عيدوا صلاتكم ياجْمُيلة!!


 

كان السلطان العثماني عبد الحميد الثاني يحب العلم ومجالس العلماء كما كان يسعى الى نشر الوعي الاسلامي اثناء خلافته ، وقد أمر في عهده والي بغداد (الحاج حسن باشا ) (1307ـــ1312هـ) بتعيين عدد من علماء الولاية كمدرسين متجولين واجبهم التنقل في عموم العراق لنشر تعاليم الدين الاسلامي وكيفية اداء الصلاة بصورة صحيحة اضافة الى تقديم شرح في الفقه الإسلامي والاحكام الشرعية التي يحتاجها المسلم في حياته اليومية ,وحدد لكل واحد منهم منطقة ارشاد، فكان للعلامة طه الشواف واجب الارشاد في (قضاء الدليم) كما كان معروفا او محافظة الانبار حاليا ، فذهب الشيخ الشواف الى مضارب عشيرة (الجْمُيلة) في اطراف الفلوجة والكَرمة واقام بينهم عدة ايام يعلمهم احكام الدين ويؤمهم في اوقات الصلاة الخمسة ,وكان الشواف صاحب نكتة او مبتلى بداء النسيان ولا نعلم ان كان نسيان الشيخ نتيجة ضعف الذاكرة ام هو نسيان مقصود لغرض اعادة وتكرار الوضوء والصلاة وذلك لاتقان التعليم لان في الاعادة إفادة كما يقال ,وكان يؤم المصلين دون ان يتأكد انه على وضوء , وعقب الصلاة يتذكر الشيخ انه صلى بهم من غير وضوء فينبههم ويعلمهم ذلك ويذكر لهم بطلان الصلاة بغير الوضوء فيطلب منهم ان يعيدوا صلاتهم لبطلانها ويقول لهم (عيدو صلاتكم ياجْمُيلة ) فيقوم يتوضا ويصلي بهم ، وتكررت الحالة لدى الشيخ طه الشواف حتى اخذ المصلون يستوقفونه قبل البدء بالصلاة ويسالونه بالقول: تمهل ياشيخ حفظك الله (هل عندك وضوء ام لا ) فليس كل يوم عيدوا صلاتكم (ياجْمُيلة )فيضحك الشيخ واخذ يذكر الواقعة اللطيفة عندما عاد الى بغداد ونشر هذا المثل في المجالس التي كان يديرها وانتشر بين الناس (عيدوا صلاتكم ياجْمُيلة ) وصار مثلا يضرب للانزعاج من تكرار الإعادة1.

ونحن في مقالاتنا الإسبوعية نعيد ونصقل حتى ( جولكنا) ( وانفخت لوزنا) في الحديث عن ضرورة الإهتمام بالخدمات وبالأخص الجانب الصحي للمواطنين ، ونبهنا لبعض المخاطر والمفاسد في هذا الميدان لكن دون جدوى حتى أصبحنا كإمام (عمامنا جْمُيلة) حينما كان يردد ( عيدوا صلاتكم ياجْمُيلة ).
من ذلك على سبيل المثال لا الحصر عدم توفر المواد الخاصة بتعقيم صالات العمليات في بعض مستشفيات بغداد ، واستخدام الشريط البلاستيكي اللاصق ( سليشن ) لتضميد الجروح في حين هو مخصص أصلا للأسلاك الكهربائية . وفي مكان آخر تنعدم اللقاحات ومنها لقاح الجيوب الأنفية وكذلك (القطن ) الطبي . وقيل لنا ان مستلزمات صالة العمليات يضطر المريض لشرائها من الصيدليات . وفي مستشفيات أخرى ينام المرضى على الأرض .
وفي شإن ذي صلة راجع أحد المواطنين مستشفى خاصا وبعد الكشف والمعاينة قيل له انك مصاب بمرض خبيث ( سرطان) وإنك ستموت خلال اسبوع( حتى بالأفلام الهندية ماكوهيج) وطلبوا من ذويه اعادته لداره ليستريح ويريح !!. وطبعا صعق المسكين واستسلم لقدره حتى انه دخل المستشفى بكامل قواه العقلية والجسدية وبعد عودته أغمض عينيه وأبقى فمه مفتوحا ولم يعد قادرا على النطق وسط دهشة وشفقة ذويه وضيوفه . أخيرا تدخل أحد الأقارب وطلب ارساله لدولة الهند وهناك أدخل على سرير متحرك وبعد اجراء الفحوصات اتضح انه سليم معافى لدرجة انه لم يصدق فنهض مهرولا نحو غرفته في المستشفى وارتدي ملابسه وهو يجري في الشارع كالمجنون! أيعقل ذلك ياملائكة الرحمة؟.
بلاشك فإن الشواهد كثيرة ومتنوعة لكن نتوقف هنا ونتساءل بأسف بالغ ، كيف نخر الفساد غَيرًة وضمائر وذمم بعض من يحسبون انهم عراقيون وتحديدا في مهنة الطب والصيدلة والخدمات العلاجية بشكل عام حتى فقدوا انسانيتهم؟. أولسنا نحن الشعب الأصيل المعروف بغيرته ونخوته وابائه ؟. واذا لم نرحم بعضنا بعضا فمن سيرحمنا بعد الرحمن الرحيم عز وجل؟..
أجزم ان لعنة الله ستحل عليكم في القريب العاجل أيها الفاسدون المارقون وستتحقق بجلاء أمام ناظريكم من خلال عباده أبناء هذا الشعب الذي عانى مر العذاب وهول المصائب ولن تجدوا بعدها من عاصم ، والى ذلك الحين وحتى ياتي الله أمرا كان مفعولا، فإننا لن نتوانى في رفع صوت المظلومين مرارا وتكرارا.. و ( عيدوا صلاتكم ياجْمُيلة ).

1- الدكتور محمد خضيري الجميل ، قصة المثل الشهير عيدو صلاتكم ياجْمُيلة ،مركز النور ، 5-6-2014

لا تعليقات

اترك رد