مكتبات


 

مع العودة المدرسيّة تشهد فضاءات المكتبات حركة لا مسبوقة للبيع والشراء يندر أن تحظى بمثلها على امتداد السنة الدراسيّة. إنّه موسمها .موسم خامس للفصول . هي التي ألفت عزوف الناس عنها أو ما شابه العزوف في سائر الأيّام.
تتراصّ المكتبات بالآباء والأمهات والتلاميذ. أتوا محمّلين بقوائم للوازم مدرسيّة ظنّت المدرسة أو توهّمت وأوهمت أنّها من لوازم المعرفة التي لا غنى عنها.لوازم تتحرّك الحاجة إليها بين ما لا غنى عنه وما يجب اقتناؤه ،وبين ما يحسن اقتناؤه. يضيف إليها الآباء والأمّهات نوافل هي الرغبة في الحصول على ” السلعة ” في أفضل جودة أو أبخس سعر..تاتي القوائم وقد حفّت بها الاشتراطات. ويتزاحم الآباء والأمّهات وقد ألقي في روعهم أنّ المعرفة تبدأ من هناك والمدرسة تبدأ من هناك. يمعن المقتدرون منهم في تدليل أبنائهم.ويقتنون من لوازم المدرسة ما لا عين رأت .وقد أمعنت الشركات المنتجة في الشّطط بعيدا وهي تنتج تلك اللوازم و تتفنّن في ألوانها وأشكالها وتضفي عليها من المعاني ما شاءت.هذا قلم متعدّد الرؤوس،هذه ألوان برّاقة ينعكس عليها الضوء فتشعّ، هذه مبراة في شكل حيوان محبّب، هذه ممحاة بواجهتين كلّ واجهة تنفع لنوع من أنواع الخط،ّهذا بركار زجاجيّ والآخر معدنيّ أو من بلاستيك،هذه منقلة شكّلت فيها الصورة خلفيّة للأرقام ،هذا كرّاس من ورق عاديّ والثاني من ورق فاخر ….
هذه حقائب وحاملات أقلام ومساطر حملت صور أبطال قصص وأفلام أحبّها الصغار أو شاهدوها وأحيانا أبطال تاريخ لا يعرف الأطفال أكثر من أسمائهم.. يمكن لشي غيفارا أن يُحمل على الأعناق في حقيبة للمراهقين وقد صار أيقونة وإن خفي رمزها عن الكثيرين منهم.
هناك في المكتبة يبتدئ التمايز الاجتماعي على أشدّه وقد بدأت الهويّة الجنسيّة تتّضح عند البنات والأولاد.تختار البنات الألوان الورديّة وحقائبَ وحاملاتِ أقلامٍ وحتى كرّاسات موّردة أو عليها صور بطلاتهنّ باربي وفلّةوساندريلا…ويختار الأولاد ألوانا أخرى رمادية وسوداء وزرقاء لرموز قوّة غالبا أمثال سبايدرمان وباتمان .. تتحدّد هذه الهويّة الجنسيّة وقد صنعها الإعلام واستثمرتها الشركات المنتجة وسمح لها أن تــُكوّن معايير الطفل وتصبججزءا من التربية .
وفي المكتبة يتعالى تمايز آخر أساسه امتلاك المال من عدمه.يبذل الأغنياء والكثير من أبناء الطبقة الوسطى الغالي والنفيس وهم يلاحقون آخر ما طرحته الشركات المنتجة وقذفت به في المكتبات..يلاحقون تطور الأدوات المدرسية وقد أصبحت تقليعة.تقودهم في ذلك رغبتهم في إسعاد أبنائهم معتقدين عن حقّ أو وهم في دور تلك الأدوات المدرسيّة في التحفيز على المعرفة .وفي الضفة الأخرى تتضاءل قوائم الفقراء تنزوي كمّا ونوعا.وقد اكتفوا من الأدوات المدرسيّة بالكفاف،ككفاف يومهم وعيشهم. لا يشترون منها إلّا ما لا نزول عنه من أساسياّت طلب العلم..بعض كتب وبعض كراسات وبعض لوازم مما لا غنى عنه أو أقلّ قليلا. بلا بهرج ولا صخب.
وليس المحدّد هنا حبّ الأبناء، ففي الأبوّة يستوي الغنيّ والفقير. المحدّد كم يمكن لتلك الجيوب المثقوبة أن تنفق على المعرفة أو تستثمر فيها وقد تحوّلت استثمارا وأماني معقودة على الأبناء في غد أفضل..
في تلك المكتبات تتداخل المعرفة والبعد الاستهلاكي. ويزول الفاصل أو يكاد بين ما تقتضيه المعرفة من لوازم وما تقتضيه لوازم السوق من ربح. ولا أحد يعرف تحديدا أين تنتهي وظيفة الأداة المدرسية ويبدأ العقل الاستهلاكي.
كلّ هذا يحصل في ذلك الفضاء الصغير المسمّى مكتبة. يخرج الصغار وقد تفرّقوا شيعا. يقصدون مدرسة يــُفترض أنّها توحّدهم. يذهبون وقد اتّسع الهامش . هامش يبدأ من شكل الحقيبة ولونها وسعرها وينتهي عند القسم حين يبدأ الدرس وتصطفّ الأدوات على الطاولات..
لا يفهم الطفل الفقير سرّ الاختلاف والتمايز . لكنّه يحمل كدمات في النفس والروح لأنّ مدرسة آوته ولكن لم تحسن صون طفولته عندما سمحت لسقف الاختلاف أن يكون مشطّا. مدرسة لن تــُخرّج الأجيال التي نحلم بها تماما طالما أنّ بيئتها الحاضنة بعيدة عن العدل.

لا تعليقات

اترك رد