كيف ومتى تنجح الخطة الأممية لإنقاذ ليبيا؟


 

«لقد عانى الليبيون طويلاً، ويستحقون السلام والعيش بسلام في ديمقراطية وفي ازدهار»… بهذه الكلمات تحدث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن ازمات ليبيا، والتي تصدرت كلمات أغلب الرؤساء التي قيلت في اجتماع الجمعية العامة للأممالمتحدة.
وخلال هذا الحشد الدولي، قدم المبعوث الأممي إلى ليبيا، اللبناني: غسان سلامة، ما أسماه خريطة طريق من ثلاث مراحل من أجل حل أزمة ليبيا والانتقال بها من حالة “التيه” السياسي إلى دولة مؤسسات تكون الكلمة للقانون والدستور.
وقبل تقديم هذه الخارطة، أكد سلامة أن “لليبيا قدرات كبيرة، ولمواطنيها الحق فيمستقبل باهر”، وهذه حقيقة كون هذا الشعب عانى كثيرا وقارب على فقد الثقة في كل الساسة الذي أخفقوا في تقديم ما يجعل الليبيين غير نادمين على ثورتهم ضد القذافي.
وتشمل خطة الأمم المتحدة بخصوص ليبيا، ثلاث مراحل: الأولى تتلخص في: تعديل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية نهاية 2015، وذلك باجتماع للجنة المكلفة بهذا التعديل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة برعاية الأمم المتحدة.
والمرحلة الثانية من الخطة تتمثل في عقد مؤتمر وطني تحت رعاية الأمم المتحدة لدمجالفاعلين على الساحة الليبية، وإقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادهافي العملية السياسية والحياة المدنية، ومعالجة قضية النازحين داخليا.
ومرحلة الخطة الثالثة تشمل إجراء استفتاء لاعتماد دستور جديد في غضون عام، ماسيفتح الباب أمام انتخابات عامة في ليبيا تسفر عن رئيس وبرلمان جديد.
..هذه هي خطة سلامة بخصوص ليبيا، وهنا نطرح بعض الملاحظات والتساؤلات:
-قوة هذه الخطة تكمن في دلالة توقيتها ومكان طرحها، فالأول يدل أن الأمم المتحدة فاض بها الكيل من كثرة المبادرات ولغة “التحايل” على أطراف النزاع الليبي، ومن ثم كان لابد من تقديم “وجبة” جاهزة لهؤلاء المتعنتين، أما المكان وسط هذا الحشد الكبير فله عدة رسائل: أن الخطة مدعومة من الدول الكبرى، وعلى الدول الاقليمية المتحيزة لطرف واحد مثل مصر والإمارات (تحيزهما لقائد القوات المسلحة التابعة للبرلمان المشير خليفة حفتر) أن تسير في ركب الأمم المتحدة وفقط وأن تنتقل من دور المتحيز إلى دور الوسيط.
-هذه الخطة جاءت بعد عشرات اللقاءات التي عقدها سلامة في الداخل الليبي، وتصريحه أنه التقى بمئات الشخصيات الليبية المتنوعة، ما يعني أن الخطة عبارة عن خلاصة استنتاج للقاءات السياسي اللبناني المخضرم غسان سلامة بناء على قراءة جيدة وقريبة للمشهد، ما يدل أن الخطة يمكن وصفها بالواقعية أو القريبة من الواقع.
-لغة طرح الخارطة يؤكد إصرار الأمم المتحدة وداعمي خطتها من الدول الكبرى على إنهاء “الصداع” الليبي وغلق هذا الملف الشائك، ولسان حال الخارطة أن “المتعنت والرافض للسلام هو خارج اللعبة وعليه أن يحاب الجميع”.
..هل ستنجح؟
والسؤال الهام هنا: هل ستنجح هذه الخطة؟ وبدقة أكثر: كيف ستنجح؟.
..الإجابة كانت يمكن أن تكون بسهولة جدا.. أن هذه إرادة الليبين.. وهم من سيقررون ذلك.. وخاصة من يتصدر المشهد الضبابي من ساسة وعسكريين.. لكن الحقيقة ليست بإرادة الليبيين فقط سيكون نجاح أو فشل الخارطة.. لأنه يبدو أن الأمم المتحدة ودولها الكبرى قد نفد صبرهم.. ولا مانع من ممارسة ضغوطات أو حتى “صفقات” من أجل حسم الملف الليبي.
وستنجح الخطة، إذا:
-تم التواصل مع جميع الفاعليين الرئيسيين في المشهد وعدم تهميش أحد فعليا.
-قدرة المجتمع الدولي على إقناع أعتى الأطراف تشددا بقبول هذه الخطة، ومن أهم هذه الأطراف، السياسية: تتمثل في رئيس البرلمان الليبي المستشار عقيلة صالح والذي قد يعرقل عمل لجنة التعديل أو يتعنت في موضوع الاستفتاء على الدستور أو حتى الانتخابات، وكذلك بعض الساسة في الغرب الليبي ومنهم رئيس المجلس الأعلى للدولة والذي رفض مؤخرا قبول وجود “خليفة حفتر” في قمة الكونغو الأخيرة.
وعسكريا: يعد المشير حفتر أكثر الأطراف تشددا في قبول هكذا مبادرات، وإن كان أظهر بعض المرونة مؤخرا (لأي نتيجة..ضغوطات دولية..إقناع إقليمي) في لقائه برئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج، وبعض الزيارات التي أجراها إلى تونس وقبوله لفكرة الانتخابات في 2018، لكن يظل إقناعه بالخطة الأممية والانتقال إلى دولة مدنية أمرا ليس بالسهل، لكن يبدو أنه سيضطر للقبول بعد التغيرات التي طرات على المواقف الدولية تجاهه.
-وكذلك الأطراف العسكرية في الغرب الليبي وخاصة مدينة مصراتة الرافضة لوجود حفتر على رأس المؤسسة العسكرية، والتي دائما يرى بعض قادتها أن هناك تدخلات دولية وإقليمية لفرض حفتر على المشهد، إقناع هذه الأطراف امرا مهما أيضا، وضرورة دمجهم في مؤسسة عسكرية واحدة وإبعادهم عن التجاذبات السياسية.
..أيا ما تكون ردود الفعل حول خارطة “سلامة”، لكن يظل ناقوس الخطر يدق على أبواب الليبيين من أجل إنقاذ سفينتهم والانتقال ببلادهم غلى دولة مدنية متطورة تقبل الآخر وتعمل من أجل المواطن وسلامته وحريته.. وهذه أبسط حقوق ليبيا على أبنائها.

المقال السابقالروهينجا ونحن .. مأساة انسانية ام اسلامية
المقال التالىكواهل النساء ووشاح العنف الناعم
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد