داعش والصومال

 

* منذ بداية ظهوره في الصومال، يسعى “تنظيم داعش” إلى تشكيل قوة له في هذا البلد الإفريقي الفقير الذي أتعبته النزاعات المسلحة على مدى عشرات السنين، وفي أكتوبر عام 2015، أعلنت مجموعة منشقة عن حركة “الشباب المجاهدين” الصومالية تضم قرابة 30 مسلحا، ويقودها عبد القادر مؤمن، مبايعتها لتنظيم “داعش”، واتخذت من جبال “غالغالا”، في إقليم “بري” معقلا لها، في خطوة حملت نواة تشكُّل فرع لتنظيم “داعش” في الصومال. جماعة صومالية مسلحة، تشكلت في 2006 في أعقاب الغزو الأثيوبي على الصومال، وتتبع فكريا لتنظيم “القاعدة”. نفذت المجموعة المسلحة أعمالاً هجومية خصوصًا في كينيا، وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أعلن عبد القادر منعم، أحد قادة الحركة التي تضم، بحسب تقارير أمنية “المئات من الصوماليين”، ولاءه لتنظيم الدولة الإسلامية.

* جبهة الصومال هي من أكثر الجبهات اشتعالاً في السنوات الأخيرة وذلك لامتداد العمليات التي تقوم بها حركة الشباب المجاهدين إلى قلب الصومال بالإضافة إلى مدن متفرقة من كينيا. إن “جماعة عبد القادر مؤمن تستفيد من لعبة الصراع على النفوذ المعقدة بين قبائل بونتلاند”.

* إن هذه الدعوة الجماعية لداعش تعكس انحسار نشاطه في الأماكن التي ينشط فيها بفعل تأثير التضييق العربي والدولي عليه، لذلك فهو يسعى إلى تخفيف الضغط على مسلحيه وتحويل الأنظار عن خسائره التي تكبدها مؤخرا. هناك عوامل موضوعية تحول دون تمكن داعش من تأسيس قاعدة تنظيمية له في الصومال ،ومن ثم بناء جماعة تملك اسباب القوة والاستمرارية .وفي مقدمة هذه العوامل ان جماعة «الشباب الصومالية» تتوفر على عدد مهم من المقاتلين يتراوح بين 7 آلاف و 13 الف ،فضلا عن كونها تتمتع بنفوذ واسع يمكنها من أن تقوض جهود تنظيم داعش لبسط سيطرته على القرن الأفريقي؛

* ما يجعل تلك المناطق خالصة للجماعة التي تشهد هي الأخرى تراجعا أمام النفوذ العسكري الحكومي في الفترة الأخيرة فضلا عن الانقسامات الداخلية. يضاف الى هذين العاملين عامل ثالث لا يقل اهمية ويتمثل في الهزائم المتلاحقة التي تضرب تنظيم داعش في العراق وسوريا وليبيا، ما يجعل فرع داعش في الصومال يواجه تحديات كبيرة في التمويل وشح الموارد المالية؛ مما يساهم في إضعاف التنظيم والتأثير سلبيا على مستقبله في الصومال .

* فداعش الصومال لا يتوفر على قوة تمكنه ليس فقط من التوسع واحتلال مناطق في الصومال ،بل في الحفاظ على بلدة قندلا الصغيرة التي احتلها وسرعان ما طردته منها القوات الحكومية في 7 ديسمبر 2016 وأن تنظيم داعس الإرهابي فشل في تثبيت موطئ قدم له في الصومال التي سعى بشدة لإقامة دولته المزعومة فيها نظرا لموقعها الاستراتيجي وأهميتها في تأكيد وجوده في قارة أفريقيا وتثبيت صراعه وتنافسه مع تنظيم القاعدة في شرقي القارة وشمالها.

* الا ان الحرب على الارهاب في سوريا والعراق وليبيا أفقدت داعش نحو 70 في المائة من الاراضي التي كان يسيطر عليها بالإضافة الى طرده من مدينة سرت الليبية، إن هذه الحرب من شأنها ان تجبر مقاتلي داعش على اللجوء الى مناطق اخرى لإقامة مستعمراته ،وتعد الصومال واحدة من الاماكن التي يفر اليها مقاتلوه .لهذا على الدول الغربية أن تدعم القوات الأفريقية وتمولها بالسلاح حتى تتصدى لفلول الإرهابيين قبل أن يقيموا قواعدهم .وبحسب معظم التقارير الأمنية والاستخبارات فإن الوجهة القادمة للتنظيمات الإرهابية بعد طردها من العراق وسوريا ستكون منطقة الساحل والصحراء لضعف دولها وشساعة مساحتها .

* مازال فرع تنظيم “داعش” هناك في طور التشكل؛ إذ لا يتعدى أفراده 150 إلى 200 مقاتلًا عسكريًّا، إلا أن بعض المعلومات الأمنية أفاد بأن التنظيم بدأ يتمدد في شمال شرقي الصومال، ويُخرِّج أفواجًا جديدة من المقاتلين الذين تجاوز عددهم 300 مسلح أنهوا تدريباتهم العسكرية قبل أشهر قليلة. ويُعد عبد القادر مؤمن الذي يحمل الجنسية البريطانية، القيادي الرُّوحي لتنظيم الدولة في الصومال، ولا تتوافر معلومات دقيقة حول القدرة العسكرية للتنظيم، وأدرجت وزارة الخارجية الأميركية عبد القادر مؤمن في أغسطس 2016على لائحة الإرهابيين الدوليين. ووصفته بانه زعيم تنظيم داعش في شرق افريقيا، وبانه “إرهابي عالمي”.وكانت حركة “الشباب المجاهدين” حذرت في وقت سابق، من وتعد الصومال منطقة مهمة جداً لـ “داعش”، إذ إنه يمتلك أطول خط ساحلي في القارة الأفريقية، ويحده إثيوبيا وجيبوتي وكينيا.

* وانعكست الهزائم المتلاحقة التي تضرب تنظيم “داعش” في العراق وسوريا وليبيا، على فرع التنظيم في الصومال الذي أضبح يواجه تحديات كبيرة في التمويل وشح الموارد المالية، مما ساهم في إضعافه، وشكَّلت المنتديات الإسلامية ومواقع التواصل الاجتماعي منصات يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية لبث أفكاره لاستقطاب مقاتلين جددًا لتدعيم نفوذه. ولا يعرف إذا ما كان داعش في الصومال استفاد ماليا أو عسكريا من إعلان بيعته لأبي بكر البغدادي. لكنه رغم ذلك نجح في السيطرة على بلدة قندلة الساحلية الصغيرة في إقليم بونتلاند،في تشرين الأول/أكتوبر 2016.

* وتزيد حداثة داعش الصومال وعزلته من صعوبة إعطاء تقدير دقيق لأعداد مقاتليه، إلا أن الأرقام في منتصف سنة 2016 كانت تشير إلى أنهم ما بين 100 إلى 150 مقاتلا، علما أن التنظيم يباشر مرارا عمليات تخريج لدفعات مقاتلين يشرف عليها عبد القادر مؤمن نفسه وفق ما تظهر أشرطة فيديو دعائية على الإنترنت. أنه مع ظهور داعش نشب خلاف داخل الجماعة بين مؤيد لمبايعة داعش ومعارض لذلك، الأمر الذي انتهى بظهور بعض الخلايا التي انشقت عن الجماعة وبايعت «داعش» كان أبرزها جماعة «جاهبا إيست أفريكا».ولذلك لم تتوان جماعة الشباب لحظة عن إطلاق وعيد قاس لمن يعلن ولاءه لداعش أو حتى يبدي تعاطفه معه، وهو الوعيد الذي تمثل في تنفيذ عمليات إعدام ميدانية وهجمات ضد العناصر المبايعة لداعش. احتمال اختراق «داعش» صفوف «الشباب» بشكل أوسع في الشهور المقبلة، خاصةً أن الأخيرة فقدت كثيراً من نفوذها السياسي والاجتماعي بعد تحرير الجيش الصومالي، مدعوماً من «قوات حفظ السلام الأفريقية»، غالبية الأراضي التي كانت تسيطر عليها، وخاصة المدن الاقتصادية الاستراتيجية.

