الشريعة ! … هل هي ابتكار بشري أم تنزيل إلهي ؟


 

يحاكمُ العلمانيون الدين انطلاقاً من كونهِ تعاملَ مع الواقع المتغير اعتماداً على مطلقاتٍ ثابتة، وإذا كان المجتمع الانساني خاضعٌ بالضرورةِ للمتغيرات التي تجعله في حالة حراك دائم، على الدينِ إذن أن يواكبَ هذه المتغيرات، ويخبرُنا التاريخُ أنّ أيةَ كارثة يشهدها العالمُ، سواءً كانت من صنعِ الإنسان، أو الطبيعة، ينتجُ عنها حراكٌ فكريّ قد يعصفُ بالأفكارِ السابقة ليقدمَ جديداًمختلفاً، وعلى صعيدِ الآداب والفنون، أنتجت الحربُ الكونية الأولى الدادائيةَ ثم السرياليةَ، وشهدنا بعدَ الثورات الطلابية ـ الشبابية في ستينات القرن المنصرم،انتشاراً للأفكارِ ما بعد الحداثوية، وظهرت فلسفات حديثة تركت بصماتها ليس في الفكر الانساني وحده، وإنما في بنيات المجتمعات، الدينُ كذلكَ بوصفهِواحدة من منظومات بناء المجتمع وتفاعله، لم يَعُدْ مُطلقاً، فمنهجُ التفكيرِالمعاصر يقومُ على النسبيةِ ويرفضُ الإيمانَ بأنّ ثمة مطلقات سواء كانت دينية أو لا دينية، هذا يعني أنّ العلمانية نفسها قابلة للتغيير، وهذا ما حدث بالفعل،اذ يشهد العالمُ علمانيات مختلفةً تأخذ في كلّ بلدٍ شكلاً يُناسبه بما يملك من إرث ومعتقدات وركائز اجتماعية، ولم يَعُد غريباً أن يتداول العلمانيون أنفُسَهم فكرةَ العلمانية الروحانية، رغم غرابتها، إذ تقوم العلمانية على أساسِ الفصل بين الدين والمجتمع المدني، وكل ما هو روحاني يرتبط بالضرورة، بالأفكار والمعتقدات الدينية، الواقع الديني منفصل عن روح الدين كما أراده صانعه، فالدين لدى الله سهل يحقق علاقة مباشرة بينه وبين عباده، لا فرق لديه إن كانوا بيضا أم سودا، أغنياء أم فقراء، مسلمون أم مسيحيون أو حتى إن كانوا هندوسا، فجميعهم أبناء الله، لكن امتزاج الفكرة السياسية بالشكل الديني جعل الدين القوي مهيمن على الديانات الأقل قوة، ومخططا ومنفذا لسلسلة من الصراعات الدموية بغية أن يحقق هذا الدين هدفه الستراتيجي في محق الديانات الأخرى لصالح بقائه، إلا إن واقع اليوم لم يعد يقبل مثل هذه الفكرة المتعسفة، لذا ظهرت العلمانية كمنظومة تحقق المساواة بين الأديان واحترام مقدساتها، وتؤمن أن الناس بحاجة إلى الدين حتى إن كان نسقاًمرفوضاً من قبلها، فالمكونات الروحية جزءٌ من الذات الانسانية وسيبقى الناسُفي بلداننا يذهبون إلى المساجد ويمارسون طقوسهم الدينية، فكلّ شخص يحتاج إلى القدر الذي يناسبه من الخزين الروحي، كي يُبعد عنه فكرة التحولّإلى آلة مُسَيّرَة، أو إلى مجرد حيوان تحركه الغريزة، (رقي الثقافة ينبع من الحياة الداخلية، حياة الروح) كما يقول الباحث الفرنسي پول پوجول، وهناك خياران أمام الباحثين في إمكانيات الإصلاح الديني أولهما هو محاولةُ فكّالآصرةِ بين الناس والدينِ من خلالِ حظرِ التفكيرِ الديني، وهذا في الواقع خيارٌستاليني استبدادي مرفوض، أما الخيارُ الثاني فيعتمد على تعديلِ الخطاب الديني ودفع الأئمة في الجوامع لإعادة صياغة خطابهم بما يُخرِج الناس من واقع التسليم والسكون إلى ضرورة التفكير والحركة التي تضع حتمية ارتقاء المجتمع أولوية تعمل لتحقيقها، وهذه مهمة شاقة بالطبع.. لابدّ أن يُدرك رجال الدين وخطباء الجوامع أن الشريعة التي ما زال الإسلام يُريدُ تطبيقها بعد أكثر من 1400 عام من ظهورها، هي قوانين ارتبطت بعصر التوسعات الإسلامية، وهي ليست كلام الله أو رسوله في الواقع، فقد وضعها الفقهاء الذين اجتهدوا بالتأويل عن الله ورسوله، لوضعِ مسوغات ومبررات مقبولة لما نتجَ عن الفتوحات والحروب الكثيرة التي خاضها المسلمون، فمفاهيم دار الحرب وجهاد الطلب والدفع، والولاء والبراء، والسبي والغنيمة سادت حين كان الواقع الجيوسياسي يفرضُ التوسع وإلا سيتوسع الآخرون على حساب الدولة الإسلامية الجديدة، لكننا الآن في زمن مختلف، تسوده الدولة الوطنية وهي خليط من الأعراق والاثنيات والديانات والمذاهب، إذن، فالشريعة بشكلها الذي وضع منذ أربعة عشر قرناً، لم تعد مناسبة لمثل هذه الدولة التي وجدت أن القانون الوضعي هو البديل المنطقي المقبول للشريعة غير القابلة للتحقيق.. وهي بهذا لم تقرر إنكار الدين بوصفه علاقة بين المطلق والنسبي، الله والإنسان، كما إنها لا ينبغي لها محاكمة التاريخ إنطلاقاً من مفاهيم حديثة، فإننا نمتلك اليوم عقلاً متفاعلاً وشاهداً على متغيرات ما بعد حقوق الإنسان والمساواة، لا يقبل فتاوى السبي والعبيد وفرض الجزية وتطبيق حد الحرابة، ولنكن منطقيين، توفي الرسولُ ولم يعرف المسلمون نصاً مكتوباً، بل خطابات شفاهية غير مدونة وبدون تجميع، محفوظة في صدور بعض الصحابة ولا تمثل سلطة مرجعية، وهذه اشارة واضحة إلى أن الرسول لم يشأ أن يتحول الدين إلى سلطة، فظلّ النص على الحالة التي وضعه فيها النبي محمد حتى بدأت الاجتهادات بتحويله إلى نص مكتوب بعد وفاته، وبعد محاولات لم تخل من التعسف في إلغاء نصوص أتفق على أنها مما أوحي به للنبي محمد، ووضع ترتيب غرائبي لا يرتبط بمنطق النزول مكانيا وزمانيا، ولا حتى بالتسلسل المنطقي لموضوعات السور، لكنه فرض على كافة المسلمين مذ ذاك بالصورة التي نعرفه بها اليوم، ثم جاء تدوين الأحاديث لتفاقم المشكلة بعد أن ظهرت الكثير من التناقضات بين النص النبوي والنص القرآني، من جانب آخر، واصل العقل الانساني تطوره السريع، فظهرت الفجوة بين ضرورة التنفيذ القسري لما قرره رجال الدين وبين فقدان القناعة لبعض هذه التعاليم، وقد ظهرت أول إشاراتها بعد وفاة الرسول الكريم حين تجاوز الخليفة أبو بكر عن تنفيذ بعض التعاليم، ونسخَ الخليفة عمر بعضها وألغاها، بل أن الرسول نفسه كان يتهرب من تنفيذ بعض الأحكام ويطالب بتوفر الأدلة والشهود محاولا عدم تنفيذ الحد المقرر شرعاً.. كان النص القرآني معتدلاًيحققُ قدراً كبير من المعايير الإنسانية إلا إن الفقهاء وضعوه جانباً ليقدموا نصوصا مرعبةً خرجت بالإسلام عن مساره الذي نراه في هذا المثال، فقد جاء في القرآن أن هابيل قال لأخيه قابيل بعد أن أدرك أنه يريد قتله: لو بسطتَ يدكَلتقتلني ما أنا بباسطٍ يديّ إليكَ لأقتلك.. وهذا يعني بوضوح أنه لا يريد الردّعلى العنفِ بعنفٍ مضاد، إنه معنى واضح لا لبسَ فيه، لكنّ أيّ من علماء الإسلام لم يعتمد هذه الآية في استنباط حكمٍ يرفضُ العنفَ، لقد أحرجت هذه الآية الفقهاءَ لأنها كانت تتعارض صراحة مع منطق الحروب والفتوحات، لذا ولعدمِ التقاطع مع السلاطين، قاموا بوضعِ تبريرات وتفسيرات لهذه الآية خرجت بها عن دلالاتها الواضحة، وهذا يؤكد ضرورة تطوير المسلم لعقله الأخلاقي ونزع هيمنة التفسيرات السابقة عليه ليتمكن من قراءة النص القرآني قراءةًمتحررة مكتشفةً قد تصلُ به إلى جوهر الدين نفسه.

لا تعليقات

اترك رد