عقبات تجابه التفكير العلمي فتسطو على وجودنا ونظمنا الاجتماسياسية

 

إن دولا نامية في منطقة الشرق الأوسط دخلت دائرة التغيير للتخلص من سيف الأحادية في عصرنا ونظام الاستبداد والدكتاتورية. ولكنها سرعان ما وقعت بمطبات جديدة لأسباب مختلفة كثيرة بعضها يصل حد التناقض. ولكن بعامة كان العامل الذاتي لثورات التغيير يقع في مستويات تفشى فيها كثير من العقبات التي تعترض منطق التفكير العلمي وفرص تقوية العامل الذاتي الممثل لإرادة الشعب وتطلعاته..

ففي مصر كانت الثورة التي اختطفها المتأسلمون ولكن قبل محاولتهم أخونة مصر انتفض الشعب بوجود عناصر تنويرية إيجابية عديدة كانت بمستوى القدرة على التصدي لقوى الظلام. لكن الذي حصل في اليمن وليبيا وسوريا يعد كارثة بكل المعايير حيث جرّها الظلاميون مع مرجعيات خارجية إلى مشاغلة بصراعات دموية همجية المنحى. وفي العراق وتونس، مع فروق بين البلدين، صعد أيضا نجم التأسلم وظلاميات خطابه ومنطق محاولة جر الشعبين إلى نظام الدولة الدينية الطائفية وطبعا المافيوية المفسدة فـوُلِد نظام (الطائفية الكليبتوقراطي) وما خلفه من خطاب…

وإلى جانب أسباب جوهرية عديدة أخرى، ساهم هنا بالخصوص، عامل الفهم المغلوط لحدث التحرر من نظم الاستبداد بل الفهم المغلوط حتى للحريات التي ينبغي لقطاعات واسعة الحصول عليها، ساهم ذلك في توريط تلك القطاعات الكبيرة، في الوقوع بتلك الهوة الظلامية لمنطق الخرافة وهذا يقع بصورة أوضح في العراق منه بتونس..

إن ذاك الفهم المغلوط الذي تشير غليه المعالجة لم يأتِ من فراغ بل هو ذلك الإسقاط القدسي التضليلي المزيف الذي تم توجيه أذهان كثيرين إليه بما جعل من منطق الخرافة يسطو عليهم فأوقع من تسربل بطقسياته التي خُدِع بها خلف حُجُب الظلاميات.. وليتذكر القارئ الكريم ظاهرة اتساع قوى ظلامية من أحزاب (الإسلام السياسي) الطائفية المفسدة وانتشارها بعد أن توبعت مهام سحق كل عوامل التنوير وقواه…

غير أنّ الإشارة إلى الفهم المغلوط بوصفه هو الآخر عقبة بوجه منطق التفكير العلمي، لا يقتصر على بلدان التخلف (النامية) وما يشيع فيها من نُظُم ظلامية بل يوجد أو يظهر وإن بمساحة هامشية لنسبة المعتقدين به، في البلدان المتقدمة تكنولوجيا صناعيا أو حضاريا بالمصطلح الأوسع. وهو ما نلاحظه في استخدامات برامج التكنولوجيا الأحدث ووسائطها كالتلفزة والنت لخطاب الخرافة ومنطقها، ويظهر هذا بحسب وجود جمهوره، وإن بنسبة ضئيلة، كما بوجود من يذهب إلى السحرة والمنجمين وما شابه من مظاهر جزئية محدودة.

ولكنَّ الحِكم والغايات من ظهور خطاب الخرافة تلفازيا مثلا، تبقى بتلك البلدان المتقدمة ذات أبعاد لا تتعلق بالإيمان به حسب بل بأهداف وغايات قد تقع خارج خطاب التخلف نفسه، بما فيه من محاور ومفردات على سبيل المثال إنتاج أفلام (الخيال) وما تتضمنه، تسويقا لمتعة تنصب في تزجية الوقت بآليات ذاك الإنتاج..

ومع ذلك، ينبغي بهذا الشأن، التوكيد على البعد الفردي لوجود هذا المنطق في تلك البلدان، فيما النظام العام لدول التقدم التكنولوجي، محسوب بكل خطوة سير، بطريقة منظمة موجهة ومخطط لها بحسابات دقيقة صارمة، تلك الصرامة هي ما قد يكون من بين أسباب ظهور منطق الخرافة الأمر الذي يعود إلى هامش يدفع إلى رد فعل باتجاه الانفلات من تلك القبضة الصارمة؛ عبر آلية تنفيس (تفريغ شحنات وتوترات نفسية بقدر تعلقها بالفردي).

ولا تناقض هنا في الأمر، لأنه في النهاية يخضع لقراءة العلم ومنطقه وتعود مجمل التفاصيل (لاحقاً) إلى مسارها.. فالمحصلة بالتأكيد تكمن في أنّ المشهد الأعم والأشمل يعود لتحكّم المنطق العقلي بعموم المسار الإنساني بتلك البلاد وما وصلت إليه من تقدم بالاستناد إلى منطق التفكير العلمي..

ولكننا بخلاف ذلك نجد أنّ سيادة منطق الخرافة في بلدان الشرق له تفسير آخر ومعطى دلالي بآليات مختلفة، كونه لا يتحدث عن حالات هامشية أو ظواهر فردية محدودة مجتمعياً في استخدام منطق الخرافة أو منطق التفكير الأسطوري..

تدفعنا هذه الحقيقة إلى التوكيد على أن لبوس المنهج العلمي في بلدان التخلف والتبرقع (شكليا) به أو القول بأن المستقبل كفيل بتوكيد الخزعبلات والخرافات التي لم تثبت أو يبرهن عليها اليوم، إن ذاك التمظهر الشكلي ولبوسه المزيفة، ليس له أية أرضية في المنطق العقلي السليم.. لاحظوا تمظهر قوى خبرها حتى أعضاؤها وجمهورها على أنها قوى طائفية حد النخاع لترتدي اليوم لبوس العلمنة والعلمانية ومنطقها! أشير إلى أن أغلب القوى الطائفية المتأسلمة تدعي أنها توظف منطق العصر بخطابها ولكن جوهرها يفضح حقيقتها وهوية منطقها؛ إشارتي لن تضع استثناءات فالأخوان علمانيون على وفق إدعاءاتهم بتونس وغيرها والدعوة والمجلس والصدرية علمانيون كما بالعراق!!! أليس هذا بعضاً مما نشير إليه؟

إنّ تلك المخادعات التي تتقدم شكليا خطوة نحو منطق التفكير العلمي والعلمنة القيمية، لا تبتعد عن محاولة تأطير الدفاع عن الخرافات بإسقاطاتها السابقة أي بإسقاط الدين غطاءً؛ ومثل هذا الإسقاط الذي يوظف (القدسية الدينية) يمثل فلسفةً ومنطق تفكير لم ينص عليهما متنورو الماضي، عندما دفعوا باتجاه البحث والاجتهاد المعرفي وتكريم الإنسان بـ(عقله).. ولم يضعوا الدين في محفل الدفاع عن الخرافة، أذكّر هنا برفض النص الديني (الطيرة) على سبيل المثال وتكذيبه المنجمين ودجلهم وقد أثبتت كذلك تجربة القرون الأوروبية الوسيطة خطل ترهات الخرافة وخطرها.. ما أتحدث عنه اليوم يسعى إلى دفع جمهور تلك الحركات (الطائفية المتأسلمة) لاكتشاف حقيقة الانفصال بين الدين ونصوصه وبين تأويلات أصحاب منطق الخرافة الظلاميين ودجلهم وألاعيبهم.ومن ثمّ اتخاذ الموقف الأنجع لاختيار منهج التفكير العلمي..

إننا إذ نشير هنا بهذه المعالجة إلى ما تبقى من تمظهرات الخرافة، بوصفها عقبات وعراقيل، تصيب اشتغال العقل الإنساني بالشلل فتعطله وتبطل آلياته، بما ينحرف به من منطق التفكير العلمي بكل مبادئه وآلياته ليضعه في خانة منطق التفكير الأسطوري وتوجهات من يخدمه ذلك ويستغله لخدمة مآرب بعينها، إنما نحاول استكمال الكشف عن عقبات تقف بوجه التفكير العلمي وأسرار وجودها وتفشيها هنا او هناك بجغرافيا عالمنا الإنساني المعاصر. وطبعا وبالتأكيد مساعدة جمهور الشعب على تبني المنهج الأنجع لإنقاذه مما هو فيه..

وبالعودة إلى النموذج الذي تقدمه سلطة الطائفية السياسية التي تدعي أنها (مسلمة) وتستمد وجودها من (الإسلام ديناً ومنهج حياة)؛ نكتشف الحقيقة بأنها تمارس إسقاط القدسية الدينية عبر منطق الأسلمة وخطابها السياسي المحض وليس الاعتقاد وخطابه الديني وآلياته المحكومة بنصوصه وقواعده، وتلك القوى الدعية الظلامية تشيع طقسيات يسمونها معتقد الطائفة، فيما هي في حقيقتها تطبيقات منطق الخرافة وتمظهراته التي تسعى إلى تعطيل اشتغال العقل ومنطقه العلمي لتأسر الإنسان وتجنّده في مقاتل لا يكون فيها إلا مجرد أضحية أو (قربان) لهذا الزعيم (الطائفي المفسد) أو ذاك.

إن الانفكاك بل التحرر والانعتاق من أسر مافيات تسمي نفسها أحزاباً وتسوّق لوجودها بشعار (الإسلام) هو الحل، يظل الحقيقة التي تحرر المجتمع من منطق التفكير الأسطوري وخرافاته ودجله وأضاليله.. والدجل هنا يكمن في عبثية تمظهر التنظيمات المافيوية بصيغة تنظيمات (أحزاب إسلامية) وهي بجوهرها لا ترتبط بالإسلام، الدين ونصوصه ولا باجتهادات مفكريه الأوائل التي أنتجت المذاهب بوصفها حلا لمسائل تستغلق على المسلمين، بمعنى أن المذاهب تمثل اجتهادات تسهّل للمؤمنين بدين فهم النص وممارسته بسلاسة وسلامة اعتقادية من جهة وحياتية من جهة أخرى… بينما ما لدينا ليس سوى (الإسلام السياسي) بوجهه (الطائفي) الأقبح في ظلامياته وفي إسقاطات القدسية بغير مواضعها، أو بتزييفها، عندما يصير زعيم مافيوي مفسد مقدسا وخطاً أحمر لا يُسمح بالمساس به أو انتقاده أو تجاوزه لغيره على الرغم من هول الكوارث وفظائعها التي جاء بها وارتكبها..

في كل بلاد العالم (الديموقراطي) لا يغيرون الوجوه حسب بل يغيرون المناهج.. ولا خطوط حمراء في الأمر.. بالجوهر لا وجود لخرافة تسطو على أحد حيث لا قدسية يُسقطونها على من يرتدي الجلباب ليكون زعيما لفئة أو طائفة، فالطائفة غير موجودة لكن الموجود هو أتباع مذهب في إطار دين على سبيل المثال وهم ينفتحون على حلول المذاهب جميعا بما يجدون به خياراتهم بلا تعقيد، كون المذاهب ليست حواجز وتخندقات محتربة بل اجتهادات تساعدهم على الصلة الأنجع بدينهم على وفق ما يعتقد كل امرئ منهم.. بينما في بلدان التخلف لا نجد الحديث عن المذاهب وأتباع الدين الواحد بقدر ما يختلقون لهم خنادق الاحتراب الطائفي، إذ يأسرون الناس بارتداء عمامة وجبة وحمل مسبحة في اليد يقلّبون بها كما يقلِّبون أتباعهم الذين يُؤسرون بحضيرة الطائفة المنغلقة على زعماء الطائفية وخطاب الخرافة الذي يسوّقون قدسيته المزيفة!

عقبات التفكير العلمي تكمن في كيفية تشغيلنا عقولنا وبأي منطق نشغّلُها؟ وما منطق الخرافة الذي قد نصاب بجرثومته، فيكون حجاب العقل فينا، بأخطر مما لأحجبة الجلابيب والأعمة التي تخفي ما تعبر عنه من اجترار قيم ظلامية تتعارض ومنطق والعصر؟ والحقيقة أن حجاب العقل أخطر مما يظهر فيما نرتدي من حجاب الملبس المتناقض وأزياء العصر أو المجافي لحاجاتنا المباشرة؛ لأن الخرافة حجابا، تتسلل كجرثومة مرضية فينا فتعطل العقل عن الاشتغال وتمنع عنه آليات التفكير العلمي وما توافر للبشرية مما قطعته من أشواط التقدم والتطور..

فإلى من يتمترس خلف الكسل ويتجنب الاشتغال والحراك، هل ستستمر في الخنوع لأسر نفسك في كهوف التخلف ودجل أضاليل الطائفيين المفسدين وأنت تدري بخبرتك وبمعايشتك لظروف تفاصيل يومك العادي كم يستلبونك وجودك وإنسانيتك وسلامة عيشك؟

وأكثر من ذلك أنت تعرف أن النهب ليس في سرقة موظف صغير أو مواطن فقير للقمة يُطعم بها أبناءه ولكنهم زعماء 14 سنة عجافا حكموا بها العراق، وتلونوا في كل انتخاب باسمٍ فأعادوا إنتاج وجودهم مرات ومرات، ونهبوا وسرقوا ما لا حد له ولا سقف.. والأخطر أنك اليوم على الرغم من معرفتك بمن وراء النهب، تتابع وتواصل البقاء عضواً في هذا التشكيل الطائفي أو ذاك بمبررات لا تستقيم ومنطق العقل لو اخترت أن تشغّلَهُ بآليات التفكير العلمي لا بدجل التضليل المستند للخرافة…؟ هل ستستمر بدعم إنتاج ما يوقعك به منطق التفكير الأسطوري؟؟

في التالي من هذي المعالجة سنذهب لمفاصل أخرى عساها تتقدم بنا إلى الغوص بتوضيح أكثر بما يخدم مقاصد النداء الذي تطلقه هذه الحلقات المعدّة لتحرير الإنسان من استكانته وسلبيته ومن شلل عقله ولربما كانت المحاولة مفردة يمكن أن تساهم بإعادته لخطاب التفكير العلمي ومنطقه ومنهجه بوصفه طريقه الوحيد في عصرنا…

لا تعليقات

اترك رد