أكل و انام و اذهب إلى الحمام …


 

نعم هكذا اعيش و ايضا أنت و كل الأناس، فلا فرق بيننا على الإطلاق.
اليوم اكتب هذا المقال لازيل القدسية التي تحيط بها نفسك.

نعم انا اعرف انت مواطن عربي، من دولة منكوبة محرومة و مضطهدة
نعم انا أعرف أن كل اجهزة المخابرات في الدول المتقدمة تسعى و تخطط ليلا و نهارا لكي تنال منك و من وطنك الغالي الشامخ ذو التاريخ العريق و الثروات الهائلة.

و كيف لا يحقد الآخر عليك؟ فأنت الذي انعم الله عليك بالدين الحق (هنا لا فرق بين العربي المسلم او المسيحي او غير ديانة) و لذا فأنت الذي يحبك الله و لذا فإنك عدو للشيطان و أعوانه.
فكل من عاداك فهؤلاء هم أولياء الشيطان و هم يسعون جاهدين لهزيمتك لأنك الأحسن. و أيضا يحللون لانفسهم سلب ثروتك و أرضك.

طبعا أنت غير مهتم البتة بما يجري من حولك في العالم، فكل الناس الذين من غير مجموعتك الدينية او العرقية او المذهبية، كل هؤلاء ليسوا حقيقيين بل وهم من صنع الشيطان اما أنت و المجموعة التي تنتمي لها فأنتم أناس حقيقيون.

طبعا إذا كنت “مثقف” ترفعت بنفسك عن الآخرين من ثقافتهم السوقية و مشاكلهم التافهة. و إذا كنت غير مثقف فأنت تستحقر المتعلم الذي يتكبر عليك بدرجته العلمية.

و إن كنت متدين، فأنت تظن بأن أبواب الجنة سوف تغلق بمجرد دخولك إلى إليها
و إذا كنت علماني فأنت لا ترى الدين إلا كحجر عثرة يجب إزاحتها عن طريق التطور.

و إذا كنت غني فإنك تظن بأن المال هو ملكك الذي لا يحق لأحد المساس به. و اذا كنت فقير فإنك لا تفكر في شيء سوى ملئ معدتك حتى و لو عن طريق الحرام ( الكسب الغير كشروع).

في كل الأحوال يكون دائما هناك عامل مشترك واحد، إلا و هو أنك تنطلق من ال “أنا” و تنتهي عندها. أنت تظن بأنك مركز الكون و تتصرف و تفكر على هذا الأساس.

لذا فإن من الطبيعي أن يبتعد الناس عن بعضهم فكريا و يختلفون سلوكيا و لا يمضي وقت طويل إلا و ينشب النزاع. و طبعا تكون انت متأكد تماما من صحة رأيك مهما كان، و كذلك يفعل الإنسان الآخر بالنسبة إليك.

هذا كله مرتبط بالحالة التي يعشها عالمنا العربي في الوقت الراهن. فنحن متأخرين في اغلب الجوانب الحياتية و حتى الدينية. و يمضي الوقت و نظل على حالنا، بنفس الحلول والأفكار و المفاهيم و ايضا نفس النتائج المخيبة للامال.
المشكلة الكبرى هي أننا حبسنا عقولنا في جماجمنا من دون السماح للافكار بالولوج إليها، و إنما تقوقعنا في داخل افكارنا المتحجرة بمحاولة يائسة للحفاظ على كياننا مهما كان ذلك الكيان مهتريء.
و على هذا الأساس، نتوارث جهلنا و فشلنا و نقدسه على أنه جزء لا يتجزأ من كياننا.

ولكن إلى متى يستمر هذا؟

ألم يحن الوقت للتوقف و النظر الى انفسنا بشكل مجرد؟
نعم، أنظر إلى نفسك بالمرئات، انت انسان عادي، لست على حق دائما و لا تحيط بعلم مطلق. و أيضا قنواتك المعرفية كلها على شاكلتك، فلا ضمان من أن ما تظنه “حقيقة” هي بالأساس رأي شخصي يمكن أن يكون غلط.

نحن كشعوب عربية متأخرة ليس للاسباب التي هي شائعة، فلا وجود “لمؤامرة كبرى” تحاك لك و لشعبك. و ايضا ليس هناك وجود رابط بين التعليم و التنوير، فلا تستعلي يوما على الإنسان الغير متعلم، فلربما لديه نظرة لم تكن تراها و لا تنسى أن طريق المعرفة لا نهاية له، فلا تتكل على مرتبتك العلمية (د. فلان الفلاني)، فكلما زدت في العلم عرفت انك تفتقر الى التعلم اكثر.
نحن شعوب متأخرة ليس لشيء بل فقط لأننا نقدس الجهل و ننبذ التنوير، و هذا بدافع الدفاع الفكري عن النفس.

ما أود قوله في هذا المقال أننا يجب أن نزيل مرتبة القدسية عن أنفسنا و عن غيرنا (بالجانب الفكري)، و أعني أن نزيلها من الداخل من دون تبجح أو إعلان عن هذه الخطوة. يكفي فقط أن نغيير من موقعنا الفكري بالنسبة للآخرين، استمع إلى الرأي بشكل حيادي بحت و كأنك ورقة بيضاء خالية من أي كتابة. عندها فقط يمكن للعقل أن ينفتح على العقول الأخرى و عندها فقط سوف يتاح للأفكار أن تنتقل و تتطور و تثمر.
انت لن تسعى الى التطور إلا اذا ايقنت بنقصك. فقط عندها تحدد منزلتك الطببعية كإنسان عادي، عندها فقط سوف يكون لديك منطلق نحو التقدم و التنوير.

هناك حكمة بوذية تقول: عندما تتكلم فأنت تردد ما تعرفه و لكن عندما تسمع فهناك احتمال ان تتعلم شيئ جديد.

لا تعليقات

اترك رد