خبئي الرقصة الأخيرة لي


 

كانت تجلس في تلك الزاوية مثل آلة موسيقية يعلوها الغبار تنتظر الأصابع السحرية لتعزف لحن الحياة الأبدية تلك الليلة أو مثل تحفة فنية رائعة تنتظر من يعيد إليها نضارتها . وبعد مدة قصيرة ، راحت تراقبه عبر زجاج النافذة الضبابي وهو يتحرك هناك كأحد ظلال أحلامها يبحث عن مكان يركن فيه سيارته . بعدئذ , بدأ يقترب من مقبض الباب ويمسكه بأصابعه الرجولية البيضاء. كانت تستمتع بكل تفاصيله الصغيرة , فقد أحبت كثيرا الاهتمام به عندما لا يكون منتبها.

عندما دخل من الباب الأمامي رفعت يدها ولوحت بأصابعها بحركة دائرية جذابة, ثم ابتسمت و رشفت من كأسها رشفة واحدة . ابتسم ولوح بيده لها وهمس في أذن النادل شيئا ثم بدأ يتقدم نحو مقعده مثل ملك متوج . وضع سترته على ذراعي الكرسي العريضتين ، ثم بدأت موسيقاها المفضلة بالعزف وكأنها قادمة من الضباب الذي أبدعه في عالمها. ارتفع صوت الموسيقى ببطء شديد وهي تهم بالوقوف لملاقاته.

قبّل يدها وطلب منها أن تسمح له ” بالرقص” , أن يرقصا رقصتهما المعتادة.

بدأ كل شيء بالموسيقا التي تنبعث من جسدها وهي تتمايل , ثم بدأت الكلمات تفور عندما لمس كتفيها وضمها بشدة كافية سمحت له بشم رائحة مشاعرها التي تخرج مع أنفاسها بين الكلمات :

” تستطيعين أن ترقصي…كل رقصة مع الشاب
الذي يمنحك نظرة. دعيه يغمرك بشدة.
تستطيعين أن تبتسمي…أجمل ابتسامة للرجل
الذي يمسك بيديك تحت ضوء القمر الخافت “

في تلك اللحظة , شعرت بحاجة ماسة لأن تضع رأسها على كتفه , وفعلت ذلك بهدوء وهي تفكر بالعالم في تلك اللحظة . كم كان هذا العالم مختلفا عن العالم الكبير الموجود خلف كتفيه. أغمضت عينيها ببطء وشعرت بكل ما يدفئ المساحة الممتدة بين عينيها . حنى رأسه باتجاه أذنيها ، وقال لها بينما تستمر الأغنية في أنغامها:

” أعلم أن الموسيقا رائعة مثل
نخب خمر ملتهب… اذهبي واستمتعي
واضحكي وغني….لكن لا تمنحي قلبك لأحد
عندما نكون متباعدين “

لم يكن قادرا على إبقائها دافئة . فقد كانت باردة مثل حياته وهو كان دافئا مثل مشاعرها. أراد أن يطير بها للقمر وهناك لا يستطيع أحد أن يراقب جنون أفكاره ورعونة عينيها . أرادها له ، له فقط دون غيره لكنه كان يعلم أن الحياة مختلفة جدا عن رائحة عطرها . أراد أن يهمس في أذنيها كم يحبها وكم كانت مختلفة عن أي امرأة أخرى خرج معها، لكن صورة تاريخه ربطت لسانه ، وشعر أن كلمة أحبك تجري في عروقه ، شعر بيدها تمتد إلى صدره وترسم خطوطا دائرية بأصابعها تماما مثل تلك الخطوط التي كانت ترسمها أمه عندما كان يذهب للنوم كل ليلة.

ألا تعرف يا حبيبي أنني أحبك كثيرا
ألا تشعر بحبي لك عندما نلمس بعضنا
لن أسمح لك بالرحيل
أحبك حبا يفوق الخيالا.

ارتفعت أنغام الأغنية الجميلة هذه المرة ، كانت الأنغام قوية بما يكفي لتخبرها كم كان يستمتع معها تلك الليلة. ثم اقتربت شفتاها أكثر وأكثر حتى شعر أنهما تلامسان شفتيه فذابا في تلك اللحظة مثل ندفة ثلج على شجرة عيد الميلاد بين قوة أنفاسه ودموعها الرقيقة .

عزفت الموسيقا مرة ثانية وثالثة لكن لم يتغير أي شيء ، لقد كانت أنفاسه القوية تأخذها إلى القمر ودموعها الرقيقة تعيدها إلى الأرض طوال الليل حتى أنهكهما التعب . نظر طويلا في عينيها الكريستاليتين ثم رشف دموعها ثم ابتعد بلطف

خطوة أو خطوتين ثم ركع على ركبتيه وقبل يديها . كانت الكلمات تخرج من بين شفتيه بشكل متكرر وتطارد فضاء الأغنية :

بأي ذراعين ستكونين يا حبيبتي
خبئي الرقصة الأخيرة لي
خبئي الرقصة الأخيرة لي
خبئي الرقصة الأخيرة لي

ثم حملها كل الطريق حتى وصل إلى سيارتها ، قبّل جبينها ، ثم دخل بسيارته وقادها عائدا إلى بيته وأطفاله وكرسيه الفارغ على طاولة العشاء.

* العنوان الأصلي للقصة

Save the last dance for me, Unknown author , 2001.

* الكاتب غير معروف

* ( مقتبسة من أغنية ” خبئي الرقصة الأخيرة لي” الشهيرة )

* ترجمة : نور محمد يوسف

* مراجعة سوسن عبود

لا تعليقات

اترك رد