* وكل ذلك أدّى إلى شحّ في التمويل والموارد البشرية، فضلاً عن الخلافات الإدارية داخل «الحركة» وانهيار معنويات عناصرها إثر انسحابها من العاصمة مقديشو في آب الماضي، إضافة إلى استخدام «داعش» أشرطة الفيديو الدعائية في محاولة لإغراء عناصر «الشباب» وحثّهم على الانقلاب على «الحركة» والانضمام إلى التنظيم.

* صارت الصومال بسبب نشاط القاعدة وداعش بمثابة أهم مصادر السلاح للتنظيمات الجهادية في دول الإقليم، مما قد يجعل تنظيم “داعش” يعتمد على الصومال في توفير احتياجات خلاياه، سواء في سوريا والعراق أو في شمال إفريقيا واليمن، من السلاح في حالة تشديد الحصار الدولي المفروض على تدفقات السلاح العابرة للإقليم.

* وأيضا ساهم تمركز تنظيم الدولة في جبال غالغلا، وطول أمد بقائه في تلك المناطق، في تنشيط القرصنة البحرية؛ فالموقع الجغرافي المهم لهذه المناطق وإطلالتها على ساحل المحيط الهندي دفع هذه الحركات إلى محاولة التواجد في الموانئ والمدن الساحلية، نظرًا لأهمية تلك المواقع بالنسبة له في نقل الأفراد والسلاح والأموال إلى مجموعاتها المختلفة، وهو ما يعني بقاء احتمال استخدام تلك المناطق في تهديد الملاحة الدولية مستقبلا.

* كما أن هناك تخوفا مشروعا من احتمال تطوّر حركة الشباب في ظل تركيبتها الحالية، لتمثل دور “حركة طالبان” في أفغانستان وباكستان لكن بطريقة أكثر “أفريقية”، وتستمر في سعيها لمشروع توسعي لن يتوقف قبل السيطرة على القرن الأفريقي كله.

* ويعني كل ما سبق اتساع دائرة الخطر على منطقة جنوب البحر الأحمر، خصوصاً في القسم الشمالي من الصومال، في (جمهورية أرض الصومال) غير المعترف بها دولياً، وإلى أي مدى ستكون قادرة علی مواجهة أي تقدم لـ “حركة الشباب” أو غيرها من دون دعم خارجي. حيث يعني سقوط (أرض الصومال) في يد هؤلاء إمكانية تغلغل هذه الحركات في دولة جيبوتي المجاورة، وهي الجزء الأضعف على ساحل البحر الأحمر، والجزء الأهم لإطلالها علی باب المندب، ولدورها اللوجستي في أزمة اليمن، كما أنها تمثل واحة مستقرة في محيط يغلي بالأزمات.

* وتبقى احتمالات التدخل الإثيوبي والكيني في الساحة الصومالية واردة من حين لآخر، خصوصاً أن التداخل الديمغرافي بين الصومال وبين هذين البلدين، يشي بمثل هذا الاحتمال الذي قد يكون مشتركاً، وبمساندة محدودة من الاتحاد الأفريقي مع العلم أن أديس أبابا ونيروبي تجدان نفسيهما وسط ساحة صراع أفريقي – أفريقي، من السودان إلى بوروندي، في غياب أي أفق تصالحي. وسيؤدي غرقهما في المستنقع الصومالي إلى نشوب مشاكل أخرى داخلية، قد تؤدي إلى ازدياد مخاطر الانقسام الداخلي، أو على الأقل مطالبة بعض المجموعات الصومالية في داخل كينيا وإثيوبيا بالانفصال أو بالحكم الذاتي.

لا تعليقات

اترك رد