لحم رخيص

 

بكل تأكيد لانتحدث عن فيلم الذي قامت ببطولته الفنانة المصرية “الهام شاهين” الذي عرض في التسعينات من القرن الماضي، والذي لازالت مشاهدته مستمرة الى هذا اليوم من قبل المراهقين؛ لما يحتوي على بعض المشاهد المثيرة.

لكن نتحدث عن الاطار ذاته الذي يتناوله الفيلم وهي قضية التجارة بالجسد، حيث تعتبر قضية الدعارة في العراق من القضايا التي غالبا ما يتم اهمالها من قبل الاعلاميين والناشطين، احدى تلك التقارير القليلة التي تناولت هذه القضية من قبل الوكالات العراقية العام الماضي، تقرير “عراقبرس” الذي تم كشف فيه عن ارتفاع نسب الدعارة في العراق الى 150% ما بعد الاحتلال الاميركي.

ما يؤكد مصداقية هذه النسب والتي لامبالغة ان كانت اكثر بكثير، هو الارتفاع المفاجئ في نسب امراض الايدز التي تناولتها التقارير الاعلامية في الايام الماضية، وما يؤكد هذه النسب ايضاً هو الشرعنة والحماية التي تحظى بها هذه التجارة ففي تصريح للنائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ حيث يقول في لقاء متلفز:”بأن الاحزاب والميليشيات الاسلامية الشيعية تحصل على نسب يومية من صالات القمار التي تنتشر في العاصمة بغداد”.

ان الادلة والبراهين عن واقع تجارة الدعارة في العراق وان كانت تجري بشكل مخفي مجهول ومدعوم الا انها كثيرة، وتطورت الى حد اصبحت علانية كمراكز المساج والتدليك والمقاهي الفاخرة التي تمتلئ بها العاصمة بغداد ومحافظة اربيل الشمالية، مستمرة وفق ارادة وحماية لا وصف يليق بها سوى انها حكومية وأحيانا دولية.

مانريد الحديث عنه جزئية مهمة من قضية الدعارة وهي استغلال النساء لإغراض الدعارة باعتبارها احدى جرائم الاتجار بالبشر، قبل ان نعرض لكم قصة واقعية تعرضت لها فتاة عراقية، اود الاشارة الى بعض النقاط حول هذه التجارة في عالم يصدعنا بمثاليته كل يوم!

حيث تعتبر جريمة التجارة بالبشر ثالث أكبر تجارة اجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات الى حد يتم وشم الضحايا بالباركود، بلغ عدد ضحايا هذه التجارة البشعة في العالم بحسب التقرير العالمي للاتجار بالاشخاص المعني بالجريمة والاشخاص، الى ان ملياري شخص مورست عليهم الاتجار بالبشر وبسحب التقرير ذاته الى ان 70% من الضحايا هم النساء، اما عن اجمالي القيمة الربحية من هذه التجارة بحسب احصائية منظمة العمل الدولية تقدر بأكثر من 30 مليار دولار سنويًا، علماً هذا المبلغ ارتفع الى نسبة 22% بين عامي 2012و 2013.

اما عن البلدان المعنية بالاتجار بالبشر 161 دولة، 127 بلداً منها منصفة كدولة منشأ لهذا الجريمة، و98 بلداً مصنف كدولة عبور، 137 دولة كوجهة نهائية حسب ما ذكر مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة.

هذه الارقام في بلدان تعتبر بكل الاحوال افضل من حيث الواقع والادارة الحكومية عن حكومة العراق التي تفتقد لإي سمة حكومية تدل على وجود قانون ودولة في هذا البلدفتأمل.

ما بين ايدينا الان قصة قد تكون واحدة من الالاف القصص التي لم يكتب لها ان يعرفها الاخرين، خالدة في طي الالم والكتمان، والتي من خلالها يمكن ان نرى الواقع الذي وصلت اليه تجارة الدعارة في العراق وتحديدا التجارة بالبشر ذلك العالم المجهول مع عوالم اخرى لاتقل قذارة.

يقول صديقي الذي روى لي القصة في عام 2012:
في اول زيارة لي الى العاصمة الاردنية عمان ذهبت كمرافق لمريض مع خالي الذي يرغب باجراء عملية جراحية، في الايام الاولى اخذني التجوال في شوارع العاصمة الاردنية عمان، الى مقهى فاخر جلست فيه للاستراحه، اثار انتباهي عند دخولي وجود عدد من الفتيات العراقيات، خاصة وشعوري بالوحدة كان يبلغ ذروته انذاك، اذ هذه المرة الاولى التي اكون ليس فيها خارج مدينتي انما خارج بلادي،فالشعور بالوحدة كان ملازماً لي عند خروجي من مدينتي.

فكنت بحاجة الى صديق في هذه المدينة على الاقل يعرفني على المعلومات الواجب ان يعرفها أي مقيم جديد في العاصمة لعل ابسطها الحذر من اصحاب المحلات وسائقيالتكسي.

يضيف بعد جلوسي شعرت بان احدى تلك الفتيات تحاول التودد الي ذلك ما اثار استغرابي مجدداً، وبعد مضي دقائق جلست الفتاة امامي تبادر بالتحية والتعارف.

يقول كنت مندهشاً خاصة وانا لست بتلك الوسامة تدفع فتاة جميلة الى القيام بهكذا خطوة جريئة ، لكن ما أن بدأ الحديث سرعان ما ادركت الفتاة بأنني غريب وجديد ولا أعي المكان الذي اتواجد فيه، وسرعان ما ادركت انا ايضاً، بأن الفتاة التي أمامي مجرد عاهرة وان المقهى واجهة لمكتب دعارة وانا مجرد زبون تحاول الفتاة اصطياده.

واقع الفتاة وحديثها اخذني الى الادعاء بأنني موظف في احدى المنظمات الدولية الحقوقية، لي علاقات واسعة، كمحاولة لفك شفرة اسرار هذه الفتاة ومعرفة حقيقتها.

بالرغم من أن مهنة الدعارة قد علمتها الحذر والمكر الى حد كبير كأي عاهرة، لكن المحصلة تمكن من اقناع الفتاة،لتحدثني عن حقيقتها بعد كم هائل من الوعود والاكاذيب اللامنتهية، الا ان الصدق والحقيقة الفتاة كانت ضعيفة امام ادعائي بانني اعمل في منظمة حقوقية اكثر من ادعائي بنجاح مهاراتي باستنطاقها.

يكمل، بدأت الفتاة تتحدث لي عن قصتها تقول بأنها من احدى المحافظات الجنوبية من عائلة محترمة ومحافظة، كانت تأتي الى العاصمة بغداد كل فترة لزيارة احدى قريباتها وتبقى للاقامة لعدة ايام وتعود، الى ان تعرفت على شاب قد سكن مجدداً المنزل المجاور لمنزل خالتها، الذي يسكن فيه مع اخته.

تقول الفتاة سرعان ما بدأت انجذب للشاب خاصة وهو وسيم وانيق للغاية، بشكل وباخر بدأ الشاب يتقرب ويحاول ان يقوم بعلاقة عاطفية معي، بعد صراع من التردد استجبت وبدأت بيننا قصة عشق لم اكن اؤمن بوجود مثلها

فالمرحلة التي وصلت اليها علاقتنا كانت خيالية الى حد كبير جداً، مرت الايام وانا بدلاً من زيارتي الى منزل خالتي مرة كل شهرين الى انتهاز أي مناسبة لزيارة منزل خالتي لرؤية حبيبي !

لكن بعد مضي فترة بدأ الحديث عن نهاية العلاقة والزواج، خاصة وان أي ارتباط بعلاقة زواج معدومة للغاية، كان دائماً يثير فتح الموضوع ويجرني الى طريق مسدود.

في احدى الايام حاولت الاتصال به لم انجح، قمت بالتواصل مع اخته والتي كانت على علم علاقتنا او تحديداً المشرفة عليها، لتقول لي بأن اخيها سافر الى العاصمة الاردنية عمان للعمل، وأنه يقول اذا كانت تحبني فلتأتي لنتزوج ونعيش حياة سعيدة كالتي كنا نحلم بها.

ولتكمل الاخت الحديث بأنها سوف تساعدها على ذلك وانها سوف تسافر معها لايصالها الى حبيب الفتاة التي تدعي بأنه اخيها!

تقول الفتاة كانت مجازفة واي مجازفة فأكبر مجازفة قمت بها في حياتي كانت بالتلصص على المارة في الشارع بينما عائلةجالسة في صالة المنزل، ان اهرب الى الاردن من اهلي مع شاب غريب امر كان على غرابته الا انني ضعيفه امامه للغاية.

بعد اصرار ودفع من المشاعر واغواء مستمر من الاخت التي تتصل بين كل فترة واخرى، لتقول انها سوف تسافر لنذهب معاً فقط ارسلي صورك وانا اكمل الاجراءات من جواز سفر وفيزا والخ.

بنهاية المطاف وافقت تحت تأثير المشاعر، ليتحدد ذلك اليوم الذي سوف اهرب فيه من عائلتي بعدما سرقت بعض الاموال والحلي، وذهبت الى العاصمة بغداد الى منزل اخت زوجي المستقلبي!

مرت عدة ايام واكتملت الاجراءات وسافرنا الى العاصمة الاردنية، تقول الفتاة دخلنا الى منزل فخم رئاسي لم يسبق لي رؤية مثيله سوى في الافلام والمسلسلات، لكن الاجواء داخل المنزل غريبة، والاغرب عدم استقبال حبيبي لنا، كلما سألت اخت زوجي تجيب بأنه يعمل في اطراف العاصمة الاردنية يومين وسوف يأتي، مضت اليومين وشكوكي بدأت تزيد خاصة والمنزل يعج بالفتيات العراقيات !

والتي كلما اسألها-الاخت- عن الفتيات تقول لي بأنهن طالبات عراقيات، لكن واقع هذه الفتيات وخروجهن لم يكن يوحي ابداً بانها طالبات، مضت ثلاثة ايام وانا اتساءل والاجوبة التي كان تأتيني منها مخدرة مماطلة.

الى ذلك اليوم استطعت من التقرب الى احدى الفتيات في المنزل التي قمت بسؤالها بسذاجة هل انت فعلاً طالبة؟!

الاجابة كان عبارة عن ضحكات ساخرة من الفتاة أي طالبة على ما يبدو بأنك قد وقعت في المستنقع، هذه الفتاة قد اشفقت على حالتي وجلست تخبرني بالحقيقة!

وهي بأن المنزل الذي تتواجد فيه عبارة عن منزل دعارة، وان الاخت هي “القوادة” وان الشخص الذي تظن بانها حبيبها وزوجها المستقلبي ليس سوى كذبة وليس حتى اخ الاخت كما تدعي!

تقول بعد استماعي الى هذه الحقائق، ذهبت الى الاخت لاتأكد ما قالت لي الفتاة المنزل، كانت اجابة الاخت صادمة تؤكد قول ما قالت الفتاة، ولتزيد عليه قائلاً:

انت امام خيارين اما الذهاب والنوم في شوارع عمان والموت جوعاً، او ان تقومي بالعمل معنا، وان فكرتي في الذهاب للشكوى عند الشرطة والسفارة، اعلمي لن تحصلي على شيء كما في ذلك الوقت اعلمي سوف نخبر اهلك بان تعملين عاهرة هنا!

تقول الفتاة قررت الهرب لست انا من يعمل عاهرة ولااريد الموت بهذا الشكل ايضا، فانا من عائلة محافظة وعشائرية، لايمكن ان اكون عاهرة رخصية.

لذا قررت الهرب والسير في شوارع عمان امضيت ثلاثة ايام انام في الشوارع لم تخلو من محاولات التحرش، وطيلة تلك الايام الثلاثة لم ادع مكتب ومحل للعمل فيه الا كانت الاجابة لايوجد، فأي عمل ابحث عنه فأنا فتاة منزل مدللـة!

ضاقت بي السبل والنوم في الشوارع يزيد الخطر على شرفي وجسدي، قررت العودة الى المنزل مجدداً لعل تعطف علي الاخت وتعيديني الى العراق، او تجد لي عملاً شريفا اعيش فيه مع خطئيتي التي لاتغتفر.

كان رد الاخت غريب عن المرة السابقة كان فيه شيء من الملاطفة الغربية، لنتهي القول بأن عليها ممارسة الدعارة مرة في الشهر لعدة شهور مقابل اجر مغري من شأنه يفتح لها عمل شريف لتعيش في العاصمة عمان، وتتخلص من هذه العالم القذرة، وافقت انذاك على هذا العرض على أمل النجاة من ذلك !

لتكون الممارسة مرة في الشهر الى مرتين في الشهر والى مرة في الاسبوع والى يومياً سقط في تلك الرحلة والى هذا اليوم لايقل عن ثلاثة اطفال، وليستمر الحال الى هذا الحال الذي امامك الذي اتمنى ان تكون نهاية معاناتي بيدك وتخرجني من هذا العالم وقذارته، او على الاقل تخرج أي ضحية من امثالي في ذلك المنزل المشؤوم.

يقول صديقي شعرت بصدمة كبيرة امام قصة هذه الفتاة، والاكثر شعوري بالندم على ادعائي بأنني موظف في المنظمات وقادر على حل اشكاليتها كان يؤلمني اكثر.

بالمحصلة انا لست سوى مرافق لمريض في البلاد الغريبة، قدمت عذراً للهرب بعدما اخذت رقم هاتفها على أمل الاتصال بها في اي لحظة لإنقاذها من هذا العالم، واظن لازالت على أمل أن يأتي لها مخلص ينقذها من وحل الدعارة.

لا تعليقات

اترك رد