المظاهرات الشعبية السلمية .. سمة العمل السياسي المعاصر


 

لقد اثار هذا الموضوع اهتمامي بشكل خاص لأنني مثل العديد من الناس كنت أميل للاعتقاد ان أشكال التعبير والنشاط السياسي بشكل عام تميل الى العنف بشكل متزايد في العقود الاخيرة ، ولكن يبدو ان هذه القناعة بحاجة الى مراجعة جزئياً او كلياً لان الأرقام تظهر حقائق اخرى على الاقل في الميدان موضوع البحث وهو التظاهر السياسي بانواعه السلمي والعنيف وذلك المصحوب بالشغب . من المؤسف ان الإنشاء السياسي العربي مازال قاصراً عن إيجاد مصطلحات محددة للتعبير عن هذه الظواهر ويضطر الباحث الى الاجتهاد وتنحيت مصطلحاته الخاصة ، وقد يخطئ او يصيب ؛ رفعاً للالتباس فأود الإشارة الى انني استخدمت تعبير ” التظاهر المصاحب للشغب ” مقابل كلمة ” Riot ” وعبارة تظاهرة سلمية مقابل كلمة ” Demonstration ” وكلمة ” احتجاج ” مقابل كلمة ” Protest ” ، وهي ما اعرفه من معانٍ لهذه المصطلحات ودققتها مع عدد من القواميس .

وفقاً للدراسة الموجزة التي اقدمها فأن هنالك ميل عام الى السلمية في أعمال التظاهر والاحتجاج الشعبي على مستوى العالم ككل مع تباينات في الوتائر بين منطقة واُخرى وبلد وآخر . من ناحية الحساب المطلق فان العدد السنوي لهذه الاعمال والنشاطات يتزايد عالمياً بشكل مضطرد منذ عام ٢٠١١ ولكنه لايتعدى سقف النمو العام المسجل منذ عام ١٩١٩ . من ناحية اخرى فان النمو في معدل التظاهر العنيف او المصحوب بالشغب هو اقل من النمو في أشكال الاحتجاج السلمي الاخرى ، وهذا يمثل وفقاً للدراسة ميلاً الى السلمية في العمل السياسي ، ويعزو الكاتب ذلك الى عوامل تقنية مثل تطور قدرات الدول في التنبؤ والمراقبة وحصول تغيرات هامة في اجواء العمل السياسي والميل العام نحو الديمقراطية فضلاً عن توفر وسائل تعبير بديلة مثل القنوات التي تتيحها ثورة الاتصالات عبر الانترنت . ان التظاهرة في إطار نظام ديمقراطي يمكنها إيصال صوتها ورسالتها ، لذلك تكون اقل ميلاً الى العنف .

الامر الذي لم يرد ذكره في الدراسة هو ارقام خاصة بالشرق الاوسط رغم ان عام ٢٠١١ كما نعرف هو عام الذروة في الهبّات الشعبية التي عرفت بالربيع العربي كما انه عام ذروة كما يبدو على المستوى العالمي للتظاهر . لذا اقترح لمن يتناول هذا الموضوع مستقبلاً أخذ ذلك بالاعتبار وعدم الاكتفاء بالتفسير المؤامراتي الساذج والسهل باعتباره عمل من ثمار مؤامرة كونية وتناول الموضوع كما لو كان من اسقط من الحكام نماذج في النزاهة والحكم الرشيد . لقد كانوا حفنة من الطغاة الذين أثقلوا اوطانهم بالعوز والفقروالبطالة والامية ثم حولوا الجمهوريات الى ملكيات غير معلنة بتوريث عروش الرئاسة الى ابنائهم ، وليتهم فعلوا وهم مازالوا يسيرون على اقدامهم ، بل ظلوا قابعين في عروشهم في انتظار عزرائيل حتى النفس الأخير . لقد كانت هنالك اجواء عالمية احتجاجاً على أنماط اخرى من انعدام العدالة واللامساواة على مستوى العالم ككل ؛ من المؤكد ان معظم مخابرات العالم صاحب النفوذ والمصالح في المنطقة قد استثمر في الظاهرة كما استثمر في ضدها ، وهذا لايفسد جوهر وبراءة هذا الحراك الشعبي الطبيعي .

