف أبنائكم بنصفه الآخر و أننا متفقون عليكم رغم ما نعلنه من خلاف ، و مع ذلك نواصل عب دخان سجائرنا بانتظار رأي أهل الحكمة و حكمة أهل الرأي و فتوى أهل الإفتاء . يا أيها الناس إنا نستعبدكم ، إنا نتحاصص على أموالكم وعلى أعراضكم و على لقمة اللاجئين في مخيماتكم و مع ذلك نفضل أن ننتظر نهاية حديثه لعل هناك أمل ، يا أيها الناس إنما نحن عملاء لمخابرات سبعين دولة و عصابة و شركة أجنبية ، يا أيها الناس ليبلغ الحاضر منكم الغائب ، لقد بعناكم بقشرة بصلة لأنكم لا تساوون لدينا اكثر منها… و مع ذلك لازال هناك من يقول : لعله لا يقصد ما يقول ، بقي إصبعان حتى مؤخرة اللفافة . لنعبّها و نرى .
لا في العراق فحسب ولا في سوريا فحسب و لا اليمن ولا ليبيا ، هناك شيء ما سيحدث دون موعد مثل إعصار إيرما ، لا بد ان يحدث ، خارج أو داخل نواميس الكون و خارج أو داخل حدود إدراكنا لا ادري ، لكنه سيحدث قبل النفس الأخير من اللفافة الأخيرة من علبة الدخان الاخيرة ..

شارك
المقال السابقأفواه حرة
المقال التالىعصام المأمون : أجمل من قصر ..

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد