مئوية الحصري … عاشق القرآن


 

مرت منذ يومين الذكرى المئوية لعاشق القرآن وصاحب الصوت الرخيم، الشيخ محمود خليل الحصري، وكالمعتاد لم يلتفت إلى ذكراه سوى إذاعة القرآن الكريم وأسرته الكريمة، التي أقامت احتفالية كبيرة بمسجده العامر في مدينة السادس من أكتوبر، حضر الحفل عددًا من علماء الأزهر، وقراء القرآن، وأحباب الشيخ وعشاق صوته. لا يوجد أحدٌ على ظهر الأرض يعتنق الإسلام إلا وسمع صوت الشيخ الإمام، فالشيخ الحصري رحمه الله ملأ الدنيا بصوته العذب، ومازال يصدحُ فيها بقرآنه، أذكر أنني في أثناء عملي بدولة الجزائر عام 2002 إستمعت إلى صوت الشيخ الحصري في تسجيل نادر على إسطوانة مدمجة،

كانت تحمل القرآن الكريم كاملا ًومرتلا بصوته عام 1961، كان هذا التسجيل النادر هو أول تسجيل للقرآن الكريم في العالم، وسحرني الشيخ بصوته، لم أسمع في حياتي مثل هذا النقاء المجسم، ولا صفاء يشبه هذا الصفاء، الذي يجسد المعاني، ويرسم الآيات، ويصبغ الحروف بألوانها الأصلية والأصيلة، فتسمع وكأنك ترى، شعور بكر، يختزل الزمان والمكان، كأنك على غار حراء تستمع إلى جبريل عليه السلام يلقي الذكر على قلب رسول الله، ( مع الفارق في التشبيه والمكانة). قد يأسرني صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ويسعدني صوت الشيخ البنا، والشيخ المنشاوي، والشيخ الطبلاوي، وكذلك الشيخ محمد عبد العزيز حصان. قد يزلزلني صوت الشيخ محمد رفعت، ويبكيني صوت الشيخ محمد بدر حسين أو الشيخ أبو العينين شعيشع، لكني أتوه في حلاوة أصواتهم وأغيب معهم عن معاني آيات الذكر الحكيم ولو لبُرهَة، فحلاوة الصوت تسرق الانتباه عن المعاني، أما الشيخ الحصري، فإنك تعيش في لب الآيات، وتذوب في كلمات الله الكريمة، ومعانيها المقدسة، تلمس كل آية، وتستشعر كل حرف، وهذا لا يعني أن أصوات هؤلاء الأفذاذ أروع من صوت الشيخ الحصري، ولكن ومن وجهة نظري كمستمع عاشق للقراءات والتلاوات القرآنية، أرى أن الشيخ الحصري بعبقريته التي لن تتكرر، قادر ومازال برغم وفاته، أن يقدم لك القرآن الكريم بكرا، نقيا لا شائبة فيه، بصوت قادر على إعادة إكتشاف القرآن في كل مرة تستمع فيها إلى صوته الفذ. ولد الشيخ العظيم في السابع عشر من شهر سبتمبر عام 1917م، بقرية شبرا النملة التابعة لمدينة طنطا، محافظة الغربية، وبدأ حفظ القرآن في الرابعة من عمره وأتم حفظه في الثامنة، والتحق بالأزهر الشريف لدراسة القراءات العشر الكبرى، ونال شهادة علوم القراءات العشر، وتقدم لاختبار الإذاعة المصرية عام

1944م، كان الأول على كل المتقدمين، والشيخ رحمه الله كان دائما الأول فيما يخص القرآن وعلومه، فلقد أفنى حياته في تعليم وتعلم القرآن، هو أول من سجل القرآن برواية حفص عن عاصم، وظلت إذاعة القرآن الكريم المصرية منذ التسجيل عام 1196م وحتى 1971 تقدم القرآن الكريم بصوته فقط، كذلك رحمه الله هو أول من سجل القرآن برواية ورش عن نافع، وترك لنا فيها كتاب باسم (قراءة ورش عن نافع)، وهو أول من سجل القرآن برواية قالون، ورواية الدوري وترك لنا فيها كتاب اسماه (قراءة الدوري عن أبي عمرو البصري)، أيضا هو أول من قدم للمسلمين القرآن المفسر والمعروف بمصحف الوعظ، وأول من قدم المصحف المُعلم إلى الأمة وشبابها، أهداه إلى كل من يريد أن يتعلم كتاب الله ويحفظه، وترك لنا في القراءات عدة كتب منها كتاب (القراءات العشر من الشاطبية والدرة). أنشأ الشيخ الجليل مسجدا ومعهدا دينيا يحمل اسمه بقرية شبرا النملة، وهو على الطريق الزراعي بين مدينة طنطا وكفر الزيات، كلما مررت عليه – فهو قريب من بيت عائلتي- أقرأ له الفاتحة، فأنا أشعر بجلال هذا الشيخ، وبفضله على كل من اعتنق الإسلام. توفى الشيخ الحصري في مساء يوم الإثنين الموافق الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1980، بعد صلاة العشاء إثر نوبة قلبية.

تاركًا لنا تراثًا صوتيًا عظيمًا ومؤلفات في علم القراءات ومؤلفات أخرى تحمل خبراته وفيوض من علمه الغزير لا يُقدر بثمن، وتلك بعض مؤلفاته (مع القرآن الكريم، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، رحلاتي في الإسلام، النهج الجديد في علم التجويد).

كان آخر ما قاله الشيخ عند وفاته “إن الإيمان إذا دخل قلبًا خرج منه كل ما يزيغ العقل”.. رحم الله الشيخ الإمام محمود خليل الحصري، وزينه بزينة القرآن يوم القيامة وجعل في وجهه نورًا وقبولًا في الآخرة كما كان له في الدنيا.

لا تعليقات

اترك رد