لقد اثار هذا الموضوع اهتمامي لانه دراسة فريدة في بابها وهي تقدم معطيات جديدة لم تكن معروفة لنا بصدد التظاهر وأنواعه ومعدلات نموه عالمياً .

الكاتب أستاذ مساعد للعلوم السياسية في جامعة ساوثهامبتون وهو يعكف على دراسة الظاهرة وعلاقتها بتطور تقنيات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .

لنتابع …..

هنالك توافق عام بين المحللين والمعلقين السياسيين ، واليساريين منهم بوجه خاص ، على ان السمة الاساسية للحياة السياسية في هذا العصر هي الاحتجاجات الشعبية وغير المسبوقة في نزعتها التعبوية الراديكالية . يشير المعلق البريطاني المعروف پول ماسون في كتاب له صدر عام ٢٠١٢ ان الربيع العربي لعام ٢٠١١ كان واحداً من سلسلة احداث مشابهة تعبيراً عن الثورة العالمية وانه وجد ليبقى . ويشير الفيلسوف الفرنسي الان باديوو الى اننا نعيش في عصر تظاهرات الشغب Riots والهبّات الشعبية وانها تعبر عن اعادة ولادة التاريخ بعدما خُيِّل للبعض اننا نعيش نهاية التاريخ وهو مابشر به عالم السياسة فرانسيس فوكوياما .

هذه الافكار التي اوحت بها احداث عامي ١١-٢٠١٢ مازالت تتخايل أمامنا اليوم . في عام ٢٠١٦ نشر الصحفي وأستاذ اللغة الانكليزية جوشوا كلوڤر كتابه المعنون ” تظاهرة شغب . إضراب . تظاهرة شغب ” مبشراً بحقبة جديدة من الهبّات زاعمًا ان تظاهرات الشغب قد عادت لتشكل التكتيك الرئيسي في ذخيرة العمل السياسي الجماعي في البلدان الاكثر تقدماً في العالم . هنالك أمثلة وفيرة تمتد من بيركلي في كاليفورنيا الى هامبورغ في المانيا . الأمثلة العديدة المتوفرة من الماضي القريب تؤكد ان المحتجّين في الديمقراطيات الغربية قد أصبحوا اكثر ميلاً للتعبير عن احتجاجهم من خلال تظاهرات الشغب اكثر من اي وقت اخر في السنوات الاخيرة .

قد يبدو للمراقب ان هذه الظاهرة تتجه نحو المزيد من الراديكالية ، ولكن المؤشرات الإحصائية تؤكد امراً اخر . ان اخر المعطيات الإحصائية المتوفرة بخصوص اعمال تظاهرات الشغب حول العالم ، وفقاً لطبعة عام ٢٠١٧ من :

Cross – National Time – Series Data Archive : by Arthur Banks & Kenneth Wilson

( تعتبر الدراسة ان معيار تصنيف الظاهرة هو انها تظاهرة تتسم بقدر من العنف وتضم اكثر من مائة شخص ويتم خلالها استخدام العنف المادي )

لاغراض هذه الدراسة سوف نعتمد بعض المؤشرات مثل ديناميات التظاهر السلمي وعدد السكان وتاريخ المناطق التي يجري فيها التظاهر ، وقد اتضح بعد تحليل المعطيات ان العالم يتجه الى ان تكون اعمال التظاهر اكثر سلمية خلال العقود الاخيرة وعلى النحو التالي :

تم احصاء اعمال تظاهرات الشغب حول العالم للفترة من ١٩١٩ لغاية ٢٠١٦ ؛ بين الأعوام ٢٠١١- ٢٠١٦ كان المعدل السنوي لعدد تظاهرات الشغب قد ارتفع الى ٢٥٣ . هذا الرقم يبدو مرتفعاً اذا ما اخذنا المعدل العالمي العام للتظاهر خلال مرحلة تاريخية كاملة والذي يؤشر ندرة في وقوع الظاهرة . للفترة من ١٩١٩ لغاية ٢٠١١ كان المعدل السنوي هو ٥٣ تظاهرة شغب ، ولكن لم يقع خلال الثماني عشرة سنة السابقة الواقعة بين عامي ١٩٩٣ لغاية ٢٠١٠ الا ٣٥ تظاهرة شغب كمعدل سنوي . ويبدو ان الفترة التي اعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي ومع انتشار الديمقراطية اللبرالية ربما تكون قد ازالت الأسباب التي تدعو الى التظاهرات العنيفة او غير النظامية المألوفة للاحتجاج السلمي .

ان المؤشرات الإحصائية توضح للوهلة الاولى تصاعدا في عدد تظاهرات الشغب منذ عام ٢٠١١ مقارنةً بالفترات السابقة ولكن اذا اخذنا بالاعتبار عدد سكان العالم ستكون لدينا صورة مختلفة . للفترة ١٩٦٥ ولغاية ١٩٧٠ كان عدد سكان الارض حوالى ٣.٢ مليار إنسان اما في عام ٢٠١٦ فقد اصبح عدد سكان الارض حوالى ٧.٣ مليار . ان هذا يمثل مشكلة حين نقوم بتحليل ظاهرة التظاهرات المشاغبة تبعاً لتاريخ الفترة موضع البحث . ان العدد المطلق لتظاهرات الشغب سيزداد حتماً بمرور الوقت وتزايد اعداد البشر ، لانه مع ولادة كل إنسان جديد نولد احتمالية التظاهر وهذا يصح حتى لو اختلفت الظروف السياسية والمواقف واصبح الناس اقل ميلاً للشغب خلال التظاهر . ومهما نقص عدد الناس المشاركين في هذه التظاهرات فان العدد المطلق لها يبقى في تزايد .

ولكن من اجل فهم أفضل لديناميكية التظاهر على المستوى العالمي فاننا يمكن ان نقوم بإجراء مقارنة بين عدد تظاهرات الشغب وعدد السكان لكي نفهم بشكل أفضل مدى الميل الفردي للتظاهر المصحوب بالشغب . اذا اخذنا هذا العامل بالاعتبار فاننا سنلاحظ من ذات الإحصاءات ان معدل الزيادة النسبي يساوي صفر ، وان عام ٢٠١١ سجل معدلات للتظاهر المصحوب بالشغب بذات المعدلات السابقة وتحديداً خلال الفترة ١٩٩٣-٢٠١٠ . وهذا يشير الى ان هنالك ميل عام على المستوى الدولي للتوجه نحو التعبير السلمي عن المواقف وفي هذا الاطار لابد من الأخذ بالاعتبار ان هنالك تحولاً في أساليب التعبير عن المواقف بسبب دخول تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في هذا المجال .

ينبغي ايضاً ن ناخذ بالاعتبار زيادة الأشكال الأخرى من التعبير عن الاحتجاج وبالتالي فان زيادة التظاهر المصحوب بالشغب بالاعداد المطلقة تكون مفهومة رغم انها قد تقلصت في النسبة التي تشكلها في إطار العدد الكلي لأشكال الاحتجاج : ان تدقيق الإحصاءات يؤشر تصاعداً في عدد تظاهرات الشغب منذ عام ٢٠١١ ولكن معدلات الزيادة في أشكال التعبير الاخرى شهدت انفجاراً بمعدلات كبيرة غير مسبوقة .

اذا ماقمنا بمقارنة اعداد تظاهرات الشغب بإعداد التظاهرات السلمية فاننا نجد انه في عام ٢٠١٦ كانت هنالك ٩١٧ تظاهرة سلمية مقابل ٣١٣ تظاهرة شغب ، وكلاهما يعد رقماً مرتفعات بالنسبة للمعدل التاريخي العام ؛ لكن ٩١٧ تظاهرة سلمية يساوي حوالى ١١ مرة للمعدل العام لهذا النوع من التظاهر وهو ٨٥ تظاهرة سنوياً ، بينما ٣١٣ تظاهرة شغب تساوي ٤.٥ مرة للمعدل العام لهذا النوع الذي هو ٦٧ تظاهرة سنوياً . لقد سجل المعدل النسبي العام لتظاهرات الشغب تراجعاً منذ عام ١٩٦٨ . لقد حصلت ٢١ تظاهرة شغب مقابل ١٠ تظاهرات سلمية للفترة ١٩١٩ – ١٩٦٨ ؛ في الفترة اللاحقة ١٩٦٩-٢٠١٦ كانت هنالك ست مظاهرات شغب مقابل كل عشرة تظاهرات سلمية . وفي اعلى السنوات وهي عام ٢٠١٤ كانت هنالك تمان تظاهرات شغب مقابل كل عشرة تظاهرات سلمية . وهنا يبرز السؤال الاحجية وهو لماذا يخرج الناس للتظاهر بهذه الكثافة دون ميل لأحداث عنف او شغب ؟ .

هنالك تنوع مختلف في الاستنتاجات اذا درسنا الظاهرة على مستوى الأقاليم او الدول . لقد تمت ملاحظة انخفاض عام في الميل للشغب في التظاهرات على المستوى العالمي العام . لقد سجلت امريكا اللاتينية والكاريبي اعلى معدل لجهة الميل الى السلمية في التظاهر بينما سجلت افريقيا المعدل الاقل في ذلك التوجه .

قبل عام ١٩٦٨ ، تم رصد مانسبته ٨٠٪‏ من تظاهرات الشغب في اجمالي اعمال الاحتجاج في امريكا اللاتينية والكاريبي ولكن ذلك انخفض الى حوالي ٣٣٪‏ منذ ذلك التاريخ . اما في افريقيا فقد كان معدل تظاهرات الشغب هو ٧٤٪‏ ، ثم انخفض الى ٥٢٪‏ خلال نفس الفترة . يمكن القول بشكل عام ان المعدل العام للتظاهر السلمي والآخر المصحوب بالشغب قد شهدا ارتفاعاً في هذين الاقليمين ولكن ألميل العام للسلمية هو الميل الاقوى .

عند مراجعة الأرقام بالموضوع يتضح ان البلدان الخمسة الاكثر اسهاماً في ظاهرة التظاهرات المصحوبة بالشغب على المستوى العالمي هي : الصين ، مصر ، الهند ، تركيا والولايات المتحدة . تسجل هذه البلدان وحدها ربع الاجمالي العالمي للتظاهر المصحوب بالشغب للفترة ٢٠١١-٢٠١٦ ( يمكن اضافة فرنسا الى القائمة لان اكثر من دارس للظاهرة قد اوردها ) . من بين الأقطار الستة المذكورة تسجل تركيا المعدل الاول لأنواع الاحتجاج ( السلمي والمصحوب بالشغب ) قياساً لعدد السكان . اما في الصين والهند والولايات المتحدة فقد قفز معدل التظاهر المصاحب للشغب للفترة ذاتها الى الأعلى مقارنة بالفترة السابقة ولكنه ظل تحت سقف المعدل التاريخي العام لهذه البلدان . ولكن في جميع هذه الحالات ظل عدد التظاهرات السلمية ينمو بمعدل يفوق نمو التظاهر المصاحب للشغب .

يمكن القول بشكل عام ان عدد الناس الذين ينضوون في مظاهرات الشغب ( يقصد حجم كل تظاهرة ) قد بدأ يتقلص منذ ام ٢٠١١ وهنا يطرح السؤال : لماذا يظل هذا العدد المحدود من الناس مصرين على هذا السلوك خلال العقود المنصرمة ؟ .

هنالك كما يبدو مجموعة من الأسباب كما هو شأن آية ظاهرة سياسية . لقد اصبحت الدول اكثر قوة وخاصة في مجال المراقبة والتنبؤ مما يزيد من خطر المشاركة في التظاهرات العنيفة في الوقت الذي تبدو فيه المظاهرات السلمية الحائزة على ترخيص اكثر جذباً . لقد انحازت الكثير من البلدان الى الديمقراطية خلال العقود الاخيرة كما تنمو في العديد من البلدان النامية طبقات وسطى . هذان عاملان يحركان الأفراد نحو شرعنة نشاطاتهم السياسية وجعلها تعاونية بشكل اكبر بعيداً عن روح التمرد او الأنماط غير القياسية للنشاط السياسي . كما ان تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ووسائل التواصل الجماهيري عبر الانترنت تدفع نحو الميل الى تسييس النشاط الذي كان ينشأ ميالاً للعنف تاريخياً جراء الشعور بانعدام العدالة .

النتيجة العامة التي نخلص اليها هي ان الميل الى التظاهر العنيف يميل الى التنحي بالمقارنة النسبية رغم ازدياد ظواهره بالحساب المطلق .

Quiet Riots , Global Protest is More Peaceful Than Ever

By : Justin Murphy

Wednesday , September 13 , 2017

شارك
المقال السابقالكرم العربي
المقال التالىوراك وراك والزمن طويل

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد