أصدقائي الكرد مع أطيب أمنياتي


 

كتبت في وقت مبكر داعياً سياسيينا و مثقفينا من العرب إلى استبدال تسمية ( أكراد ) الشائعة في أدبياتنا إلى ( كرد ) قليلة او نادرة الاستخدام لما لمسته من حساسية لدى الكرد منها ، فبالرغم من أن اختلاف اللفظين لا يعني شيئا في أكثر من لغة و لهجة يتحدثون بها إلا أنهم يقيسون استخدامها على ما يقابلها بالوزن في اللغة العربية ، فالشائع ، و ليس كل شائع صحيحاً أن كلمة أعراب و أعرابي تعني الذم و القدح بعكس كلمة عربي حتى إذا قيل للأعرابي : يا عربي فرح و هش و إذا قيل للعربي يا أعرابي غضب ( لسان العرب و تاج العروس – مادة عرب ) و هو هنا خطأ شائع بالتاكيد يستند إلى اعتياد الكثير من ناقلي النوادر و مؤلفيها على استخدام عبارة ( قيل لأعرابي) أو (جاء أعرابي) عندما يريدون سرد طرفة أو نادرة كتلك التي تروى عن جحا و غيره متجاهلين الصفات الحقيقية التي يتميز بها الأعرابي فهو حكيم وطريف ، حاضر البديهة وذو أجوبة سريعة تحمل بين حروفها عناصر البلاغة المتناهية بما يتناسب عادة مع صفات أهل البادية و من المعروف أن العرب كانت ترسل صبيانها الى البادية ليتعلموا فصاحة اللسان و الصيد و الفروسية و المهارات الحياتية الأخرى

هكذا إذن فهم إخوتنا الكرد الموضوع فإذا ناديتهم بالكرد هشوا و نشوا و إذا ناديتهم أكراد غضبوا و إن لم يبد عليهم الغضب لما تحمله نفوسهم من طيبة و نقاء يعرفه كل من عاشرهم ، و لو عرفوا أن إعلاميين و سياسيين إيرانيين معاصرين صاروا يسموننا بالعُربان ، لا العرب و لا حتى الأعراب في لقاءات تلفزيونية على الهواء و أمام ملايين الناس لنسوا الأمر و عذذرونا فلم يعد يعني للعربي الذي تخلى طوعاً عن هويته أن ينعتوه حتى بأقذع من هذه الألفاظ .

لماذا أثير هذا الموضوع في هذه الأيام التي أوصلنا فيها سياسيو 2003 عرباً و كرداً إلى نقطة حرجة من العلاقات على كل الأصعدة بسبب استغلالهم للقضية لمصالح حزبية و انتخابية ؟ تأريخياً وعلى مستوى العالم ، كل الأحداث المصيرية التي انتهت بكوارث مخططة عن قصد و سوء نية بدأت بحادثة فردية شكلت مقداحا فجر تاريخاً مصطنعا من الكراهية صنعه مستفيدون من خارج الحدود بمعونة عملاء محليين . حرب البوسنة بدأت بإطلاق عيارات نارية على موكب زفاف لمسلمين من قبل متعصبين صرب و أحداث بورما الحالية أشعلتها كما قيل حادثة اغتصاب و الحرب العراقية الإيرانية بدأت بقنبلة يدوية ألقاها عميل لإيران على تجمع طلابي في الجامعة المستنصرية ببغداد و في الهند كان الانكليز يذبحون الأبقار و يلقون لحومها في طريق الهندوس لإشعال الفتنة بينهم و بين المسلمين بل أن الحرب العالمية الاولى كانت شرارتها مقتل و لي عهد النمسا على يد شاب صربي فهل يمكن ان تكون كل هذه الاحداث الجسام التي غيرت خريطة العالم و مات الملايين بسببها نتيجة حادثة واحدة أم نتيجة تراكمات كانت تنتظر المقداح لتنفجر ؟ بين العرب و الكرد بقدر ما هناك من وشائج و روابط هناك من يريد أن يقدح في كومة القش و الحل ليس بالإستجابة لوازع الكراهية الذي صنعه عدونا المشترك فننتهي الى نتائج لا تحمد عقباها بل بالبحث عن رأس الافعى و تحطيمه بعمل مشترك . ” الإفتتاحية ” في مسألة الإستفتاء لم تكن موفقة أبداً من جانب إخوتنا الكرد ، تجمعات جماهيرية لحرق العلم العراقي و رفع علم إسرائيل و كثير من الممارسات التي لا تمت إلى أخلاق شعبنا الكردي العراقي لا يمكن ان تكون بداية موفقة لقضية على فرض أنها عادلة ، و سكوت القيادات الكردية عن تلك التجاوزات معناها القبول إن لم نقل التواطؤ . إسرائيل لا يمكن أن تقف الى جانب قضية عادلة في أي مكان في العالم لأنها نفسها قامت بشكل غير عادل و لا يمكن أن تكون صديقاً وفياً لأحد ، خلافاً لكل شعوب الأرض كانت إسرائيل الصديق الوحيد لنظام روديسيا العنصري لكن ذلك لم ينفع النظام بشيء و انتصرت إرادة شعب جنوب أفريقيا في نهاية المطاف و خرجت إسرائيل بالخيبة كل ما ستفعله إسرائيل معكم أنها ستورطكم و تتخلى عنكم إذ من الواضح بعد ردود الأفعال التي لمسناها من الاطراف المؤثرة في العالم و دول الجوار أن إسرائيل قد تكون الصديق الوحيد لدولتكم القادمة إذا كتب لها ألنجاح كما كانت الصديق الوحيد لنظام روديسيا العنصري و ستستغلكم لتنفيذ مصالحها في المنطقة أبشع إستغلال و ستملي عليكم إملاءات لن يكون بوسع دولة حديثة التكوين محاطة بمن يحيط بكم من رافضي الإنفصال أن ترفضها

الإنفصال لا ينبغي ان يكون هدفاً بحد ذاته إذا لم تكن فيه مصلحة لأحد فأين تكمن مصلحة الكرد في الإنفصال و هل تتحدد مصائر الشعوب بفورة عاطفية أم بخطوات مدروسة و على أسس صحيحة ؟ لم ينصفكم المركز مع كل ما حصلتهم عليه ؟ و هل حصل الوسط و الجنوب على جزء مما حصلتم عليه في نظام المحاصصة البائس ، أليس الأجدى أن تقفوا مع إخوتكم العرب في تغيير هذا النظام الفاشل الى نظام يضمن حقوق الجميع إذا كنتم حقاً قد تعرضتم لغبن بسبب هذا النظام ؟ إنها دعوة لإعادة النظر قبل الذهاب الى الاستفتاء ، لا من أجل إتفاق مع المركز بكل عاهاته ضمن اتفاقية جديدة لتأجيل الحل مبني على تبادل المصالح بين أحزابكم و أحزابهم بل من أجل حل نهائي بعيد عن المحاصصة و تبعاتها التي أضرت بالجميع و لا تخلو الساحة الكردية من عقلاء يعرفون أن العراق بعربه و كرده أقوى من إقليم معزول كما لا تخلو الساحة العربية في العراق من عقلاء يؤازرونهم لبناء نظام جديد يضم الجميع بحقوق متساوية ، إذا كان ضعف المركز فرصة مؤاتية للإنفصال فهوأيضاً فرصة مؤاتية للتخلص من هذا النظام الفاشل و بناء نظام آخر لوطن يسعنا جميعاً

شارك
المقال السابقالسجين رقم مليون
المقال التالىالسابعة والنصف صباحا

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد