حيونة الشخوص في رواية (هوت ماروك) – ج 2

 

نواصل في هذا الجزء مقاربة مسار حيونة الشخوص في رواية هوت ماروك للكاتب والشاعر المغربي عدنان ياسين

1 – حيونة مؤسسة الأسرة : كان الأب عبد السلام حاملا لكتاب الله (هادئ يوحي منظره بالثقة) قليل الكلام ويحظى باحترام كل من عاشره لذلك اختار له الساردُ السرعوفَ الذي تقدره كل الأمم: (فهو نبي لدى اليونان والجرمان ويسميه عرب الجزيرة “فرس النبي” أما اليهود فقد حفظوها باسمهم مطلقين عليها ” جمل اليهود” ، الإسبان يعتبرونها قديسة، وجيرانهم الجنوبيون من أهالي طنجة وتطوان وفاس يسمونها “باالحاج” أما الأطفال في أزقة مراكش فكانوا يعاملونها بتبجيل ويطلقون عليها اسم”ناقة بابا ربي” )1. أما الأم “حليمة” التي لا تكف عن النعيق فلم يجد لها ما يناسبها من الحيوانات غير البجعة لأن مرض الدراق الذي أصابها (جعل غدتها الدرقية تتضخم لتأخذ شكل ورم في منطقة الرقبة تبدو معه كالحوصلة الكبيرة التي تحتفظ بها البجعة أسفل المنقار. أيضا بسبب عجيزتها العظيمة، كانت حليمة تجد صعوبة في الوقوف ، وحين تستوي على قدميها تمشي بطريقة مضحكة تماما كبجعة) .2 وبنفس المعايير ربط العمَ عماد بالسنجاب، لكن مقابل سهولة إيجاد الحيوان المناسب للأب، الأم والعم، فإن السارد استعصى عليه إيجاد الحيوان الكامن في أحشاء حسنية ، فما أن اطمأن إليها واتفق معها على موضوع بحث الإجازة حتى بدأت تتراءى له في الحلم في صورة حصان (تكر وتفر ، تقبل وتدبر … تتبختر في حلمه مثل فرس أصيل :

له أيطلا ظبي وساقا نعامة +++++ وإرخاء سرحان وتقريب تتفل)3

وبعد أقل من أسبوع تراءت له على هيئة غزال (تتهادى على نغمات موال أندلسي

رماني غزال أهيف بجماله +++++ فجاءت سهام القتل من جانب الدوا)

وبعد أن (ظل رحال على امتداد الشهور يطارد حيوان حسنية في ملامح وجهها، في حديثها وصمتها، في حركاتها وسكناتها، في الكتب والأحلام …) وبإيحاء من أمه يكتشف أن المرأة (ذات الأذنين الصغيرتين والرأس الذي لا يكاد يفصح عن رقبة تحمله ملامح قنفذ)4. وهي الصفة التي ستلازم زوجته في أكثر من ثلاثة أرباع الرواية…

2 – حيونة الجامعة : لم يسلم أحد بكلية الآداب – سواء في الوسط الطلابي أو الأساتذة الذين تعامل معهم رحال العوينة – من إلصاقه بالحيوان الذي يناسبه منهم “عتيقة” الطالبة المناضلة وبما أنها (قروية من أحواز مراكش، ثورية بالفطرة مليحة شديدة الطيبة… جسدها القوي المتدفق وتقاطع وجهها الصبوح المستغني بالسماحة عن الذكاء وصفاء عينيها الواسعتين كل ذلك قاد رحال إلى التفكير فيها منذ البداية كبقرة)5 ، كذلك جعل الطالب ” أحمد” ضبعا لأنه مغرم بنبش القبور و يكثر من الاستشهاد بماركس، لينين ،ماو تسي تونع، ابن بركة ومهدي عامل… إضافة إلى ذلك كان له صوت بري (صوت مجروح مموسق يصل حين يرفعه قليلا على ما بين العويل والعواء)… وجعل الطالب عزيز من صنف السلوقي لأنه مجند في خدمة الفصيل الطلابي الذي ينتمي إليه دون التفكير في مصالحه، ساعده على هذا الاختيار كون ( كل الحيوانات تصيد لنفسها إلا السلوقي فيصطاد لصاحبه ليجود عليه هذا

الأخير بما فضل عليه من وضيع الطرائد)6 وعلى ذات المقاس فإن ( مراد جربوع أما المختار فجرد لا غبار عليه)7 والأستاذ المخلوفي ( فيل حقيقي)8

3 – في الصحافة : نظرا للمكانة التي أضحت تحتلها السلطة الرابعة، وما أتيح لها من إمكانات بشرية، لوجيستيكية ومادية جعلها تتحكم في خلق و توجيه الرأي العام، فقد اختار رحال العوينة لعالَم الصحافة أنسب الحيوانات فجعل ” نعيم مرزوق” حرباء لا موقف له (كايدور بحال الزمان)9( لا يترك ساق شجرة حتى يمسك ساقا أخرى، تنقل بين أكثر من صحيفة في البلد وكان يعرف دائما متى يغادر وكيف، … دائما يخرج بغسيل قذر يعرف كيف يبيعه، يبدأ بنشره على حلقات في الجريدة المنافسة التي يكون قد رتب معها كل شيء في السر قبل مغادرة سابقتها. ألم تقل العرب قديما ” أحزم من حرباء، لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا”… وكما تدور الحرباء مع الشمس … يدور مرزوق مع الفلس … ومثلما تغير الحرباء لون جلدها يفعل مرزوق… وإذا كانت الحرباء لا تتنقل للحصول على فريستها فإن مرزوق بدوره لا يبذل مجهودا كبيرا في الحصول على مواده… كل المعطيات تأتيه كافية وافية)10. لم يكسب شهرته إلا بحربائيته والمتاجرة بعيوب الناس ومآسيهم ، بالتشنيع على أصحابه الأدباء (يسخر من كتبهم التي لا يقرأها أحد، يسفه جوائزهم، البائسة ويهزأ بما يليها من مهارشات بشأن أحقية هذا الفائز أو ذاك ويفضح أخبارهم وتهافتهم على الأسفار والمهرجانات…)11

وعلى نفس المقاس كان أنور ميمي – الصحفي الذي عُـيِّن على رأس صحيفة (هوت ماروك) فغير خطها التحريري نحو التفاهة والسطحية – بالتركيز على (أخبار النجوم . ممثلين

وممثلات. مطربين ومطربات. خصوصا من النوع النشيط الذي يدوِّر الناعورة في كاباريهات الدار البيضاء حيث يسهر ميمي بانتظام)12 وبما بأنه يتظاهر بعكس ما يبطن فقد جعله رحال لعوينة أقرب ل ( نمس مستأنس قد ينخدع البعض لملمس فروه الناعم وقصر قوائمه إلا أن أصابعه تنتهي ببراثن حادة هو لا تخيفه الزواحف على اختلاف أنواعها حتى التماسيح بجلال قدرها اتخذ من بيضها غذاء أثيرا له، أما براعة النمس في القضاء على الأفاعي السامة فمعروفة).13

هكذا سار رحال يقرن كل صحفي بحيوان بعد أن استحالت الصحافة سلاحا للتشهير بالناس، وجعلتها الإنترنيت مهنة من لا مهنة له، الكل يلعن يعلق بأسماء مستعارة دون أدنى مراعاة لمقامات الناس، فهذا أبو شر الغيفاري اليساري المتطرف ( ضربان أصيل فيه شيء من هذا الحيوان الليلي الشرس الخادع الطباع الذي لا يتردد في مهاجمة الحيوانات الأكبر منه كالغنم والحمير)14وذاك أبو قتادة نقيضه في التطرف (لا يخشى في الله لومة لائم … متحمس دائما لفضح مغالطات العلمانيين وأكاذيب الديمقراطيين وترهات الليبراليين ومن تبعهم بإساءة إلى يوم الدين…)15 ومع هذه الأسماء المستعارة التي تكتفي (بالاسم الشخصي : كريم . خالد. منى. سعيد. توقيعات تحيل على مدن أو مناطق: سميرة المراكشية. فريد المكناسي . ولد صفرو . الصحراوي. أمازيغي حر. بنت الشمال…)16 والتي يعجز أصحابها عن المواجهة زاد الاستئساد والاستنصار الافتراضي قوة، فظهرت مقاييس جديدة لتقييم أشاوسة هذا الزمان، لعل أهمهما عدد اللايكات التي حطم فيها ولد الشعب (الاسم المستعار لرحال العوينة) كل الأرقام فيكفيه أن يخط (رأيا سريعا حول خبر يومي تافه (لِ) تنهال اللايكات من كل حدب وصوب… أحيانا يجمع خمسمائة لايك في ثلاثة أيام…) وفي لمح البصر (صار

