فسحة معرفة ( 23 ) – العقلانية الطريق الى تغيير الواقع


 

النظم المتخلفة تحاول تغيير الواقع عن طريق العضلات ، فالقوة هي الطريق الأقصر لتغيير الواقع ، هذا ما يتصوره الجاهلون، ، لذا نرى كل الأنظمة الدكتاتورية ترفض العقلانية في معالجة الواقع وتلجأ الى التعسف والعنف، مما يعود بالدمار والخراب على البلدان، وما شهدناه ونشاهده في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو نتاج ثقافة اللاعقلانية ، لذا أنتجت مجتمعاتنا داعش والقاعدة والنصرة وبوكو حرام وجماعة ابو سياف وووو …… والقائمة تطول.بالاضافة الى ظواهر اجتماعية سيئة ، ولم تكن المعالجات صحيحة فحصل العكس .
بالعقل وليس بردة الفعل يمكن معالجة الظواهر الاجتماعية والتعلم من تجارب الآخرين ، فهناك شعوب وحكومات مارست التغيير بطرق مبتكرة وذكية واستطاعوا القضاء على ممارسات وآفات تهدد مجتمعاتهم . سأنقل في هذه الفسحة تجربتين لشعبين مختلفين. لهاتين الـ تجربتين ارتباط بـ واقعنا العراقي وهما التحرش الجنسي والمخدرات . لذا اخترتهما.

الاولى : التحرش الجنسي في اليونان

كانت اليونان عام 1959 تلقب ببلد المتحرشين ، وقد وصل الأمر أن المرأة لا تستطيع المشي بالشارع بدون وجود رجل يرافقها. فشلت الحكومة في معالجة الامر الظاهرة رغم كل المحاولات التي بذلتها من خلال التشجيع على الرياضة وفتح الأماكن الترفيهية للعامة ونشر الوعي الديني فقدمت استقالتها ، وعندما أتت الحكومة الجديدة قاموا بتجريب طريقة كانت ذا نفع كبير ؛ وذلك بالقبض على المتحرش وحلق شعره صفر واللف به بالشوارع وهو يحمل لافتة مكتوب عليها أنا حمار — وفعلاً أتت الطريقة بنفع كبير على المجتمع واختفت الظاهرة. دون عنف او سجن او تعذيب او أدخال الدين كعامل معالج .

الثانية :

ظاهرة المخدرات في الصين ايام ماو تسي تونغ
عند قيام الثورة الصينية واستلام الزعيم الصيني الكبير ماو تسي تونغ كانت المخدرات تغزو المجتمع الصيني وتفتك بشبابه ، وغالبا ما كان المدمنون يتخلون عن أطفالهم أو حتى يبيعونهم ليشتروا المزيد من المخدرات, وكانت النساء المدمنات مضطرة فى الغالب للتحول إلى عاهرات ولقيت العديد منهن الموت بسبب الأمراض .
فقد استطاع هذا الزعيم الثوري ان يتنازل عن ثوريته مقابل معالجة ظاهرة خطيرة ، إذ لم تكن الثورية علاجا لها . فقد قضت الصين على المخدرات وألحقت معارك الزعيم ماو الهزيمة بجيوش المافيا الدولية بعد ثلاث سنوات فقط إذ لم يعد يوجد مدمنون ولم يعد يوجد باعة سريون ولم تعد توجد زراعة الأفيون ولم تعد المخدرات تتسرب إلى داخل البلاد بعد عام 1952بعهد ماو تسي تونغ
أخذ الزعيم الصيني ماو على عاتقه تمدن الصين وتحويلها إلى أمة عصرية قوية فبدأ بالعناية بالتعليم والتصنيع والصحة وحول النظام الاقتصادي وسيطرعلى كل أجهزة الدولة واستخدمها للدعاية, فبعد أن كانت الصين تقدس الآباء والأجداد منذ آلاف السنين أصبحت تقدس الوطن وبدأت تعاليم كونفوشيوس بالانقراض .
كيف أنهى ماو الإدمان على المخدرات؟
فقد فتح مراكز لبيع المخدرات وبأسعار زهيدة مما أضطر المدمنون ان يلجأ الى هذه المراكز ، لكن الماويون استخدموا طريقة ذكية وناجحة ، فقد صنعوا حبوب تشابه حبوب المخدرات وأقاموا بتقليل نسبة المخدر تدريجيا وبعد ثلاث سنوات أعلنوا لجميع المدمنين ان ما يتعاطونه ليس سوى حبوب عادية ليست فيها اي مخدر ،وبهذا تخلصوا من الإدمان ، وبموازات تلك العملية كان للاعلام دوره الفاعل ، فقد دعا الثوريون الماويون المدمنين ذاتهم للنهوض وكسر عاداتهم في سبيل مجتمع جديد إذ نظم الإصلاحيون الماويون التجمعات السكانية لمحاربة المدمنين والمدمنات بغاية إقناعهم وتربيتهم, وتم حرق المخدرات فى احتفالات وجرى تنظيم الأطفال فى المدارس وعملت السلطة الجديدة على إشراك الصحف والإذاعات فى مساندة الحملة الثورية . وتم القضاء على ظاهرة مخيفة بطريقة عقلانية .
اليوم في العراق هناك ظواهر خطيرة وفتاكة لكن غياب العقلانية جعلها تستفحل فبدل ان نعالج الظواهر السيئة بطرق مدروسة ، ترانا نعالجها بردة فعل وتهور، وهذا ناتج عن غياب مشروع الدولة والعقلانية معا .

لا تعليقات

اترك رد