تمثال على شاكلة الوهم

 
الصدى-تمثال
لوحة للفنانة ميسون أنيس

اللحظة العربية الرّاهنة تمأسس للانهيار والخيبة رفيقة اليأس، لأنّ عناصر حركة الواقع تشي ببقايا الأمل وتكرّس هلام العزوف عن الاستمرار في ضخ الحياة ذاتها بماء الدّيمومة. الصّور التي يتواصل توزيعها عبر وسائل الإعلام لضحايا الملهاة العربية دليل على أنّ العقل العربي أصبح رهين الموت وباحثا عن بدائل أخرى لها كي يغدو الخريف مرادفا للوجود والرّبيع فاكهة للذّات العربية وهي تتذوّق حلاوة الإطلالة على مفردات الغيبة الكبرى، الحرّية والعدالة والديموقراطية، لكن المنزلقات كانت خطيرة إلى درجة أنّ الوعي لم يستطع أن يتنفّس الحاضر، فتشاركا في الغياب.

إنّ صورة الطفل الغريق الذي أسلم الرّوح على عتبات اللامبالاة العربية بالوضع العالمي والسّياسات التي تريد من القرية العالمية أن تكون صورة من صور لا وجود الكينونة إلا ما تعلق بالحضور الصوري، وبالتالي يصبح الألم الوجودي نوعا من الفكاهة الضّامرة، والتّيه عنوانا للشّتات المحتوم الحافل بالرّزية المبجّلة.

تشكّل المأساة في مجراها التّاريخي مادّة العطف المكابر، والمتاجر بالألم المدروس سلفا لتغذية الطموح في امتلاك مسارات العالم المكثّفة بالعرق والدّم والتّعب الوجودي وموت الحلم العربي. إنّ صورة الموج وهو يتقاذف جثّة الطفل ليست في النّهاية سوى تعبير عن تفكك عناصر البراءة التّاريخية التي ترمّم وجه الحاضر وتحفظ ماءه عند مداخل التّاريخ الحضاري الحافل ببعض المنجز، وتكرّس الإحساس بالفشل التاريخي في تصوّر الزّمن بمادّته الرّمادية، المعلّقة على البدايات التي تمثل الاستمرار في مجرى التاريخ والواقع، فالزّمن هو وجه المستقبل الذي تحرّر تقاطيعه الطفولة كفاصلة في مقام الإقلاع، وتقدّم صورة جحافل اللاجئين الذين تكتظ بهم محطّات النّهايات المشئومة الإعلان الواقعي على إفلاس الذّات الكونية من الشّهامة الإنسانية والضّمير الخالص، لأنّ الإعلام ليس محايدا عندما يبادر إلى تكريس مناخ ما، إنّه بذلك يقلد واقعا ما، بما يساهم في تثبيته ومنحه الضّوء الأخضر لممارسة غلبته التي لا تروم في النّهاية سوى طحن الضّعيف ونحت هالة القوي وفق ما تقتضيه الضّرورة والحاجة التي تتطلبها السّياسات الكبرى لخطابات الهيمنة.

تزدحم الأشياء في متاهات تفكيرنا، وتختلط المشاعر داخل وجداناتنا، ولا نملك سوى هذه الفورة من الغضب على ما آل إليه الوضع العربي، لقد تشتّت الشّعب العربي وانقلب الحلم القومي على أوّل ساحر أذاع به، وتفكك المجتمع العربي بطغيان الإحساس بالطائفة والمذهب، وغاب الأفق في عتمات الرّؤية، وانقسمت الذّات العربية على نفسها محمّلة بعبء الماضي، فتبادلت سهام الاتّهامات، وتناحرت عند مدخل الخديعة والبداوة، فانهارت أثار الوعي وصار الحاضر تمثالا يعلّق العقل على عاتقه فأسا، ولا يثير ذلك سؤال المرجع، فالذّات غامرت داخل أنساق الضّلال الوجودي القابع عند ظلال مغارة اللاحضور، فهل صار وجودنا تمثالا على شاكلة الوهم؟

كم يمكن أن يرفع المدى العربي صوته ويرخّم من حنجرته كي يرسم أفقا للحلم، كل ما يمكن أن يكون حياة على وجه الأرض، يمكن أن يكون بالضّرورة مسارا لتاريخ الحلم المعبّأ بالحب، لا يمكن أن نغفل “اسم الوردة”، ولا يمكن أن نرمي ورقة في سلّة المهملات دون أن نعي ما تحمله، هل يمكن أن نتخلى عن الذّاكرة؟

الوضع العربي رغم فقدانه الذاكرة راهنا، لأنّه تم وبكل وحشية إعدام وجه المدن المبتسمة في وجه الشّمس والتاريخ، حلب راحت ضحيّة نزوة، بغداد قضت عند عتبات الغيرة من مدن تتوضّأ في مغاسل التاريخ، عدن.. صنعاء.. لكن… لكن حلم ما في أفق العتمة يبرق وينادي على نَفَس أخير في آخر زقاق العتمة كي يصيح كما صرخ امبيرتو إيكو في اسم الوردة: “كل الأشياء تندثر ولا تبقى سوى الأسماء”، وكذلك سوف ترمّم الجراح لون صفار نهايات الحلم وتقذف بالأسماء إلى الخضم الماثل بين النّار والورد وتعيد تسمية الأشياء من ذاكرة الشّعر والصّحراء، فالموت لا يندفع نحو الأمداء البعيدة سوى عندما تتفكك سكرة الحياة عند التجلي الوجودي المجيد..

لا تعليقات

اترك رد