ولد الشعب نجما لديه قراء تغنيهم تعليقاته على الهامش عن قراءة المتن، ومعجبات لا يطقن غيابه)17. ومن تم تكون الشاشة الزرقاء قد أتاحت له ما لم يستطع فعله على أرض الواقع، وقد ساعده تكوينه الأدبي على التألق ف (منذ تعليقه الأول وقع على دخول ملكي إلى المعترك الإلكتروني مثل لاعب احتياطي يقحم في مباراة نهائية في الأنفاس الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني فيحرز الهدف القاتل)18 هذه الشهرة الافتراضية كانت كافية لأن تجنده المخابرات براتب لم يكن يحلم به (عشرة آلاف درهم في الشهر) ويتم تأهيله ليكون في نهاية الرواية على رأس منبر إعلامي هام إلى جانب (الحرباء والضربان) الذين سيشكلون رجال المرحلة الجدد، كل همهم (الرقص على الحبال الافتراضية ، التلفيق، تسمين الإشاعات، والوخز بالإبر الإليكترونية في صمت ومن بعيد)19 مع تفان وإخلاص في ذلك (وهل هناك إخلاص في العمل أكثر من هذا؟ أن تنخرط بتفان في شتم أشخاص لا علاقة لك بهم فقط لأنك ملزم بأداء واجبك على الوجه الأكمل؟) هكذا كان مرزوق كلما تذكر أنه يشتم الشرفاء (يتفنن في الشتائم أكثر لكي يقنع ذاته أولا أنهم ليسوا كما يظن…)20 ، وكان رحال العوينة كلما جلس إلى الحاسوب بدا(مستغرقا في الكتابة بحماس وهو يلهث مثل كلب صيد رابض فوق فريسة).21

انتظرونا في جزء قادم يتبع ….

1- المرجع نفسه ص 91 2
2- المرجع نفسه ص 90
3 – المرجع نفسه ص 45
4 – المرجع نفسه ص 113
5 – المرجع نفسه ص 23
6 – المرجع نفسه ص 23
7 – المرجع نفسه ص 51
8 – المرجع نفسه ص 37
9 – المرجع نفسه ص 385
10 – المرجع نفسه ص 242 بتصرف
11 – المرجع نفسه . ص 386
12 – المرجع نفسه ص 264
13 – المرجع نفسه . ص 374
14 – المرجع نفسه . ص 457
15 – المرجع نفسه ص 211
17 – المرجع نفسه ص 211
18 – المرجع نفسه ص 212
19 – المرجع نفسه ص 236
20 – المرجع نفسه ص 241
21 – المرجع نفسه ص 188

المقال السابقفلسفة الخلود في الاساطير الرافدينية
المقال التالىداعش والصومال
ذ. الكبير الداديسي كاتب رأي مؤلف وناقد من المغرب له مئات المقالات في صحف ومجلات عربية وعالمية.. فاعل جمعوي في عدد من جمعيات المجتمع المدني بالمغرب . من مؤلفاته :كتاب الحداثة الشعرية العربية بين الممارسة والتنظير صادر عن دار الراية بالأردن ط1 2014 .. كتاب شعر المدح في العصر المرابطي عن نفس الدار ط.1 ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد