التكنلوجيا … والشباب


 

لا تكنولوجيا من دون عقول.. هذه حقيقة أصبحت معروفة في العصر الحديث الذي بلغت به التكنولوجيا مديات تسبق التصور والخيال، وطبعا لا عقول مبدعة من دون عمليات تهيئة، فالمعارف والتقنيات والاكتشافات لا تتيسر مثلما يتيسر الهواء. انها تستلزم الجهد والمثابرة وتطوير القدرات والبحث وحتى المغامرة، وكل هذه العناصر توجد في صفوف الشباب، والشباب العراقي ليس استثناءً، كما أكدت التجارب والمرويات ونشرات الإعلام. إنها مسؤولية الدولة في المقام الأول، والهيئات الشبابية ذات الصلة بمنظمات المجتمع المدني، أخذا بالاعتبار ان الجمعية العامة للأمم المتحدة وضعت عام 1975 حق التعرف الى العلوم والتكنولوجيا في صدارة ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقضت «باستخدام التقدم العلمي والتكنولوجي لصالح السلم وخير البشرية» وذلك في (أولا) ان «على جميع الدول أن تنهض بالتعاون الدولي لضمان استخدام نتائج التطورات العلمية والتكنولوجية لصالح تدعيم السلم والأمن الدوليين والحرية والاستقلال وكذلك لغرض الإنماء الاقتصادي والاجتماعي للشعوب وإعمال حقوق الإنسان وحرياته وفقا لميثاق الأمم المتحدة»
معنيون
نائب رئيس منتدى بغداد الاقتصادي باسم انطوان أوضح قائلا: «كل المجتمعات فيها العقول النيرة والمبتكرة ومنها المجتمع العراقي، إذ يزخر مجتمعنا بنخبة من الشباب المتميزين وذوي الأفكار الغنية النيرة ولكن دون أن تتسنى الظروف لاستثمارها، إذ لا يوجد برنامج او خطط لتحقيق هذا الهدف. وأحيانا يكون الخريج من الكلية أو الجامعة ذاتها ولديه أفكار ولكن ليس لديه الإمكانيات للولوج عمليا بتلك الأفكار، ومن هنا يجب أن تتبنى الجامعة دراسة فكرته أولا ويجب على الجامعة أن تنشئ ورشات عمل وتشجع الشباب وغير الشباب وتعطيهم فرصة لإيضاح أفكارهم. بعد هذا ومن خلال دراسة تلك الأفكار ودراسة الجدوى الاقتصادية، وبعدها تمولهم بقروض يعملون بها لفترات معينة قد تكون سنة أو سنتين مثلا». القروض هي الوسيلة المعتمدة لدى جامعات الغرب.
مؤكدا «تعد هذه القروض منحة للطالب وإذا نجح الطالب في عمل ما يريد من منجز سينزل الى السوق وسيدر ربحا قد تستفيد منه الجامعة وحينذاك تستطيع الجامعة أن تعفيه من سداد ذلك القرض لأنه أسهم في الربح الوفير للجامعة وهذا ما ابتدأت به الولايات المتحدة منذ ٢٥ عاما وان الكثير من الصناعيين المعروفين في العالم بدؤوا من تلك الحواضن التي استخدمتها الجامعات الأوروبية وحتى العربية مثل تونس».
وأشار أنطوان الى «أن هذه التجارب موجودة في لندن وتركيا وفرنسا وسلوفاكيا. والهدف منها تسخير جهود الطلاب في داخل بلدهم والاستفادة من خبراتهم بدل لجوئهم الى الخارج وهجرة تلك العقول هي بكل تأكيد خسارة للبلد، الاستفادة من معروضهم او أعمالهم بالسوق المحلية وعدم الاعتماد على استيراد الصغيرة والكبيرة من دول الخارج». وأستطرد أنطوان قائلا: «العراق مدعو اليوم الى العمل بهذا النظام علما أننا طلبنا هذا مرات عدة من الجهات المختصة بهذا الشأن ولقينا استجابة نظرية فقط وبدورنا ندعو مرة أخرى الجامعة التكنولوجية باعتبارها الأقرب الى الفكرة وكذلك ندعو جامعة بغداد وهيئة المعاهد الفنية لإنشاء ورش عمل للشباب المتميزين ذوي الأفكار التي ستخدم البلد أولا وتخدم الجامعة التي درسوا فيها حتى ومن المحتمل أن يدخلوا شراكة مع الجامعة ومن المفترض أن يدعمهم النظام المصرفي ويوفر لهم سبلا لتحقيق ما سيعملون من أجله علميا وتكنولوجيا.

رعاية المواهب

وأشار الخبير الاقتصادي عماد العلو الى أن «الاعتماد على منهج الدولة لرعايتها للشباب والمهام العلمية. في وزارة الشباب مثلا توجد مديرية الرعاية العلمية وتلك مسؤولة عن رعاية المواهب وتطويرها ودعمها بالأموال وإبرازها بعد ذلك للإعلام لتأخذ دورها في الترويج والانتشار. وهذه الدائرة من المفترض أن يكون لها دور فاعل ولكن للأسف فإن وزارة الشباب تركز دائما على ما يقدمه المنتخب (كرة القدم) وكذلك اللجنة الأولمبية التي لا تولي أي اهتمام بالمواهب العلمية للشباب ودعمها في كل الاتجاهات».
واسترسل العلو قائلا: «ونحن بدورنا نطلب من وزارة التربية والتعليم العالي والدوائر ذات العلاقة أن ترعى هذه الكفاءات بدءا من المراحل الابتدائية وصولا الى الأكاديمية. وذلك من خلال المسابقات والدورات التثقيفية في هذا المجال والدعم المادي للمواهب التي يشار إليها وفتح مراكز بهذا الشأن والعمل عليها ضمن توجهات تفيد مستقبل البلد وتجعل من الطالب العراقي يحب بلده ويخدمها بعلمه وصدقه ويجب أن تكون للطالب روح المواطنة التي يفتقدها طلابنا الآن وللأسف إلا ما ندر وهذا ما يسبب عادة هجرة العقول المنتجة والأكاديمية الى السفر خارج العراق».
وأضاف العلو «أن هناك مراكز مخصصة لهذا الشأن سواء تعليمية أو ترفيهية ولكن طالتها يد المتجاوزين وسكنوا فيها دون اللجوء الى الدولة ويجب على الوزارات المختصة أن ترجع تلك البنايات الى أحضان الدولة والاستفادة منها لهؤلاء الشباب الذين هم نواة المجتمع»

دور وزارة الشباب

وأوضح مدير عام مديرية الرعاية العلمية في وزارة الشباب المهندس أحمد سعد عليوي «تأسست المديرية في سبعينيات القرن الماضي وفق القانون ٢٥ لسنة ٢٠١١ وهي أحد تشكيلات وزارة الشباب وهدفها اكتشاف الموهوبين وأصحاب الابتكارات العلمية وإنماء أفكارهم واختراعاتهم وتمكينهم من الإبداع وهي ترعى الشباب من عمر المرحلة الابتدائية الى الجامعة».
وأضاف عليوي «أن مديرية الرعاية العلمية الآن لها اتفاق أولي مع وزارة التربية للخطة السنوية المقبلة لدعم الفئات الثلاث في المراحل الدراسية ومن عمر 12 الى 18 سنة». واسترسل عليوي قائلا: «إن المديرية تقوم بفعاليات ومهرجانات ومسابقات على مدار السنة وآخر مهرجان لها كان في العام ٢٠٠٣ وهناك مسابقات وأولمبيات الفريق العلمي (الفيزياء- الكيمياء- رياضيات- مادة الحاسوب) ومن عمر 15 الى ١٨ سنة. وتلك الفرق تمثل العراق بكل الدول بالجانب العلمي. وكانت آخر مشاركة للنشء «الطلائع» في ملتقى النشء في مصر وحصلنا فيه على ثلاث ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية في بداية شهر حزيران ٢٠١٥ وكذلك كانت لنا مناظرات بالجامعات في نيسان ٢٠١٥ في البحرين وحصلنا على المركز الثاني على العرب».
وقال: «في المديرية ١٤ منتدى علميا موزعة بين المحافظات، إثنان منها في بغداد وتوجد نشاطات فردية من قبل الشباب، وهناك العديد من المنتديات التابعة لوزارة الشباب لمختلف الأنشطة، وحظي الطالب حسين قدوري من محافظة ذي قار بقبول بلندن بابتكاره (للكف الذكية) وهذه الكف للمسعفين وفيها شاشة تجس نبضات القلب وعدد الضربات. أما (محرقة البيئة) التي ابتكرها طالب الإعدادية «أبو الفضل» من ميسان والتي يجري الآن مفاوضات مع صحة ميسان على العمل بها وهي (حرق المواد الصحية والغازات السامة ليخرج بعدها الهواء النقي».

تأهيل وتدريب

وبين الباحث علاء الخطاب: «تعمد كثير من دول العالم على تأهيل وتدريب ملاكاتها التي تعدهم الجامعات ومراكز التعليم المهني، وذلك بغية زيادة الاحترافية لدى الملاكات وتكريس المنهج العلمي في مجالات التصنيع والتنمية، فهناك قوانين في أوروبا وأميركا على سبيل المثال تلزم الشركات والمصانع الكبرى باستضافة طلبة الجامعات قبل التخرج من أجل المعايشة والاطلاع وبشكل عملي على طبيعة الحياة العملية، فضلا عن توفير فرص عمل مستقبلية للطلبة وذلك ضمن برنامج محدد ومتعارف عليه، وهو ان يتم تسجيل بيانات الطلبة وتبادل المعلومات بين الطرفين بعد زيارات ميدانية لهذه الشركات والمصانع والمؤسسات هذا البرنامج يستفيد منه الطالب والمؤسسات والشركات على حد سواء حيث يقوم الطلبة بتقديم أبحاثهم ودراساتهم في مجال تخصصهم لهذه الشركات بدعم مالي من قبلها بعد أن توفر الشركات البيئة الملائمة لهذا العمل، علماً ان ما تنفقه الشركات يقتطع من حساب الضرائب».
مشيرا الى أن «هذا البرنامج يعد طريقة مثلى لدعم المبدعين وتوفير فرص عمل مستقبلية لهم. وتشجيع الشركات على التطوير والتفوق وتفعيل دور البحث العلمي لتحقيق أغراض التنمية الوطنية، إذ تقوم هذه البرامج بدور تنموي مميز في استكشاف الطاقات الكامنة لدى مختلف مستويات الطلبة، فضلا عن دفع الطلبة باتجاه الإبداع والبحث العلميين، وللتخلص من مشكلة بطالة الخريجين التي تتراكم في بعض الدول لتغدو مشكلة اجتماعية تعمل على زيادة الإحباط لدى الشباب ينتج عنها عزوف الشباب عن التعليم وخصوصاً التعليم المهني وبالتالي نفقد دور الطبقة الوسطى التي تعتمد عليها الدول في التنمية والتطوير. من هنا نفهم أهمية حواضن التكنولوجيا في استثمار الطاقات البشرية وتوظيفها بالشكل
الصحيح».

التخطيط أولا

وحدثنا الأكاديمي حسن الجنابي قائلا: «يمتلك الجهاز التخطيطي في العراق تراثا تخطيطيا ثرا جاء من سلسلة دراسات وممارسات وخبرات انبثقت عبر سلسلة من المؤتمرات المنعقدة في العراق أو من الخبراء الأجانب الذين رفدوا الوزارات المهتمة بموضوع التقنية الصناعية ببرامج تخطيطية وتنفيذية، استفاد منها الخبراء العراقيون في تأسيس قاعدة بيانات لمشاريع صناعية يمكن أن تكون حاضنة تكنولوجية لمشاريع أخرى اقتصادية تدخل فيها الآلة وتزيد من وتائر الإنتاج».
وأضاف: «طرحنا للقوى البشرية كحاضن للتكنولوجيا سواء أكان قطاعا حكوميا أم قطاعا خاصا. ولما كان القطاع العام يمتلك القدرة المالية الضخمة فهنا يمكن ان يوجه لاستثمار التكنولوجيا في المشاريع الصناعية الكبرى التي لا يستطيع القطاع الخاص تلبية المتطلبات التكنولوجية لها، فضلا عن المتطلبات الأخرى. وللعراق في ثمانينيات القرن الماضي تجربة رائدة في هذا الميدان، مثال ذلك مصنع البتروكيمياويات في البصرة والفوسفات في الأنبار، فمثل هذه المشاريع الصناعية الكبيرة تحتاج الى حاضنة تكنولوجية لا توفرها الرأسمالية الصغيرة في بلدنا».
وتابع الجنابي: «أما القطاع الخاص فيتولى الدور الحاضن للصناعات الصغيرة التي لا تحتاج الى رؤوس أموال ضخمة توظف كاستثمار للتكنولوجيا الداخلة في خطوط العمليات الصناعية، ثم ان الصناعات الصغيرة يمكن توقيعها في مناطق مجددة من المدن وبالتالي نستطيع تشغيل اكبر عدد ممكن من العاطلين بكفاءة التقنيات التي وفرها الحاضن التكنولوجي. وتعد مؤسسة التنمية الصناعية واحدة من الحواضن المهمة التي دعمت المؤسسات الصناعية الصغيرة التي من منتجاتها يمكن سد احتياجات المستهلكين بدل الاستيراد من الخارج كما هو واقع الحال الآن».

المقال السابقيا أنت ..
المقال التالىالروح – ج1
شذى فرج / مواليد ١٩٦٦ صحفية وشاعرة / عملت في/ ١/ سكرتير تحرير صحيفة الصناعي التابعةلاتحاد الصناعات العراقي ٢/ محررة في طريق الشعب ٣/ مندوبة في جريدة الصباح ٤/ كتبت في مواقع الكترونية كثيرة منها كتابات والنور وبصرياثا ومؤسسة الشبكة ٥/ عضوة في النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين ٦/ عضوة في اتحا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد