شعرية النقد

 

إن للنقد شعريته كما للشعر شعريته ومتعته الجمالية، وهذه الشعرية تتأتى من جمالية اللغة النقدية التي يكتسبها الناقد بعد خبرة طويلة في التركيب والتحليل والاستقصاء والإمتاع الكشفي، وهذه الخبرة الجمالية التي يمتلكها الناقد في كشف الظواهر والقيم الجمالية بلغة ماتعة هي ما يحقق للدراسة النقدية شعريتها وألقها وسحرها المدهش.
فكما للشعر سطوته الجمالية، فكذلك للنقد سلطته الجمالية التي تجعل النص الشعري يكتسب قيمته وأهميته، يقول الناقد علي جعفر العلاق:” إن القصيدة عمل خاص جداً، لا تذهب إلى الآخرين دائماً. ولا تفتح مغاليقها لهم جميعاً،وفي كل وقت، فهي ليست أغنية، أو حكاية، أو إعلاناً. بل هي عملٌ غائمٌ ومشعٌّ في آن واحد؛ ولذلك فإن ما فيها من ضوء يظلُّ كامناً أو مؤجلاً في انتظار قارئ مرهف؛ لا قارئ عام، قارئ قادر على إحداث ذلك التماس المقلق بينه وبين النص، وليس كل القراء قادرين، بطبيعة الحال على الوصول إلى نقطة التماس تلك: حيث مكمن الضوء ، أو الرعد، أو الإثارة. وهكذا ، كلما ازدادت القصيدة إحكاماً أو تعقيداً قلَّ عدد قرائها المتميزين؛أعني القادرين على الوصول إلى نقطة الاندماج بالنص وتفجير مكنوناته الفكرية والوجدانية والبنائية. وتأسيساً على ذلك، يظل عدد المرهفين،من قراء الشعر، قليلاً في العصور كلها، فالشعر ، كما يقول الشاعر الأمريكي اللاتيني( خوان رامون جيمينز) هو فن الأقلية الهائلة”(1).
وهذا القول – على مافيه من تشكيك- يبدو صحيحاً ، لأن الشعر حقيقة فن الأقلية العظمى، والقليل من يتذوق الشعر،ويدرك مراميه وقيمه الجمالية وتقنياته المؤثرة، فالإنشائية لا تصنع نقداً جمالياً،وإن انساق الكثير منا إلى دراسات (الناقد يوسف سامي اليوسف) الذي غلبت عليها النزعة الإنشائية الراقية،واللغة الرشيقة، فشعرية النقد ليست في إنشائيته الماتعة بقدر ماهي في المكتفات الخلاقة المبدعة،وبهذا المعنى المقارب يقول العلاق:” إن أدبية النقد لا تعني إنشائيته، أو غرقه في لغة الانطباع، أو الخاطرة، أو الرأي المنفعل. ولا تعني الاحتفاء بما تقوله النصوص أو التغني بحمولاتها الفكرية، ومن ناحية أخرى فإن عملية النقد لايقصد بها جفافه، أو خلوه من بلل الذات، وهي لاتعني تجنب الاحتكاك بالنصوص أو التماس مع شحنتها الخطرة. بل تعني ارتفاع الناقد إلى أهوائه وانحيازاته، وتعني أيضاً إقباله على تلك النصوص مدفوعاً بقوة الوعي وتوهج الروح معاً”(2).
وبهذا التصور الدقيق، نقول: عن شعرية النقد ، أو أدبية النقد تتحدد بمكتشفات الناقد للنص المنقود، ومدى أهمية هذه المكتشفات في الإضافة إلى النص،والإرتقاء به إبداعياً؛ فليست من مهام الناقد تشويه النص ومسخه، أو الحط من قدره ومصدر كفاءته، فهذه تنأى بالناقد عن مهمته الإبداعية الرئيسة، وهي اكتشاف المضمر فيه، ومحاولة التغلغل إلى أعماق النص،وتفكيك جزئياته للخلوص إلى رؤية جديدة وقيمة جمالية أو حكم نقدي جديد، فالناقد الحق يكتشف ماخفي من النص لدرجة يكتشف مالا يراه الشاعر المنتج للنص ذاته،وهذه الكفاءة هي التي تجعل النقد شعرياً أو أدبياً، يقول العلاق:” تتجلى أدبية اللغة النقدية في مستوى آخر هو أنها ليست أداة نفعية. قد تكون كذلك في أحيان نادرة لكنها تظل دائما جزءاً من الطقس النقدي،وعنصراً فائق الحيوية من نسيجه،وبذلك،فهي ليست ذرائعية،جاهزة لتحقيق خدمة ما. وهي أيضاً ليست وسيلة محايدة،تنتهي الحاجة إليها بعد أن تنجز هدفها الأساسي أو الوحيد: أعني التعبير عن الموقف النقدي، أو نقله، أو إيصاله. لهذا كله لابد من أن تزدهر في هذه اللغة ذات الناقد، لا بمعنى الانحياز، أو الميل، أو الهوى، بل ذاته التي تنغمر في موضوعها، وتستدرجه إلى الداخل: تسقط عنه خارجيته، وتتلبسه، وتتماهى معه، لتكشف عن شحنته الداخلية، وما يحتمل في داخله من أهواء،وذوات، ورؤى. وفي هذه الحالة لا يعود النص الأدبي مجرد أبنية وتكوينات لغوية فقط، بل شبكة من الدوال التي تستفز الناقد،وتُستفز به أيضاً،فيشتبك معها في منازلة حميمة خصبة”(3).
فالناقد الحق لابد له من لغة تميزه، وهذه اللغة هي التي تجعله يقترب من حساسية الشاعر ،من حيث البلاغة والقيمة والأثر الجمالي المقنع في كل مكتشف نقدي، أو رؤية نقدية، وهذا يعني أن الناقد الحق يمتلك أعلى القيم البلاغية في كشفه للظواهر ومعالجتها بلغته المتفردة التي تخصه وحده دون سواه،وقد أشار إلى ما أكدنا عليه العلاق قائلاً:” أنا لا أرى النقد الحق إلا بوصفه نشاطاً لغوياً من طراز خاص؛ فالعملية النقدية لا تفصح عن ذاتها إلا من خلال اللغة،وفي اللغة أيضاً. وبدون لغة جذابة وثاقبة لا يستطيع الناقد مهما كان وعيه النقدي عالياً، أن يجسد موقفه من النص وانفعاله به تجسيداً بارعاً ومؤثراً، وبكلمات أخرى؛ فإن الناقد يظل، بدون هذه اللغة الخاصة، ناقداً بالقوة أ كثر منه ناقداً بالفعل، ويظل مسعاه النقدي مشاريع ، أو محاولات، أو نوايا نقدية أكثر منها إنجازات مكتملة”(4).
وهذا يعني أن الكفاءة النقدية العالية لا تتأتى إلا من خبرة جمالية في التشكيل ناهيك عن الموهبة الخلاقة واللغة والصوت الخاص الذي يميزه عن غيره من النقاد، فكم من ناقد قد ماتت لغته واضمحلت ولم يستطع أن يترك بصمته النقدية الخاصة، وهذا القول يؤكد ما ذهب إليه العلاق قائلاً:” لابد للناقد الحقيقي من نبرة خاصة، أعني صوتاً شخصياً يدل عليه، ويميزه عن سواه،ويفصح عن اهتماماته: صياغات،وأبنية، ورؤى، وهكذا، فإن أدبية النقد، تتجلى،بشكل ناصع، في امتلاك الناقد صوته الفردي المميز، وكما تدل القصيدة على صاحبها فإن لغة الناقد المتفرد تكشف عن شمائله التعبيرية،وميوله ولوازمه التي يجد أنها أقدر من سواها على بلورة نزوعه النقدي، أو منحاه في التأمل،والكشف، والتحليل. ومن ناحية أخرى، إذا كانت القصيدة،مثلاً تجسيداً لغوياً للحظة إنسانية خاصة فإن العمل النقدي،وبمعنى من المعاني، قبض على تلك اللحظة اللغوية،ومحاورتها والارتقاء بها،ومعها من التأمل إلى الوعي،ومن الوعي إلى التجسيد، أو من العماء إلى التشكل”(5).
وبهذا المعنى، نقول: إن أدبية النقد تتمثل في كل ما يجعل من الممارسة النقدية قيمة جمالية في الكشف والمغامرة وبلاغة الاستنتاج،ولا عجب أن القليل من الممارسات الشعرية ما تحقق شعريتها ليس بلغتها الإنشائية الجياشة الموهومة كما في دراسات الشعراء أنفسهم التي تطالها اللغة المشرئبة بالإنشاء والإطراءات الزائدة، فهذه لا تصنع لغة نقدية مؤثرة، أو ما أسميناها ب(لغة نقدية شعرية أو شاعرية)، فمسألة شعرية النقد لا تقتصر على اللغة الجذابة التي يبتدعها الناقد ليجذب القراء إليه مشفوعاً بلغته الأدبية الراقية،كما لاحظنا عند الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف التي نالت دراساته الشريحة الكبرى من جمهور قراء الشعر والشعرية، فهذه الدراسات رغم استحسانها عند البعض لاتشكل ما أسميناه ب( شعرية النقد)، فالشعرية النقدية ليست في المتعة والمجاذبة اللغوية بقدر ما تكمن في المهارة والحنكة في اكتشاف الحكم النقدي والتدليل عليه.
ونخلص أخيراً إلى القول:
إن شعرية النقد فهمها الكثير من نقادنا ومبدعينا فهماً خاطئاً حتى هذا الفهم طال ناقدنا العظيم علي جعفر العلاق وناقدنا الفلسطيني يوسف سامي اليوسف،وحتى ناقدنا الجليل صلاح فضل، فالجميع صبوا آراءهم حول شعرية اللغة، والرشاقة والسلاسة في إصدار الحكم النقدي حتى ولو كان الحكم النقدي مغلوطاً، فالنقد لايكتسب قيمته إلا من شعرية مكتشافاته وعمقها فالكثير من دراسات الناقد الجليل صلاح فضل إذا ما استثنينا كتابه ( أساليب الشعرية المعاصرة) تبتعد كل البعد عما أسميناه ب( شعرية النقد) إن دراساته تنطوي على المقارنات، والمحاججات التنظيرية التي لا تستحوذ على أية قيمة شعرية، فالنقد الحقيقي فن جمالي ككل الفنون الجميلة، فالذي لا ينظر إلى النقد كفن وممارسة كمن يتحدث عن الفحولة وهو عنين- رحمك الله يا ناقدنا الفذ خليل موسى- الذي أدرك اللعبة النقدية وخلق من لغته الشعرية لغة نقدية مدهشة، واستطاع أن يغير من مسار الخريطة النقدية في سوريا، بدراساته الجمالية التي أهمها ماثلة في كتابه جماليات الشعرية، والقليل القليل من نقادنا من أدرك ذلك واعترف للرجل بأهميته عربياً فيما أسميناه ب( شعرية النقد ).
وصفوة القول: ما زالت دراساتنا النقدية على المستوى العربي تفتقر إلى ما أسميناه ب( شعرية النقد)، لأن شعرية النقد عكس شعرية القصيدة وإن اتفقتا في الجانب العام ، فإنهما تختلفان في الجانب الخاص، فلغة النقد تكمن شعريتها في دقة الحكم النقدي، وبراعة الاكتشاف النقدي في حين أن شعرية القصيدة تكمن في تجاوزها الفني، ورؤيتها الخلاقة، وصورها المبتكرة،وهذا ما تنأى عنه لغة الناقد الإبداعية التي تهتم بالجانب الكشفي، والحكم النقدي الجديد، والمدلول العميق، فليس الناقد مطالباً بلغة جياشة بالعواطف، والإطراءات ،والإعجابات الكثيرة المترامية من هنا،وهناك ، فكما قلنا فإن الإطراءات الزائدة تقتل الناقد والمبدع معاً وتجرهما إلى هاوية لا قرار لها، فهذه الإطراءات قد جرت ناقدنا الفذ يوسف سامي اليوسف إلى هاوية لاقرار لها وكذلك ناقدنا صلاح فضل وغيرهم كثير من نقادنا الكبار، فهذه الإطراءات لا تصنع لغة نقدية شاعرية تقترب من روح النص وجوهره العميق، وكما قلت أن الطاقة النقدية التي يمتلكها الناقد يوسف سامي اليوسف تؤهله أن يتبوأ أعلى الدرجات لكنه شأنه شأن غيره سقط في هاوية إقناع الجمهور وإمتاعهم على حساب براعة المكتشفات وأهميتها وعمقها، وهذا خطر يهدد ساحتنا النقدية العربية بكاملها، ومن يطلع على النقد الغربي بعمق لانكاد نجد كلمة إطراء واحدة في دراسة نقدية تتجاوز مئات الصفحات تهتم بما هو داخل النص من تقنيات وقيم، ومكتشفات فنية مازلنا إلى الآن نلهث وراءها باحثين عن هداها في دراساتنا النقدية المعاصرة.

لا تعليقات

اترك رد