أثر الفن في التدمير


 

يؤسفني أن أحمل الفن المسئولية الكاملة فيما وصلنا إليه من إنحدار في السلوكيات , وفي الذوق العام . نعم الفن هو المسئول الأول . مثلما كان المسئول الأول في الستينات في دفع عجلة التنمية والتطور , وإلهاب الروح الوطنية وغرس القيم والخلق والمبائ .
لا أعترف إطلاقا بأن الإنسان يتأثر بأشياء كثيرة منها الفن , لكن المقولة الصحيحة الشعب المصري يتأثر بأشياء كثيرة أولها الفن , وعلي رأسها المسلسلات والأفلام التي قدمت أخيرا في السينما المصرية والتلفزيون , وخاصة القنوات الفضائية .
إن إنعدام الرقابة أو تقليص دورها كان له أثر سلبي جدا علي الفن وعلي المجتمع , لأنه وببساطة شديدة الناس تميل إلي التقليد دون تفكير هل هذا المعروض هو صحيح أم خطأ .
ولسبب آخر أن المجتمع المصري والعربي بصفة عامة أصبح لا يقرأ . فنادرا ما تجد شخص يحب قراءة قصة أو حتي جريدة . والمجتمع العربي كذلك حيث أن تسعة وتسعين بالمائة منه يميلون للسماع والمشاهدة .
فلا أتعجب عندما تصدر قوانين في دولة تونس تغير من الشريعة الإسلامية وتخالف القرآن , وذلك لأنهم زرعوا قبل إصدار تلك القوانين في أدمغة الشعب الفكر العلماني والمساواة الغير حقيقية . فأصبح تقبل الشعب لتلك القوانين عادي جدا , بل وأصبح يطالب بها .
لقد شاهدت منذ أشهر الفيلم المصري ( الخروج من القاهرة ) بطولة النجم محمد رمضان , وحقيقة أنا أرفض هذا الفيلم جملة وتفصيلا , حيث أنه لا يتواجد في المجتمع المصري إطلاقا , وحيث أنه لو أريد به التقريب بين طرفي المجتمع ( المسلمين والمسيحيين ) فأنه لن يحدث هذا التقارب , بل بالعكس سوف يؤدي إلي حدوث حروب أهلية .
لأننا كمجتمع مصري نشأنا مع أخوة الأرض نحترمهم ونقدرهم ولكن لا نفكر في الإرتباط بهم في زواج لأن ديننا ينهي عن ذلك . وقد كانت فكرة الفيلم تقوم علي إزالة الفوارق والتي هي الأديان والتعامل دون تحريم وتحليل لأي سلوك .
وصراحة خيرا فعلت الرقابة عندما منعت عرض الفيلم . وكذلك تم عرض مسلسل لبناني بطولة الممثلة نادين نجيم والممثل يوسف الخال في ( مسلسل أجيال اللبناني ) وكان المسلسل أيضا يطرح نفس الفكرة زواج المسلمة بغير المسلم .
وأعتقد أن مثل تلك المسلسلات مع عدم الوعي الديني والتقصير في الحصول علي المعلومات الدينية , سوف يجعل المجتمع في تخبط وقد يخلق مشاكل لا حصر لها .
لذا فإن للفن دور كبير وعظيم في صنع القيم والمباديئ والسلوكيات , فيوما ما أرتفعت أم كلثوم بذوق الشعب المصري في سماع الأغنيات بالرغم من وجود أغاني هابظة مثل ( الطشت قالي )( ويا حبيبي تعالي بالعجل ) فأخذت أم كلثوم المستمعين إلي الرقي وحتي الغير متعلمين كانوا يسألون عن معني كلمات أغنياتها العربية والتغني بها , ولم تقل هذا ما يريده الجمهور .
وعندما غني عبد الحليم حافظ للسد العالي حول السد في عيون كل المصريين لهدف قومي , وإستطاع أن يوقظ الهمم وأن يشعل الحماس للدفاع عن الوطن بأغانيه الوطنيه , حتي الأغاني العاطفية كانت جميلة وذات قيمة .
عندما كانت تقدم سينما الخمسينات والستينات وأوائل السبعينات كانت تطرح الكوميديا المهذبة , والدراما ذات الهدف التي تقدم قيمة والأفلام التي تعلم معني فداء الوطن والتضحية من أجله . أما الافلام الإجتماعية فكانت تناقش المشكلة وتضع لها الحل .
أما الأفلام التي صدرت مؤخرا بدعوة الواقعية كانت أسوأ ما قدمت السينما المصرية , كانت تتحدث عن شريحة في المجتمع لا تمثل من المجتمع عشرة بالمائة , ولكن كانت الأفلام تجعلهم وكأنهم التسعين بالمائة , وتتحدث عن إنحرافاتهم تحت السلم وفي الحواري , وكأن المجتمع المصري كله كذلك , فقام الشباب بتقليد هؤلاء القلة , وفسدت أخلاق الشباب . وإنتشرت الجرائم وخرق القانون , والمعاملات السيئة .
ثم بعد ذلك نريد محاربة الجريمة والتي أنتشرت بصورة غير مسبوقة , حيث إزداد القتل والثأر والضرب والدماء تقليدا لما يراه الشباب علي الشاشات الكبيرة والصغيرة .
كما أن مدرسة المشاغبين المسرحية المأخوذة عن قصة فيلم أجنبي , وبالرغم من عرضها بالخارج لتناقش التقريب بين المعلم والتلاميذ ومعالجة الفجوة بينهما , عندما عرضت في مصر كانت وبالا علينا , لأن التلاميذ والطلاب قلدوا ما حدث تقليدا أعمي , ولأن المدرسين ما فهموا همزة الوصل بين التقارب والإحترام وبين التنازل وعدم الإحترام وإزالة الحواجز .
منذ شهر عندما كنت أستقل تاكسي بالقاهرة سمعت أغنية أعتقد علي إذاعة راديو مصر , كانت كل كلماتها يبدوا أن كاتبها عامل معمار فيتحدث عن المشاعر التي تشال بالونش , مثل أقول لك هش واشيلك بالونش .
فإذا كان هذا المؤلف وجد من يلحن له كلماته ومن يغنيها , فلابد أن تكون هناك رقابة لما يقدم للمستمعين .
ما أقصده أن الفن يبني مجتمع وينشئ جيل قوي أو يهدم مجتمع وينشئ جيل ضعيف مهزوز . أنا شخصيا أحمل الفن في مجتمعنا كل ما يحدث , لأن مجتمعنا للأسف يجعل الفن والسينما والتلفزيون هو المعلم الأول , وإن كان ذلك خطأ في تركيبة المجتمع وأولوياته وإهتماماته ولكنها الحقيقة . فأرجوكم أرتقوا بالفن من أجل مجتمع راقي .

لا تعليقات

اترك رد